في نفس الأسبوع الذي احتفلت فيه أوروبا بارتفاع النمو الاقتصادي فيها, انخفضت العملة الأوروبية الموحدة اليورو إلى .97 دولار أمريكي. ويوضح ذلك الهوة الكبيرة بين الكتلة الاقتصادية الأوروبية والأمريكية, تتمتع الولايات المتحدة بسرعة النمو الاقتصادي وانخفاض معدل البطالة ومعدل التضخم في الوقت نفسه, وهو ما يطلق عليه اقتصاد جولديلكوس وهو الاقتصاد المثالي. ويقول البعض ان هذا الاقتصاد الجديد يمكن أن يدفع إلى نمو اقتصادي أسرع مع انخفاض معدل التضخم في الوقت نفسه بفضل الثورة الرقمية أو التكنولوجية. مقابل ذلك أعرب البنك المركزي الأوروبي عن قلقه من ارتفاع معدلات التضخم برغم ارتفاع معدل البطالة وهدوء النمو الاقتصادي أو تباطئه. وقام البنك في مطلع الشهر الجاري برفع أسعار الفائدة إلى 3ر25% على غير المتوقع, وتبع ذلك ارتفاع في أسعار الفائدة على الدولار الأمريكي, مما يعكس قلق البنك المركزي الأوروبي من احتمال أن يهدد انخفاض اليورو استقرار الأسعار. أوروبا والنموذج الأمريكي لكن السؤال الذي يطرح نفسه بغض النظر عن هذه القضايا الصغيرة, هو هل تستطيع أوروبا اللحاق بالنموذج الأمريكي الذي حقق نجاحا لم يسبق له مثيل؟ لكن هناك جدل كبير حول تمتع أمريكا باقتصاد جديد فعلاً يمكن أن يدفع إلى نمو سريع, إلا أنه لا يستطيع أحد أن ينكر أن معدل الانتاجية في أمريكا قد ارتفع وان هذا زاد من سرعة النمو الاقتصادي, فإذا كانت هذه المزايا قد تحققت أساساً من ثورة تكنولوجيا المعلومات, فلابد أن أوروبا سوف تستطيع أيضاً الاستفادة من تلك المزايا. هذا الاحتمال زاد من ارتفاع الروح المعنوية لدى مزيد من رجال الأعمال الأوروبيين في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس, فقد تزاحم هؤلاء وتهافتوا من أجل الاستماع إلى قصص وتطورات الانترنت على أمل الحصول على معلومات عن التجارة الالكترونية وكيف يمكن الاستعداد لعصر التكنولوجيا الرقمية. الحقيقة أن غالبية رجال الأعمال الأوروبيين اعترفوا بالحاجة الى إعادة هيكلة اقتصادياتهم وتبني النموذج الأمريكي من أجل سبر أغوار وكشف أسرار الاقتصاد الرقمي (برغم ان الزعماء الأوروبيين السياسيين كانوا يدافعون عن النموذج الاجتماعي الأوروبي). ومن أسباب ثقة رجال الأعمال في الاقتصاد الرقمي هو ان الاقتصاديات الأوروبية تبدو على الأقل في حالة انتعاش, ويبدو اجمالي الناتج المحلي في دول اليورو قد حقق نمواً بنسبة 4% خلال النصف الثاني من العام الماضي, ومن المتوقع أن يصل النمو الى 3% على الأقل خلال العامين المقبلين, لقد انخفض معدل البطالة في منطقة اليورو إلى 9.6% مقابل 11ر7% عام ,1997 الذي كان قياسياً. والرقم الذي تحقق (9.6%) هو أقل رقم يسجل منذ سبع سنوات, برغم انه مرتفع كثيرا مقارنة بمعدل البطالة في الولايات المتحدة الذي يصل إلى 4% حالياً. الاقتصاد الرقمي يصل أوروبا فهل يعبر الاقتصاد الجديد الأطلنطي إلى أوروبا, ويوفر تحسنا في معدل النمو وانخفاضا في التضخم؟ لقد صرح مسئول في نوفمبر الماضي بأن الاقتصاد الجديد لم يصل أوروبا بعد, فليس هناك أدلة كبيرة على ارتفاع الانتاجية والنمو, الذي يدعم ويعزز معدل النمو في اجمالي الناتج المحلي, فالجولة الأخيرة من النمو المرتفع في أوروبا هي جزء من الدورة الطبيعية نتيجة خفض أسعار الفائدة وانخفاض سعر اليورو وارتفاع الطلب العالمي. فقد أعرب كثير من الأمريكيين في دافوس عن قلقهم من أن يضطر البنك المركزي إلى اتخاذ اجراءات وقائية في وقت قريب, حيث يعتقدون أن البنك المركزي الأوروبي لا يزال يتمسك بالفكر الاقتصادي القديم. ويبدو أنهم كانوا على حق لكن ليس بسبب الاقتصاد الجديد لقد ارتفع معدل التضخم في منطقة اليورو الى 1.7% خلال العام الماضي حتى ديسمبر, بسبب الارتفاع في أسعار البترول وقد يفوق التضخم السقف الذي حدده البنك المركزي الأوروبي بنسبة 2%, خلال الأشهر القليلة المقبلة, لكن التضخم الحقيقي, باستثناء أسعار البترول, يبلغ 1.1% فقط, لقد دخلت المنطقة في بطء نمو اقتصادي ملحوظ, بعد سنوات من النمو المعتدل, مما يعني أنها يمكن أن تسرع في النمو الاقتصادي بأمان دون خطر ارتفاع التضخم. غير أن السؤال المثير هو أنه إذا كانت تكنولوجيا المعلومات في أوروبا تستطيع دفع معدل النمو على المدى الطويل. عناصر الطفرة الأمريكية لنلاحظ العناصر التي تفسر الطفرة الأخيرة في الاقتصاد الأمريكي, أولاً كان هناك ارتفاع في الاستثمار التجاري, ثانياً أعادت غالبية الشركات هيكلتها واستعانت بالانترنت لتعزيز نموها وكفاءتها, وثالثا مرونة أسواق العمل وانفتاح أسواق المنتجات وأسواق رأس المال المتطورة, مما جعل من السهل على رجال الأعمال أن يفتحوا شركات جديدة. لكنه من المحزن أن هناك أسباباً تثير الشكوك حول أن تحذو أوروبا حذو أمريكا في المستقبل القريب, حتى إذا كانت تكنولوجيا المعلومات قد دفعت نمو الانتاجية في الولايات المتحدة. بداية النمو الأسرع في الانتاجية الأمريكية ومعدل التضخم الأقل من المتوقع يرجعان إلى طفرة كبيرة في الاستثمارات, زادت من قدرة الاقتصاد, وليس هناك طفرة مماثلة في أوروبا. وفي الفترة من 1990 حتى 1999 تضاعفت الاستثمارات من حيث الحجم الحقيقي في أمريكا, لكنها ارتفعت بنسبة 16% فقط في منطقة اليورو, ويرجع سبب ذلك إلى قيود أسواق العمالة والمنتجات وارتفاع تكلفة العمالة والضرائب في منطقة اليورو مما لا يشجع على الاستثمار, وهكذا رغم ان الشركات الأوروبية بدأت الآن مرحلة إنفاق واستثمار في مجال التقنية الفائقة, فلا تزال تتخلف عن ركب الولايات المتحدة كثيرا, ويصل اجمالي الانفاق في منطقة اليورو على التقنية الفائقة كنسبة من اجمالي الناتج المحلي الى 5% فقط مقابل 8% في أمريكا, ويصل الى 7ر5% في بريطانيا. كما أن التجارة الالكترونية أقل تقدماً في منطقة اليورو مقارنة بأمريكا, رغم أن هناك بعض الجيوب المتطورة في هذا المجال مثل فنلندا, فإن عدد مستخدمي الانترنت لكل ألف شخص في أمريكا يصل إلى خمسة أضعاف الرقم في منطقة اليورو. كما تشير بعض الدراسات إلى أن غالبية قوة الوضع في نمو الانتاجية في أمريكا ترجع الى قطاع تصنيع الحاسب الآلي ذاته, فليس هناك أدلة قوية على انتشار مزايا وفوائد تكنولوجيا المعلومات في الاقتصاد ككل, وقد يعني ذلك أن تصل هذه الفوائد من التكنولوجيا الجديدة إلى بقية ربوع الاقتصاد في فترة طويلة, لكن بالنسبة لأوروبا, يتضح أن الدول التي تستخدم تكنولوجيا المعلومات فقط سوف تفيد بدرجة أقل من الدول التي تنتجها, وغالبية شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى هي شركات أمريكية, ويصل إنفاق أوروبا في الصناعة التكنولوجية إلى نصف ما تنفقه أمريكا. أوروبا والانترنت من جانب آخر قد يكون لدى أوروبا ورقة رابحة للمستقبل, فهي تسبق أمريكا كثيراً في تكنولوجيا الاتصالات الهوائية, وتتفوق على الولايات المتحدة في استخدام الهواتف المتحركة بفضل