في الحقيقة ان مذكرة التفاهم التي تم توقيعها مؤخرا بين بعض الشركات الوطنية والخليجية المنتجة للألبان وتحت إشراف وإدارة وزارة المالية والصناعة التي بذلت جهدا كبيرا للوصول إلى هذا المستوى من التفاهم تثير لنا بعض النقاط الاقتصادية التي لابد من تسليط الضوء عليها وهي : ـ يبدو انه لابد من وجود اتحاد لمنتجي الألبان الوطنيين وذلك نظرا لكون ان هذه السلعة هي سلعة ضرورية وترتبط بالأمن الغذائي للدولة. وان الأحداث الأخيرة قد كشفت لنا بالفعل مدى الحاجة الماسة إلى وجود اتحاد لمنتجي الألبان من أجل رعاية مصالح أعضائه من المنتجين وحماية الصناعات المحلية والعمل كذلك على خلق سياسات انتاج وتسويق متجانسة ومنسجمة وخالية من صراعات المصالح والعمل على حماية جودة المنتج المحلي وأسعاره ومواصفاته القياسية التي ترضي أذواق المستهلكين ورغباتهم وتشبع حاجاتهم وتحرص على مصالح المجتمع بشكل عام. والحقيقة ان هذه الأحداث تكشف لنا انه ليس فقط مصانع الألبان هي التي بحاجة إلى اتحاد يرعاها وإنما هناك منتجات غذائية كثيرة أخرى ضرورية قد تكون بحاجة إلى من يرعاها. وهذا يجعلنا نثير قضية الاهتمام بالاتحاد التعاوني الاستهلاكي وتفعيل دوره ونقله من دور التاجر الذي يهدف إلى الربح إلى رسالته الحقيقية في حماية المستهلك والحرص على جودة المنتجات وانخفاض أسعارها. وكذلك قد يقودنا الموضوع ذاته إلى قضية جمعية حماية المستهلك التي هي بحاجة أيضا إلى تفعيل دورها واحياء رسالتها. ـ إن الاتفاقية تبدو وكأنها صلح توفيقي مؤقت بين الأطراف المتنازعة حيث تم صياغة الأحكام التي ترضي كافة الأطراف. ومن هنا تنشأ الحاجة الفعلية الملحة إلى وجود قانون يحمي من الإغراق (سواء كان بين الشركات الوطنية ذاتها أو بينها وبين الأجنبية) وفي ذات الوقت لابد أيضا من وجود قانون يمنع الاحتكار. وذلك لان الإغراق والاحتكار هما نقيضان قد يقود ممارسة أحدهما إلى سيادة الآخر وهيمنته. أي بمعنى آخر إذا تم ممارسة سياسة الإغراق فإن هناك شركات سوف تفلس وتخرج من السوق ومن ثم يسود الاحتكار. وإذا تم ممارسة الاحتكار فإن هناك شركات جديدة وقد تكون من الخارج سوف تغزو السوق وتمارس فيه الإغراق لمحاربة الاحتكار. وهكذا يصبح وجود القانون هو السلطة الرادعة الحقيقية لمثل تلك الممارسات. أما الاتفاقيات فرغم أهميتها الا انها مؤقتة ولا ترقى سلطة الزامها إلى طبيعة القانون ذاته وسلطته الالزامية. ـ لم تشمل الاتفاقية مشتقات الألبان والحليب طويل العمر والعصائر وغيرها من المنتجات التي تنتجها نفس الشركات وهذا ما يدعم قولنا في النقاط السابقة. ـ حددت الاتفاقية نسبا معينة للحسم ترتبط بحصة الشركة في السوق وحددت الأسعار وحوافز المستهلكين ومدد الترويج وأنواع الترويج والدعاية والاعلان. وهي قواعد وأحكام قد يصعب تطبيقها والالتزام بها في ظل غياب وحدة إدارية متخصصة لمتابعة تطبيقها ووضع آلية لالزام الشركات باتباعها وفرض عقوبات على المخالفين. حيث لم تنص الاتفاقية على نظام عقوبات معين على المخالفين لبنود الاتفاقية. وهذه نقطة غاية في الأهمية. لا شك ان هذا الحدث يفتح لنا آفاقا أكبر للمناقشة والدراسة من أجل الوصول إلى الحلول الناجعة. فالقضية ليست مجرد قضية ألبان بقدر ما هي قضية مستقبل الصناعات العربية والتجارة البينية العربية على نطاقها الأوسع. فكيف بنا نتطلع لانشاء منطقة تجارة عربية حرة في الوقت الذي لا نستطيع فيه أن نضع حلولا ناجحة لقضية صغيرة كهذه.