أكد العالم المصري الدكتور احمد زويل الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء للعام 1999 على أهمية خلق قاعدة علمية تستقطب الطاقات العربية ورجال العلم والباحثين العرب المنتشرين في كل انحاء العالم ويكون هدفها بناء استراتيجية علمية على مستوى الوطن العربي . وقال الدكتور زويل ان هذه القاعدة العلمية بمؤسساتها يجب ان تعمل بعيدا عن البيروقراطية, وان يوفر للعاملين بها والدارسين في معاهدها الأجواء والمناخات الملائمة للبحث والابداع, وأن هناك قناعة لدى الحكام العرب لأهمية ودور العلم والتكنولوجيا في بناء وتطوير المجتمع. وأشار الى انه قد حان الوقت لأن يسهم العرب من جديد في تقدم البشرية والانسانية بعد ان أسهم علماء العرب والمسلمين من قبل في تقدم العالم ودرست نظرياتهم واكتشافاتهم في كل انحاء الدنيا. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها الدكتور أحمد زويل بنادي دبي للصحافة عن (مستقبل العلم والتكنولوجيا في الوطن العربي) بدعوة من نادي دبي للصحافة. وتطرق الدكتور زويل الى قضايا عديدة برؤية الحريص على مستقبل أمته حتى يصبح لها في هذا العالم الذي أصبح يموج بثورات علمية لا نهاية لها. وقد بدأت المحاضرة بتقديم من الدكتور حنيف القاسمي مدير جامعة زايد رحب فيها بالعالم الكبير قائلا: ان الدكتور غني عن التعريف بما قدمه للبشرية وإن كان من محاسن جائزة نوبل انها سلطت عليه الضوء بالنسبة لنا كعرب أكثر مما كنا نعرف, وقال ان أهم ما يميز الدكتور احمد زويل هو انه رغم هذه السنوات الطويلة التي عاشها في امريكا لم يفقد علاقته ببيئته ووطنه المصري والعربي, وان مجيئه.. الى نادي دبي للصحافة, لهو أكبر دليل على انه يحمل معه هاجس أمته, وان المشروعات العديدة التي في ذهنه تجاه وطنه وأمته لها دلالة ايضا على ذلك. ثم بدأ الدكتور احمد زويل حديثه معبرا عن شكره وتقديره للحفاوة البالغة التي قوبل بها في الامارات. وقال ان تكريم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والوسام الذي منحه إياه تشريف كبير له. وأشار الدكتور زويل الى لقائه أمس الأول والحديث الثري الذي جمعه بالفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع, كما قدم الشكر لنادي دبي للصحافة وتمنى له التقدم. وبدأ الدكتور زويل محاضرته قائلا: في الحقيقة يشغلني وضع العلم والتكنولوجيا في عالمنا العربي وأهميته لمستقبل الاجيال المقبلة. وأضاف قائلا: بتقديري انه ما من حضارة في العالم استطاعت النمو والازدهار من دون ان يكون العلم هو العمود الفقري لها. وضرب الدكتور أربعة أمثلة على هذا وهي حضارة قدماء المصريين والحضارة الاوروبية والامريكية والحضارة العربية الاسلامية قائلا: ان الحضارة المصرية قد بنيت على أسس علمية دقيقة تناولت علم الفلك وعلم الكيمياء وفن العمارة وعلم الطبيعة, حيث انكب قدماء المصريين على دراسة عامل الزمن من خلال قياسات دقيقة جدا وعبر استخدام نجمة اسمها (السيرس) التي كانت تظهر في السماء كل 365 يوما, وعليه استنتجوا ان السنة هي 365 يوما, حيث انهم اكتشفوا لشدة دقتهم ان قياس السنوات يتغير بيوم كل 4 سنوات, كما كانوا أول من استخدم النظام القمري لاعتماد التقويم الزمني (كاليندر) . أما اوروبا فقد كانت غارقة في عصور الظلام خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر وكان الصراع قائما بين العلم والدين الى ان جاء العالم المشهور نيوتن الذي اكتشف ان الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس, كما كان سائدا والذي أطلق نظرياته الرائدة في الميكانيكا, وبعدها