ان المتتبع للتاريخ الاقتصادي للأمم والشعوب يرى أن عملية تدخل الحكومات في الاقتصاد تبدو كعمليات الكر والفر في المعارك تماماً, فمن عصر نرى فيه تدخلاً كبيراً للحكومة في الأنشطة الاقتصادية وفي ملكية الأراضي والمنشآت الاقتصادية وأغلب عناصر الانتاج باستثناء عنصر العمل وان كانت الحكومات أحياناً تملك عنصر العمل بطرق مباشرة أو غير مباشرة كعصور عبيد الأرض أو عصور الاقطاع والعصور الاشتراكية). والحقيقة ان درجة تدخل الحكومات في الأنشطة الاقتصادية لا يوجد لها مبادئ محددة تحكمها من الناحية العلمية فهي تتباين وتختلف من عصر إلى آخر, وها نحن اليوم نعيش عصر الانفتاح الاقتصادي وتدخل التكنولوجيا الالكترونية في كافة الأنشطة الاقتصادية مما يعني معه انحسار دور الدولة وتقلصه. غير انه مهما تقلص دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية يبقى القطاع الخاص بحاجة إلى الخدمات والمرافق الحكومية التي لابد منها, ومن الأمثلة على تلك المرافق النظام والأمن الداخلي والخارجي ووضع القوانين والضوابط والأنظمة والتشريعات والأحكام التي تنظم التجارة الالكترونية وتنظم الأسواق الالكترونية والتبادل الذي سوف يتم بين الأفراد الكترونياً, إن هذه الوظائف التي ذكرناها والتي يرتبط بها أيضاً القضاء كذلك لا يمكن للقطاع الخاص القيام بها مهما بلغت الدولة من تقدم ورقي وذلك انطلاقاً من مبدأ السلطة والسيادة, والحقيقة انه حتى وان كانت هناك معاهدات دولية تحكم المبادئ الدولية لحماية حقوق النشر والتأليف والملكية مثل اتفاقية (برن) لحماية الأعمال الأدبية وغيرها الا ان تلك المعاهدات لايمكن أن تغني اطلاقاً عن دور الحكومات المحلية لكل دولة لوضع الأنظة المناسبة لكل بيئة على انفراد, وتشير الاحصائيات على ان التجارة الالكترونية عبر شبكة الانترنت في تزايد مستمر وهي تستهوي الكثير من الشركات لفتح مواقع لها على الشبكة والبدء في خوض التجربة, ولقد نشأت كذلك شركات وساطة لتسهيل التجارة الالكترونية للتجار, وتقدر حجم التجارة الالكترونية عالمياً حسب أحدث الاحصائيات بحوالي 600 مليار دولار موزعة بين الدول الصناعية والدول حديثة العهد بالتصنيع, ولقد بدأت التجارة الالكترونية تفرض ذاتها مما يعني معه تنامي دور القطاع الخاص وانحسار دور الدولة (الحكومة) في الأنشطة الاقتصادية, بيد أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو القدرة الكبيرة للشركات والأفراد على التهرب من الضرائب والرسوم أثناء التعامل عن طريق الانترنت حيث قد يصعب على الجهات الحكومية المختصة مراقبة حركة الصفقات التجارية الداخلية والخارجية بدقة مما يعني معه تقلص الايرادات الحكومية حيث يمكن أن يعقد الأفراد صفقات تجارية دون أن يكون لهم ترخيص حكومي بذلك مما يعني بدوره ازدهار الاقتصاد الخفي الذي تضيع معه الكثير من الايرادات المستحقة للحكومة, وقد يكون العكس تماماً هو الصحيح حيث ستتمكن الحكومات من رصد كافة الصفقات ومعرفة كافة المتعاملين فيما لو كان النظام محكماً إحكاماً دقيقاً من الناحية الالكترونية بحيث تستطيع الحكومة الحصول على ايرادات مالية أكبر بكثير مما كانت تجنيه في ظل غياب التجارة الالكترونية والحقيقة أننا لا نستطيع أن نعطي حكماً قطعياً بذلك بل نتركه لأصحاب الاختصاص الفني الذين يرى بعضهم ان التجارة الالكترونية محكمة بدقة مهما حدث بها من تسلل وسرقات وقرصنة, ويؤكد بعض المختصين على انها أكثر أماناً من التجارة العادية, وبذلك تبقى الحكومات عوناً ودعماً للقطاع الخاص لا يمكن الاستغناء عنه.