اشتعلت في أوروبا موجة من القلق في أوساط المؤسسات الاقتصادية الأوروبية من ارتفاع سعر النفط الخام والخوف من وصول سعر البرميل الى 40 دولاراً, وتحاول أوروبا تصعيد ردود فعل كثيرة في الأسواق الأوروبية بهدف ممارسة الضغوط على الدول المنتجة للعدول عن قراراتها الأخيرة داخل منظمة الأوبك . وتزايدت الضغوط خاصة بعد اعلان الوكالة العالمية للطاقة مؤخراً ان احتياطي النفط في العالم ينخفض الى 7.1 مليون برميل يومياً, ويبدو ان إفتعال هذا المناخ الذي يشترك في إثارته عدد من كبار وسطاء تجارة النفط الخام, يهدف لتحريك الادارات الحكومية في أوروبا لاتخاذ مواقف سياسية, يحدث ذلك في الوقت الذي سجل فيه سعر برميل النفط الخام من نوع (برنت) في الأسواق الأوروبية 60.28 دولاراً وهو مستوى السعر الذي سيتم إعتماده إعتباراً من بداية الشهر المقبل, في حين بلغ سعر البرميل (ويست تكساس) في أمريكا حوالي 30 دولاراً, ويعد ارتفاع سعر الدولار في الأسواق العالمية لأعلى قيمة له الان واحداً من الأسباب التي تقف وراء ذلك حيث تضطر الدول الأوروبية لشرائه لدفع قيمة النفط الخام, في الوقت الذي تعاني فيه قيمة عملة (اليورو) من انخفاض بلغ 15% خلال عام واحد وترجع شركات النفط الأوروبية خلفيات أسباب ارتفاع أسعار النفط الى: ـ تحديد منظمة الأوبك لكميات انتاج النفط الخام في مارس العام الماضي 99. ـ انضمام المكسيك (على الرغم من كونها ليست من أعضاء الاوبك) لمبادرة تحديد الانتاج. ـ التزام الدول المنتجة باتفاق تخفيض الانتاج (على عكس التوقعات الأوروبية) . كما تعود قوة تأثير اجراءات منظمة الاوبك لعدة عناصر أساسية أهمها: ـ لأول مرة منذ منتصف التسعينيات تسير معظم الدول الصناعية الكبرى في توجه واحد تشابه في السياسات الاقتصادية, والتطورات الصناعية. ـ سرعة مسيرة الاقتصاد الأمريكي كرد فعل للتقدم الاقتصادي في أوروبا, اضافة لوجود مؤشرات بأن اليابان على مشارف الخروج من أزمتها الاقتصادية, وعبور الدول الآسيوية الأزمة التي اجتاحت المنطقة عام ,1998 وقد أدى كل ذلك إلى زيادة الطلب على البترول. ـ اتخاذ شركات مصافي النفط لقرارات خلال السنوات الأخيرة بتقليل كميات احتياطي البترول لديها لخفض المصروفات. وقد حاول خبير النفط بيتر جيجنوكس تهدئة الأحوال بقوله ان هذه التكهنات تتسم بالمبالغة في ذات الوقت لم ينف توقعاته بأن الأسعار لن تنخفض في المستقبل القريب, مشيرا إلى ان الأسعار الآن بلغت أعلى مستوى لها منذ حرب الخليج, وكانت واحدة من أولى ردود الفعل على الساحة الأوروبية هي مبادرة شركة الطيران الملكية الهولندية برفع أسعار بطاقات السفر على كافة رحلاتها اعتبارا من اليوم بسبب ارتفاع أسعار وقود الطيران (الكيروسين) , كما أعلنت الشركة الملكية البريطانية الهولندية (شل) بأنها تعاني من تراجع أرباحها لارتفاع أسعار الشراء في مقابل تكاليف تنقية النفط العالية. كما اتخذت عديد من شركات النقل البري في مختلف الدول الأوروبية قرارات بخفض تسيير الشاحنات بنسب تتراوح من 30:50% لارتفاع أسعار الوقود, وتماشيا مع هذه الضغوط ارتفعت أسعار وقود السيارات لتسجل أعلى معدلات لها, حيث وصل سعر بيع لتر البنزين الأوروبي الخالي من الرصاص إلى 45.2 جيلدر في السوق الهولندي, ولتر الديزل 74.1 جيلدر. ويأتي اتجاه هولندا وأوروبا لرفع أسعار وقود السيارات بهدف تحميل المواطن ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية, دون التنازل عن جزء ضئيل من هامش الأرباح العالية التي تحققها, ودون خفض الضرائب الباهظة التي تفرضها على تجارة النفط, ولم تقف سلسلة ردود الأفعال عند حد شعور المواطن العادي بالاستياء وكذلك شركات النقل البري والبحري والطيران, بل تصل لمختلف مناحي الحياة حتى يبدو وان كل المشاكل الأوروبية بسبب بترول العرب!, فقد بدأت وسائل الاعلام الغربية في ربط عملية ارتفاع أسعار النفط بمشاكل )التضخم - ارتفاع نسبة الفوائد على القروض - تأخر التقدم الاقتصادي(, حتى ان المكتب المركزي الهولندي للاحصائيات أعلن ان التقدم الاقتصادي المتوقع أن تصل معدلاته في هولندا إلى نسبة 4% سيتأثر بسبب ارتفاع