عندما شهدت أسواق الأسهم الأمريكية تراجعا كبيرا خلال الأسبوعين الماضيين لم يكن ذلك سوى حلقة جديدة في سلسلة من الصدامات المصغرة التي تشير إلى مدى هشاشة الاقتصاد العالمي. وفي أعقاب هذه السلسلة, انهارت الأسواق الأمريكية اعتمادا على أنباء تقول بأن الاقتصاد الأمريكي يواصل نموه, فلماذا تعتبر هذه أنباء سيئة ؟ إنها أنباء سيئة لان بنك الاحتياطي الفيدرالي قال انه إذا واصل الاقتصاد الأمريكي توسعه على الصعيد الداخلي دون أن يكون هناك انتعاش متكافئ في أوروبا وآسيا فيتعين أن تكون هناك زيادة في معدل الفائدة لمواجهة تضخم محتمل. وبالتالي, فإن الأنباء السارة تعني ارتفاعا في معدل الفائدة, ما يعتبر أنباء سيئة لسوق الأسهم, وتحسبا لحدوث شح في الأموال, فإن المستثمرين الذين كانوا يمتطون (فقاعة الثور) ترجلوا عنها باعداد كبيرة. إن الوضع يزداد سوءا, فإذا كانت تذبذبات السوق الأمريكية تثير فقط اهتمام المضاربين ومدراء المال المحليين, فلن تعتبر أنباء تستحق الذكر, لكن البنك الدولي أصدر مؤخرا تقريره السنوي الذي يحمل عنوان (الآفاق الاقتصادية العالمية) , وهو دراسة نقدية للاقتصاد العالمي, وأكد تقرير البنك على ان أحد التهديدات الرئيسية لازدهار الاقتصادات الآسيوية ينبع من احتمال أن تسبب معدلات الفائدة المرتفعة في الولايات المتحدة هزة في الأسواق التي من شأنها أن تبعث بموجات صدمتها إلى أوروبا وآسيا. وستؤدي موجات الصدمة تلك إلى تخفيض الطلب على الصادرات الأمريكية مما يعمق من الوضع غير المتوازن للعجز في الحسابات الجارية الأمريكية ويعد الأسواق لجولة أخرى من الأزمة. لقد كان من المقرر أن يلقي آلان جرينسبان خطابا في الكونجرس الأسبوع الماضي لكن خطابه ألغي بفعل عاصفة ثلجية مفاجئة. قد تكون لديه طريقة ما للخروج من هزة الدوامة, وقد لا يكون لديه مثل هذه الطريقة. وتقدم المقتطفات التالية من تقرير البنك الدولي صورة مرسومة بعناية لاقتصاد عالمي لم يجد وسيلة لتعميق وترسيخ الرخاء, حتى في الولايات المتحدة, حيث يبدو المحرك وكأنه يعمل ساعات عمل اضافية. وفي خطابه أمام جمهور في واشنطن مؤخرا, ألمح وزير الخزانة الأمريكي لورنس سومرز إلى هشاشة حالة الرخاء, حتى في الولايات المتحدة, عندما أشار في خطابه إلى ان هناك في أمريكا اليوم: (أكثر من طفل من بين كل خمسة أطفال تحت سن السادسة يعيش في الفقر.. واحتمال وفاة طفل أمريكي من أصل افريقي يولد اليوم قبل بلوغه العام الأول يبلغ ضعف احتمال وفاة طفل يولد في يوغسلافيا أو الكويت, كما ان متوسط العمر المتوقع للذكور في واشنطن العاصمة يقل بعدة سنوات عن متوسط العمر المتوقع في منغوليا أو بيلاروس) . وبهذه المقدمة, نعرض فيما يلي مقتطفات من أحدث تحليل عالمي للبنك الدولي: تتعافى الدول النامية الآن من أسوأ تبعات الأزمة المالية لعام 1997 ـ 1998. وتنهض اقتصادات شرق آسيا من عثرات انهيار العام الماضي في الانتاج. إن الآفاق المتحسنة واستقرار الظروف النقدية في أجزاء عديدة من العالم النامي قد عززت وضع أسواق الأسهم الناشئة وخفضت معدلات الفائدة من مستوياتها العالية التي كانت عليها في منتصف عام 1998. كما ان الدول النامية تستفيد من تسارع النمو والتخفيضات في معدل الفائدة في الدول الصناعية. غير ان الانتعاش متفاوت وهش وهناك دول عديدة تواصل مكافحة آثار الأزمة. وهناك دول عديدة في افريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية واجهت انخفاضا في الانتاج في عام ,1999 وفي خارج آسيا, يتوقع أن ينخفض دخل الفرد في الدول النامية. وتعمل عدم التوازنات