ان لتطورات الأوضاع الاقتصادية العربية, والتحولات السريعة على الصعيد الاقتصادي الدولي, أثارا انعكست على تغيير مسارات التنمية وسياسات الاقتصاد الكلي, وذلك باتجاه تقليص ادارة الأنشطة الاقتصادية من قبل الدولة, وتوسيع مشاركة القطاع الخاص والانفتاح على الاقتصاد العالمي , واتباع سياسات اعادة الهيكلة و(التصحيح الاقتصادي) ولهذه المعطيات المهمة أقام قسم الدراسات الاقتصادية في بيت الحكمة البغدادي ندوة تناولت (تقويم برامج الإصلاح والتكييف الهيكلي في الاقتصادات العربية) لتحفيز الدول العربية على تبني ممارسات غير تقليدية لاستنهاض القدرات الانتاجية التي من شأنها ان تعزز جهود مؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة تيار العولمة وتحديات القرن الحادي والعشرين. ودراسة هذه المتغيرات دراسة علمية معمقة ستدفع الباحث ليس إلى إصدار أحكام تقويمية عامة (مطلقة) على سياسات التكييف, أو الوقوف منها موقف المتفرج المحايد, أو رفضها أو قبولها كما هي, أو الاكتفاء بما أفرزته تجاربها الجاهزة من نتائج سلبية وخطيرة على تماسك النسيج المجتمعي, وزيادة حدة التفاوت في توزيع الدخل, وانتشار وتعمق ظاهرة الفقر, بل وايضا الى التطلع نحو آفاق رحبة على مستوى التحليل الكلي للسياسات والوظائف والمتغيرات, وطرح تصورات أبعد مدى مما حفلت به الكتابات الاقتصادية في هذا المجال, وأكثر إنصافاً على صعيد المعالجة. وهدفت بحوث هذه الندوة التي شاركت فيها نخبة من الباحثين العراقيين والعرب إلى مناقشة التحولات الاقتصادية, وما ترتب عليها من تغييرات عميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية, والآثار الناجمة عن تطبيقات برامج الاصلاح والتكييف الهيكلي في مجالات تنظيم المؤسسات والنشاطات الاقتصادية والمالية, وتوازنات الاقتصاد الكلي, ومدى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل والثروة, إضافة الى تحديد متطلبات الأبعاد الاجتماعية لتطبيق برامج (الإصلاح الاقتصادي). ولقد اختارت الندوة عدداً من المحاور بعضه له صلة بالتجارب العربية في هذا المجال وقد تناولت المحاور المواضيع الآتية: ـ مراجعة سياق التطورات الاقتصادية والفكرية لبرامج التكييف الهيكلي, وبيان مكونات هذه البرامج وتتابعها الزمني والمنطقي والإخفاقات التي أصابتها, والتكاليف الاجتماعية التي ستترتب في الغالب على التزامها, وكان هذا هو محور دراسة د. أحمد أبريهي العلي بعنوان (برامج التكييف الهيكلي: الخلفيات والمبررات) والتي يتضح من خلالها ان انحسار التحويل الميسر لعجوزات ميزان المدفوعات بعد أزمة المديونية, يمثل نقطة التحول الحاسم في مناهج التفكير والسياسة الاقتصادية, وان التوجه الجديد لهذه المناهج يستند إلى تطورات فكرية لايمكن إغفالها ولابد من التعامل معها بجدية تناسب خطورة تأثيرها في عالمنا المعاصر, كما ان محصلة المشكلات التي واجهها القطاع ومشكلات الادارة الحكومية قد غذت إلى حد كبير هذا التوجه الجديد. وأشارت الدراسة الى امكانات وفرص جديدة لتحسين الموقف التفاوضي للبلدان النامية, ودعت الى ضرورة اغتنامها, كما دعت إلى ضرورة اهتداء الأطراف الفاعلة في الحياة الاقتصادية الدولية الى صيغ مركبة جديدة عبر التأكيد على النزاهة والدور الحصين للأجهزة الحكومية من جهة, وتفعيل ما أسماه الباحث بالأسواق الموجهة بالبشر, من جهة أخرى, وذلك في اطار من التعاون الدولي يضمن التعامل بمسئولية