أسعار النفط. وهكذا نجد ان أوروبا لم تنظر بعين العدل لحق دول الأوبك المنتجة للنفط في خفض كميات الانتاج, لعمل توازن في السوق العالمي لضبط المعادلة بين العرض والطلب والحفاظ على مستوى بيع بأسعار معقولة يضمن لها استقرار الدخل القومي الذي تشكل أعلى نسبة منه عوائد النفط بل بدأت في تشكيل ضغوط على عدة محاور, بغية حصار الدول البترولية لاجبارها على خفض الأسعار مرة ثانية, وإن لم تنجح هذه الضغوط فمن غير المستبعد سعي الغرب لاثارة القلق والحروب من جديد في المنطقة العربية المنتجة للبترول. وعلى صعيد آخر أعلن وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون ان الحكومة الأمريكية متحفظة ازاء استخدام احتياطيها الاستراتيجي من النفط لخفض اسعار الخام. واضاف في تصريح الى شبكة التلفزيون (اي بي سي) ان (الحكومة لن تتدخل بالنسبة الى اسعار الفيول في الاسواق النفطية) . وردا على سؤال حول اللجوء الى استخدام الاحتياطي النفطي الأمريكي الاستراتيجي وهو الاحتمال الذي تطرق اليه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الاربعاء, قال ريتشاردسون (الرئيس قال انه لا يستبعد اي خيار الا ان هذا الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لم يستخدم سوى مرة واحدة) . واضاف (القانون يوضح بان هذا الاحتياطي لا يمكن استخدامه الا لحاجات التموين الوطني الطارىء علينا ان نكون في غاية الحذر) . ويبلغ هذا الاحتياطي النفطي الخام 563 مليون برميل قيمتها نحو عشرين مليار دولار. وقد بدأ تخزينه عام 1975 في الولايات المتحدة ولم يستخدم سوى مرة واحدة عام 1991 اثناء حرب الخليج مع العراق. وردا على سؤال حول اسعار الفيول المنزلي الأمريكي التي تضاعفت ثلاث مرات خلال عام قال وزير الطاقة الأمريكي (نعتقد ان الاسعار ستستقر واسعار الفيول بدأت فعلا في الانخفاض) . من جهة أخرى أعلن بيل ريتشاردسون وزير الطاقة الامريكي امس الأول برنامج رحلاته للايام العشرة القادمة الذي يشمل جدول اعمال جولة محادثات مع منتجي النفط الذين يتعرضون للضغط لكبح الارتفاعات الحادة في اسعار الطاقة العالمية. وقال ريتشاردسون ان رحلته محاولة لبحث شئون الطاقة مع عدد من المنتجين وبذل مساع تعاونية مع كل دولة حيث يزور المكسيك واسرائيل وفلسطين والقاهرة والكويت والسويد والنرويج. ـ رويترز سعر برنت مستقر وشركة فنزويلية تؤيد زيادة الضخ استقرت أسعار تعاقدات برنت والسولار الاجلة في تعاملات أمس المبكرة مع عدم تغير أسعار التعاقدات الاجلة في نيويورك على نحو يذكر. ولم تظهر السوق رد فعل مباشر على تصريح رئيس شركة النفط الفنزويلية التابعة للدولة بان زيادة انتاج النفط مليون برميل يوميا فقط لن يوقف ارتفاع الاسعار. وقال هيكتور سيافالديني ان الاسعار لن تستقر الا مع زيادة انتاج منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) 2.2 مليون برميل يوميا. وتراجع تعاقد برنت تسليم ابريل سنتين عند الفتح ثم اضاف تصريح سيفالديني سنتات قليلة0 وفي الساعة 1035 بتوقيت جرينتش ارتفع سعر تعاقد برنت خمسة سنتات الى 72.26 دولارا للبرميل. وارتفع سعر تعاقد السولار تسليم مارس 25.1 دولار الى 50.221 دولاراً للطن. ـ رويترز من جهة أخرى قال وزير الطاقة المكسيكي لويس تييز ان هناك اجماعا بين عدد من كبار منتجي النفط من بينهم المملكة العربية السعودية والنرويج وعدة منتجين اصغر علي ان اسواق النفط تحتاج نفطا اكثر (قليلا) . واضاف في حديث اذاعي انه تحدث مع نظيريه السعودي والنرويجي مشيرا الى ان وجهات نظريهما متطابقة مع وجهة نظر المكسيك بالنسبة لاسواق النفط الدولية. ـ رويترز وقال وزير الطاقة المكسيكي لويس تييز طبقا لنص الحديث الذي وزعته وزارة الطاقة (نعم هناك نية وإجماع على انه يجب أن يكون هناك نفط أكثر قليلاً في السوق) . وتدعم هذه التصريحات وجهة نظر تتنامي في السوق بأن أوبك ومنتجين كبار آخرين من خارجها مثل المكسيك والنرويج سيبدآن تدريجياً في تقليل تخفيضات الانتاج المعمول به بمقتضى اتفاق مارس 1999. ودعت فنزويلا ايضا الى (اجراءات تصحيحية) لمواجهة ارتفاع أسعار النفط. ـ رويترز