المتواصلة في الدول الصناعية على زيادة المخاطر التي تفرضها البيئة الاقتصادية الدولية. وعلاوة على ذلك, فإن الانتعاش الدوري في شرق آسيا لم يعالج الصعوبات الحادة التي اما نجمت أو تفاقمت بفعل الأزمة. آفاق النمو وتقليص الفقر في الدول النامية: إن آثار الأزمات في الفترة من 1997 - 1998 التي تمتد من شرق آسيا إلى روسيا والبرازيل لا تزال ماثلة في نواح عديدة. ففي معظم الدول النامية لا يزال النمو الاقتصادي ضعيفا وفي مستويات تقل عن الاتجاهات التي كانت سائدة قبل الأزمة. والاضطرابات الاجتماعية يمكن اعتبارها بأنها حادة كما ان التقدم على صعيد تقليص الفقر قد توقف. وفي الوقت ذاته, كانت التطورات الأخيرة في الاقتصاد العالمي مشجعة على نحو كبير مع بروز دلائل على انتعاش أولي في اقتصادات أزمة شرق آسيا والتوسع المتواصل في الدول الصناعية الذي يقود إلى انتشال الانتاج الصناعي العالمي والتجارة من الحضيض. وباستثناء شرق وجنوب آسيا (وهي مناطق تعززت بفعل النمو في الصين والهند), فإن دخول الفرد الحقيقية الاجمالية في عام 1999 يتوقع أن تنخفض أو تظل كما هي في العديد من المناطق النامية. لا تزال أسس النمو, خاصة في الدول النامية, هشة وضعيفة. ولا تزال التدفقات الرأسمالية على الأسواق الناشئة نادرة وباهظة التكلفة. وفي ظل مثل هذه الظروف, فإن الانتشار المحتمل للتفاوت الكبير في الدول الصناعية يطرح مخاطر محتملة لهذه التوقعات المستقبلية. ومن أبرز هذه المخاطر زيادة الاستهلاك (التي يقودها سوق الأسهم) وتوسيع العجز الخارجي في الولايات المتحدة والصورة الضبابية لليابان. ويفترض أحد السيناريوهات المحتملة تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة (استجابة لعلامات التضخم المتزايد), الذي من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض أسعار الأسهم العادية بشكل حاد مما ينجم عنه نمو بطيئ في الولايات المتحدة وأوروبا وانغماس في الركود الاقتصادي في اليابان. أما بالنسبة للدول النامية, فإن الآثار تنتقل عبر تباطؤ اضافي في نمو سوق التصدير وانخفاض في أسعار النفط والسلع غير النفطية بسبب ظروف الطلب المتدهورة ونفور متزايد عن المجازفة في الأسواق المالية. آفاق النمو في شرق آسيا والباسيفيك سينتعش النمو بالنسبة لمعظم دول شرق آسيا ومنطقة الباسيفيك في ,1999 كما كان متوقعاً في وقت سابق عن هذا العام, من حالات الركود العميقة الناجمة عن الأزمة في عام ,1998 لقد كان التحول أقوى مما كان متوقعاً في البداية, في حين أن التنبؤ السابق للاقتصادات الخمسة التي ضربتها الأزمة شهد نهوضاً في النمو بنسبة 0.2% في العام 1999 مقارنة بانخفاض بنسبة 7.9%, في العام 1998 ويبدو أداء هذا العام في حدود 4.5%, لقد كان النمو متفاوتاً في الاقتصادات الخمسة حيث بدا من الواضح أن جمهورية كوريا تقود المجموعة. وفي ظل التوقعات المستقبلية الراهنة, فإن كوريا والفلبين ستعودان هذا العام إلى مستويات الناتج الاجمالي المحلي التي كانت سائدة قبل الأزمة تليها ماليزيا في العام 2000 وتايلاند في ,2001 وعلى العكس من ذلك, فان ناتج أندونيسيا في العام 2001 قد يظل أقل بنسبة 7% من المستويات التي كانت سائدة قبل الأزمة. تواجه الصين مشكلات اقتصادية عديدة, فالغموض الذي يحيط باعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وبفرض العمالة بالإضافة الى عامين تقريباً من الانكماش الشهري قد أدى إلى كبح الطلب من جانب المستهلكين .. وبالتالي فإن النمو في الصين يتوقع أن يتباطأ مقارنة بالعام 1998 من 7.8% إلى 6.5%. الصورة