استخدامها لنظام موحد للاتصال, وقد تصبح الهواتف المتحركة وسيلة ارتباط عبر الانترنت مستقبلاً, والحقيقة أن أدلة ارتفاع الانتاجية في أمريكا لم تظهر إلا مؤخراً, لذلك في ظل تخلف أوروبا عن أمريكا في مجال تكنولوجيا المعلومات ليس من المدهش أنه لم تظهر أدلة على تحسن الانتاجية في منطقة اليورو. والمعادلة هي أنه كلما زاد الإنفاق في تكنولوجيا المعلومات واتسع نطاق التجارة الالكترونية داخل أوروبا, زاد نطاق المنافسة وشفافية الأسعار مقارنة بأمريكا, وقد يساعد ذلك في تخفيف ضغوط التضخم لعدة سنوات مقبلة. ولكن هذا لا يعني أن إلقاء كميات كبيرة من الأموال في مجال تكنولوجيا المعلومات من المؤكد أن يعزز الانتاجية, فالتكنولوجيا الجديدة تحتاج إلى أسواق على كفاءة ومرونة لتزدهر والتأكيد على تدفق الأموال في أكثر الاستثمارات انتاجية, ويدين الأداء الأمريكي بالكثير للإصلاحات الهيكلية التي أجريت في السبعينات والثمانينات مما وفر المناخ الملائم لقطاع الأعمال وسمح للشركات بجني ثمار التكنولوجيا الجديدة. لكن هناك علامات مبشرة على الأقل في أوروبا, فقد أدى تطبيق العملة الموحدة إلى سوق رأسمالية واحدة, وجعل من الأسهل والأرخص جمع الأموال للاستثمار. كما أدت العملة الموحدة إلى مجموعة من اندماجات الشركات مختلفة الجنسية, وهناك تزايد في هذا الاتجاه, مما يزيد الضغط على المديرين لتحسين الأداء. إلا ان الاصلاحات الهيكلية التي تحتاج الى تدخل الحكومات لا تزال بطيئة, وتنوي ألمانيا خفض الضرائب, وكذلك فرنسا وهولندا, ويجري رفع القيود عن قطاعات الكهرباء والاتصالات, وتحاول بعض الحكومات مثل أسبانيا, زيادة المرونة في أسواق العمالة, غير أن هناك أمثلة على عكس ذلك مثل قانون ساعات العمل في فرنسا أو قرار الحكومة الالمانية بإنقاذ شركة فيليب هولزمان للبناء. لا تزال أوروبا بعيدة عن حرية السوق الكاملة, حتى إذا كانت السياسات تسير في الاتجاه الصحيح, وأمام أوروبا طريق طويلة لابد أن تقطعها, وتعتبر تجربة بريطانيا مثالاً رائداً, فقد خفضت بريطانيا الضرائب وزادت من مرونة سوق العمل وسرعة الخصخصة والاستثمارات الأكبر في مجالات ترفع النمو مقارنة بمنطقة اليورو, خلال العقد الماضي. الحقيقة أن تكنولوجيا المعلومات لم تفعل فعلها بعد وكذلك الاصلاحات الهيكلية بالنسبة لأوروبا, ومع ذلك أمام أوروبا الفرصة لتسريع النمو خلال العقد المقبل, بمجرد الاستغلال الأفضل لقوة العمل المحتملة, هناك 60% فقط من السكان في سن العمل في منطقة اليورو لديهم وظائف مقارنة بنسبة 74% في أمريكا و71% في بريطانيا, فإذا أمكن توفير الوظائف لمن لا يعملون, قد تقفز الاقتصاديات الأوروبية قفزة مؤقتة, وإذا رفعت منطقة اليورو نسبة التوظيف لتقلل الفجوة مع أمريكا تدريجيا على مدى 20 عاماً, سوف يرفع ذلك النمو السنوي بنسبة 1% على الأقل. واستغلال قوة العمل المتوفرة يتطلب مزيداً من الإصلاحات الضريبية وفي سوق العمل, لذلك ليس من الصواب أن تركز أوروبا على زيادة الاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات فقط, فإذا أرادت أوروبا تحقيق معدل نمو سريع لابد أن تتخلى عن القيم القديمة وتتبنى قيم الاقتصاد الجديد. شرح الجرافات نسبة الانفاق في تكنولوجيا المعلومات من إجمالي الناتج القومي 1998 منطقة اليورو بريطانيا الولايات المتحدة الاستثمارات في قطاع الأعمال (1990 عام الأساس) ـ الولايات المتحدة ـ بريطانيا ـ منطقة اليورو