مع النظام المالي الدولي ومؤسساته ويتفادى تكرار تجارب بعض البلدان النامية مع هذه المؤسسات (كالمكسيك والبرازيل) مع استعداد البلدان الغنية للإسهام في تحمل أعباء مكافحة الفقر في البلدان الفقيرة, وإزالة أسباب عدم الثقة وما يرادف ذلك من مشاطرة وفعالية في المحافل الدولية. ـ دراسة تطبيقات سياسات التكييف الهيكلي في الاقتصادات الزراعية, وتم تناول هذا الموضوع من خلال بحث د. سالم توفيق النجفي الموسوم (الفقر وسياسات التكييف الاقتصادي والتغير الهيكلي في الاقتصادات الزراعية العربية / النظرية والتجارب). وتضمن هذا البحث اطارا عاما حول علاقة الفقر بالاختلالات الهيكلية, وقياس النتائج التي ظهرت في بعض الأقطار العربية التي اعتمدت برامج الصندوق الدولي, والتي أشارت إلى ان بعضا منها مثل المغرب والجزائر ومصر وموريتانيا والأردن قد حققت نتائج ايجابية في نمو قطاعاتها الزراعية, في حين كانت النتائج سلبية على السودان الذي يعاني من تخلف البنى الارتكازية التي تحقق استجابة القطاع الزراعي لسياسات (التصحيح). أما مجمل النتائج على الناتج المحلي الاجمالي ككل فقد كان سالباً, حيث انخفضت معدلات النمو الاقتصادي عن معدل نمو السكان, ومن المعروف ان بعض الاقتصاديين يرون أن السياسات التي تؤكد على الركود تتكشف اثارها السلبية على الفقراء أكثر من الأغنياء. وقد أكدت نتائج البحث ان التعديلات في الهياكل الاقتصادية قد تأتي بنتائج ايجابية في المدى البعيد, إلا ان آثارها السلبية متوسطة وقصيرة الأجل ذات تأثير على فئات واسعة في المجتمع, كما شخصت النتائج اختلالات الاقتصادات العربية المتمثلة بارتفاع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الاجمالي قياسا الى نسبة العاملين في الزراعة الى مجموع القوى العاملة. ـ دراسة أثر الاختلالات الحاصلة في إعادة توزيع الدخل من خلال برامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي في أقطار عربية مختارة, وطرح مقترح لعلاج هذه المشكلة من منظور الفكر الاقتصادي الاسلامي, وتناول هذا المحور د. أسامة عبد المجيد العاني في بحثه الموسوم (أثر برامج التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي على اختلال اعادة توزيع الدخل في أقطار عربية مختارة), وأوضح هذا البحث طبيعة سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعناصرها الرئيسية, وما ترتب عليها من تكاليف اقتصادية واجتماعية باهظة في الدول التي قامت بتطبيقها, كما تطرق الى شبكات الأمان الاجتماعي التي اثبتت الدراسات والتجارب المختلفة عجزها عن حل مشكلة الفقراء أو الحد من ظاهرة التفاوت في توزيع الدخول, وخلص الباحث الى ضرورة تبني معالجة مشكلة الفقر من خلال نظام متكامل يقوم على تكافل وتضامن الدولة وأفراد المجتمع, ويحقق الضمان الاجتماعي لجميع المحتاجين, وذلك بعد ثبوت اخفاق وعجز الأنظمة المستوردة عن حل مشاكل اقتصادنا العربي. ـ دراسة ظاهرة انتشار الفقر الناتجة عن تطبيق سياسات التكييف, وتناول هذا المحور د. محمد عبيد الوارث من جامعة عدن من خلال استخدامه لنموذج المجتمع اليمني لاختبار هذه الفرضية. واخيرا طرحت تساؤلات عديدة بشأن مستقبل سياسات التكييف والإصلاح الهيكلي في ظل العولمة, ومدى توافقها في الأهداف والوسائل مع التغيرات العديدة والسريعة في الاقتصاد العالمي ومع النحو الذي تم استعراضه في البحوث التي تم توضيحها وشرح جوهرها. بغداد ـ عالية طالب