شبه النهائية في شرق آسيا: معدل نمو بنسبة 5% أو أكثر: لقد بلغ التضخم الذي كان يتراوح متوسطه بين 4.5 ـ 6% قبل الأزمة, ذروته في معظم الدول التي ضربتها الأزمة فوصل إلى أقل من 11% (باستثناء أندونيسيا), ويزداد متوسط معدل التضخم السنوي بنسبة تقل عن 2% في دول شرق آسيا الأربع (ماليزيا والفلبين وجمهورية كوريا وتايلاند) ويزداد بأرقام فردية في اندونيسيا بعد أن وصل إلى ذروته بمعدل 80% في نهاية عام ,1998 أما معدلات الفائدة فهي تنخفض باستمرار منذ وصولها إلى أعلى مستوياتها في العام ,1998 كما انخفضت أسعار الفائدة على القروض القابلة للاسترداد عند الطلب في كوريا وماليزيا وتايلاند إلى أقل من مستوياتها قبل الأزمة. لقد كان الحافز الأولي للنمو هو الانتعاش في الصادرات الذي تصدرته الالكترونيات والمدفوع بنمو أفضل من المتوقع في الواردات في الولايات المتحدة واليابان وعوامل مضاعفة من داخل المنطقة, لقد ساعدت معدلات الفائدة المنخفضة وأسعار الأصول المرتفعة ونهاية حلقة المخزون وفرص عمالة متحسنة خاصة في كوريا ـ ساعدت في توسيع نطاق النمو. ومن المتوقع أن تظل موازنات الحساب الجاري ايجابية على نحو مريح مع أنها تضيق مع نمو الواردات بترادف مع الاستهلاك والانتاج ونهاية حلقة المخزون. وسيتعزز النمو على المدى القصير من خلال دعم الطلب الاستهلاكي وسد النقص في المخزون مع تعاظم الاستثمار في ظل تحسن في استغلال طاقة الانتاج القصوى. وعلى الصعيد السلبي, قد يكون هناك تباطؤ في قطاع الالكترونيات في النصف الثاني من عام 1999 وربما يمتد ذلك إلى عام ,2000 وقد هبطت أسعار الأسهم مؤخرا وسيتعين عليها الاعتماد على النمو المتجدد في أرباح الشركات بدلاً من الاعتماد على السيولة, وعلى الأرجح فان معدلات الفائدة, قد وصلت إلى الحد الأدنى لها والاستثمار قد يواصل تباطؤه إذا فشلت بيانات الموازنة للبنوك في التحسن, لقد كان التقدم في المجال الأخير متفاوتاً حتى الآن وظلت مستويات القروض غير الموفاة قريبة من مستويات الموافاة بين 60 ـ 80% من القروض المعلقة وهي قريبة من نسبة 50% في تايلاند, وفي كوريا وماليزيا تتراوح مستويات تلك القروض بين 10 ـ 15%. الآفاق طويلة الأجل على الرغم من معدل النمو السريع الحالي في دول الأزمة, الا ان التوقعات المستقبلية طويلة الأجل لشرق آسيا لم يجر تعديلها منذ تنبؤات العام الماضي, ويعكس غياب التعديل التصاعدي الصعوبات المتواصلة في أندونيسيا واعادة الهيكلة الصناعية المتوقعة في الصين, وبوجه خاص, فان تكلفة اعادة الهيكلة لبيانات الموازنة الخاصة بالبنوك الاندونيسية قد ارتفعت على نحو كبير كما أن المشكلات التي تعاني منها البنوك التجارية الصينية وصلاتها مع الشركات المملوكة للدولة المريضة قد برزت بشكل أوضح هذا العام. وقد تأثر الاستثمار الداخلي في الصين بشكل سلبي بفعل الانهيار في العديد من المؤسسات المالية, وعلى الرغم من الأداء الضعيف للاقتصاد المحلي, فان الصين تبدو مصممة على متابعة اصلاحاتها الداخلية والانضمام الى منظمة التجارة العالمية. ومن المتوقع ان تستفيد الصين من العضوية في منظمة التجارة العالمية على الرغم من الضغوط التنافسية المكثفة على القطاعات التي تتمتع بالحماية, وبالاضافة الى مكاسب الكفاءة التي ستحصل عليها من تخفيف القيود التجارية, يمكن للصين ان تتوقع زيادة في الاستثمار الاجنبي المباشر وتحسنا في الوصول الى الأسواق الاجنبية. وبالنسبة للمنطقة ككل, يتوقع ان يصل النمو طويل الأجل الى معدّل 3.6% في الفترة بين 2002 و,2008 بحيث تشهد دول الأزمة الخمس نموا بمعدل 3.5%. الآفاق الاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا لقد أدت أسعار النفط المنخفضة بشكل غير مسبوق في عام 1998 الى كبح النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا, فقد زاد التفاوت في الحساب الجاري وتعرضت العوائد الحكومية الى ضغوط شديدة. بعض الدول المصدرة للنفط مثل البحرين وعمان والسعودية استغلت الاحتياطيات الاجنبية والمحافظ الاستثمارية الخارجية لتمويل التدهور في العجوزات المالية والموازنات التجارية على المدى القصير, وقد عانت دول اخرى مصدرة للنفط مثل الجزائر وجمهورية ايران الاسلامية وجمهورية اليمن من ضغوط مماثلة لكنها واجهت قيودا تمويلية أشد صرامة. وهذا قاد الى انتهاج طريق تعديلي مختلف بما في ذلك اعتماد تخفيضات أعمق في الانفاق وتخفيض قيمة سعر الصرف واعادة جدولة الديون الخارجية وأدى في حالة ايران الى ممارسة ضغوط على الاستيراد والسيولة مع انخفاض الاحتياطي من القطع الأجنبي وانخفاض غطاء الاستيراد. أما الدول المستوردة للنفط, فقد استفادت من الانخفاض في أسعار النفط مع ان بعض الدول عانت من انخفاض في تحويلات العاملين في الدول المصدرة للبترول. إن المستوى المنخفض للدمج الاقليمي في الاسواق الرأسمالية العالمية ضمن بعض الحماية ضد أسوأ الآثار لأزمة شرق آسيا. التوقعات المستقبلية القريبة في منطقة الشرق الأوسط ينبغي ان يتسارع النمو في الناتج المحلي الاجمالي ليصل الى معدل 2.3% في عام ,2000 فالانتعاش في أسعار النفط في منتصف عام 1999 في أعقاب تطبيق حصص أوبك النفطية والمستوى العالي من الالتزام بها حتى الآن, يشير الى استقرار في النشاط الاقتصادي في الدول المصدرة للنفط, كما ان النمو في الناتج المحلي الاجمالي لهذه المجموعة يتوقع ان يتراوح ما بين 5.2 الى 3% في العام 2001ـ2000. اما النمو في الانتاج فسيظل مقيدا بفعل الحصص المفروضة على انتاج النفط والحاجة الى احتواء العجوزات المالية ومستويات الدين العام. ويتوقع ان يكون للزيادات الاخيرة في ضريبة المبيعات ورسوم الخدمات والتخفيضات في الاعانات الحكومية في الدول المصدرة للنفط تأثير تضخمي ضئيل. غير انه من المتوقع ان تحافظ البنوك المركزية في الدول المصدرة للنفط ذات قدرة الاستيعاب المنخفضة على السياسات النقدية المتشددة للمساعدة في ابقاء التضخم منخفضا والحفاظ على استقرار أسعار الصرف. ويتوقع ان يشكل التضخم مشكلة أكبر في جمهورية اليمن وجمهورية ايران الاسلامية. أما الدول المصدرة التي تنوع مصادر دخلها فيتوقع ان تشهد نموا بنسبة 7.4% في العام 2000 مع تحسن النمو في واردات الشريك التجاري وتشجيع الدافع المتجدد للاصلاح في دول عديدة للاستثمار المحلي وتلاشي تأثيرات ظروف العجز وارتفاع عائدات السياحة. التوقعات المستقبلية طويلة الأجل على الرغم من الانتعاش قريب الأجل المتوقع في النشاط الاقتصادي, الا ان التوقعات للنمو طويل الأجل في الانتاج (2002ـ2008) لم يجر تعديلها عن التوقعات السابقة البالغة 7.3%. ومن المتوقع ان تظل أسعار النفط عرضة لضغوط تخفيضية على المدى الطويل, الأمر الذي من شأنه كبح العائدات المالية والمتعلقة بالصرف الأجنبي للدول المصدرة للنفط, لكن الدول المصدرة التي تنوع مصادر دخلها يتوقع ان تحافظ على معدل نمو يبلغ 6.4% مدعوم باصلاحات هيكلية متواصلة والصلات التي تتطور نتيجة للاتفاقيات الاوروبية ـ المتوسطية. وتقوم دول عديدة في شمال افريقيا بتنفيذ برامج لاعادة الهيكلة تتوافق مع اتفاقياتهم ذات الصلة لزيادة الكفاءة في الاستعداد لمنافسة مفتوحة من الشركات الاوروبية.