جاء اختراع المطبعة من قبل جوتنبرج ليشكل ثورة قلبت الكثير من المفاهيم التقليدية فغيرت أسس ونظم المعرفة في ذلك الوقت وكان عمق تأثيرها شبيها بقوة تأثير الانترنت على الاتصالات في عصرنا اليوم. أما الحضارة العربية الاسلامية فقد أضاءت الدنيا شرقا وغربا بالنظريات العلمية والرياضية والاكتشافات الطبية لعلمائها ومنهم ابن سينا وجابر بن حيان والخوارزمي وابن رشد والحسن بن الهيثم فكلها أسماء كبيرة درست نظرياتها واكتشافاتها في الحضارات اللاحقة. وأضاف زويل بأن الحضارة الأمريكية عرفت ثلاثة عصور سيذكرها التاريخ لناحية نجاحها في تحقيق الابتكارات العلمية والتكنولوجية. العصر الأول هو عصر الذرة والطاقة النووية, فاستطاعت الولايات المتحدة جمع المفاهيم والاكتشافات العلمية التي توصل إليها العلماء وسخرتها من أجل ايجاد الطاقة النووية والتي كان لها حسنات وعيوب ومن حسناتها ان معظم الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة تعتمد على الطاقة النووية, أما العيوب فكانت باختراع القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل. وتتمحور الاكتشافات والأبحاث الهامة في أمريكا اليوم حول الجينات والجزئيات, إذ ان الطب الجزئي سيغير معالم الحياة في هذا القرن, وأعتقد انه خلال 30 سنة لن يبقى هناك مكان لطب الجراحة وإنما للعمليات الجينية, حيث ان كل مريض سيكون لديه CD صغير يحتوي على الخريطة الجينية لحالته, وستتحدد الخريطة الجينية الكاملة للإنسان بعد سنتين وتضم ثلاثة مليارات حرف وسنعمل على تفكيك هذه الرموز. العصر الثاني هو عصر الاكتشافات الفضائية وغزو الفضاء, وقد كان لجامعة كالتك دور كبير في الأبحاث الفضائية, اضافة إلى كونها المشرفة على اطلاق المركبة التي حطت على سطح المريخ. أما العصر الثالث فهو عصر ثورة الاتصالات والمعلوماتية وبرمجيات الكمبيوتر وهو نتيجة مراحل مستمرة من التطور. وأكد الدكتور زويل انه لولا دور العلم والعلماء ما كان قد تم التوصل إلى ما نستخدمه اليوم في كافة مجالات حياتنا. وللتعبير عن تقدير المجتمعات للعلماء أشار الدكتور زويل إلى الاستفتاء الذي أجرته مجلة التايمز الأمريكية حول اختيار رجل القرن الذي رشحت إليه شصيات عالمية مثل غاندي وديجول.. لكن المجتمع العالمي اختار ألبرت اينشتاين ليكون رجل القرن وهذا الرجل يمثل العلم والمعرفة بعدما أطلق نظرية النسبية. وقال الدكتور زويل انني قبل مجيئي إلى هنا والتحدث بشأن مستقبل العلم والتكنولوجيا في العالم العربي طرحت على نفسي عدة أسئلة تشغل العلماء وفي اعتقادي اننا لو تمكنا من حل ثلاثة أسئلة منها ستحدث قفزة علمية أكبر بكثير مما تم خلال القرن الماضي. من هذه الأسئلة.. نحن نعرف الآن اننا كبشر نعيش على الأرض.. فهل هناك آخرون يعيشون في هذا الكون؟ وهل يفكرون مثلنا؟ وهل يمكن الاستفادة من الكواكب الفضائية واستغلالها؟ فأحد العلماء في جامعة كالتيك والذي فاز أيضا بجائزة نوبل وصل إلى نتيجة بأن 70% من الكون (الذي نشكل نقطة صغيرة فيه) هو مادة سوداء أي لم نتمكن بعد من فهمه وادراكه. وهناك أيضا دماغ الانسان Brain, هل نحن قادرون على فهم الجينات؟ إن بلايين الدولارات سوف توظفها الإنسانية لفهم تشعبات الدماغ, هل يمكن اختراع عقل على الكمبيوتر؟ هل يمكن التحكم بالعواطف؟ لماذا نشيخ؟ هناك نظريات كثيرة حول موضوع الشيخوخة لكن حتى الآن لسنا قادرين على فهم لماذا نشيخ. لكن حتى الآن لسنا قادرين على فهم ومعرفة لماذا نشيخ. هل هناك حدود للذرة؟ ما هو سقف المعلومات؟ وهل نتوقف عند هذا الحد من ثورة المعلومات؟ بعد الانتهاء من خريطة الجينات الوراثية بعد عامين.. هل نستطيع التحكم في الامراض المستعصية ونتجنب وقوعها كالسرطان مثلا؟ تصوروا اذا وصلنا إلى هذا الحد كم سيكون تأثيره على البشرية. كلها أسئلة عن تأثير العلم على الحياة وتشكل تحديات كبيرة أمام العلم. قاعدة علمية ويواصل الدكتور حديثه الممتع بأسلوبه البسيط متسائلا: هل هناك قاعدة علمية في العالم العربي؟ وأجاب: لا.. قائلا: لأكن صريحا معكم, فالقاعدة العلمية مفهومها ليس كما يفكر البعض هنا.. هناك قاعدة علمية صلبة في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وأوروبا. وقال: هذا لا يعني عدم وجود علماء في الوطن العربي.. فلدينا علماء ممتازون وعلى درجة عالية من العلم والكفاءة لكنهم مجتهدون واجتهاداتهم فردية دون أن تكون لدينا قاعدة علمية تخرج العلماء في مختلف المجالات العلمية. وتساءل الدكتور زويل: ازاء هذا الواقع ماذا نعمل؟ قائلا في الولايات المتحدة حوالي 3000 جامعة لكن الأماكن المميزة فيها تعد على الأصابع ومن صنع الحضارة الأمريكية عدد قليل من هذه الجامعات والحكومة تقف وراءهم وتدعمهم وتساندهم بشكل كبير وضرب مثلا بجامعة كالتك التي يعمل بها والتي فاز منها عدد كبير من العلماء بجائزة نوبل وهذا شيء يحسب للجامعة. وقال الدكتور زويل: يجب أن نعمل على بناء قاعدة علمية على مستوى الوطن العربي تضم مؤسسات تعمل بعيدا عن البيروقراطية وتكون نواة لجميع العلماء والباحثين والكوادر العربية وتوفر لهم الأجواء والمناخات العلمية للبحث والابداع. وأشار الدكتور زويل إلى ان مصر بدأت بداية متواضعة في هذا الطريق وان الحكومة المصرية متفهمة جيدا لهذا الأداء وأشار إلى لقاءاته التي تمت بالرئيس حسني مبارك والأحاديث التي دارت بينهما حول العلم والتكنولوجيا وتشجيع الرئيس مبارك لهذا الأمر حيث تم اتخاذ القرار ببناء جامعة العلوم والتكنولوجيا على مساحة 2ر1 مليون متر مربع قائلا اننا نريد أن نقوم بعمل على مستوى راق وتكون له أفرعه في جميع الدول العربية وتدرس فيها علوم حديثة ومتقدمة.. قائلاً ان هذا لا يعني إهمال الجامعات الحالية أو القول بأنها ستغلق أبوابها.. فدورها هام ومستمر ويجب دعمه لكن كل جامعة لها دورها واسهاماتها, وقال المهم هو وضع قاعدة علمية يجيئها العلماء من كافة انحاء العالم.. وقال ان هذه الجامعة عربية 100% وهناك محاولة جدية لجعلها محوراً لأبحاث علمية ولاستقطاب العلماء من كافة انحاء العالم. وأشار الدكتور أحمد زويل الى انه قبل مجيئه لمصر هذه المرة فان الرئيس كلينتون قد قام بزيارة لجامعة كالتك وان هناك عرفا بأن من حصل على نوبل يقابل الرئيس الأمريكي خلال زيارته للجامعة وقابلت كلينتون بالفعل الذي أبدى إعجابه وتقديره بالدور الذي قامت وتقوم به كالتك في خدمة المجتمع الأمريكي والارتقاء به علمياً. وقال الدكتور زويل بأن الرئيس كلينتون قال خلال هذه الزيارة ان ميزانية البحث العلمي في أمريكا ستزيد 17% ويجىء هذا بالنظر لأهمية العلم والتكنولوجيا, ثم شرح الدكتور زويل بعض الانجازات العلمية التي أطلقتها جامعة كالتك منها: انها أول من اجرى الدراسات والأبحاث على الخلايا الإنسانية, وبالتالي تحددت للمرة الأولى الجينات الإنسانية, اختراع مقياس الهزات الأرضية, أول قمر صناعي أمريكي خرج من جامعة كالتك. إضافة الى الليزر الذي استخدم للمراقبة على المركبة الفضائية التي حطت على كوكب المريخ. وقال الدكتور زويل: في اعتقادي انه إذا كان كلينتون قد جاء لجامعة كالتك وكان فخوراً بما أنجزته في تاريخ أمريكا العلمي فأعتقد انه حان الوقت في العالم العربي ان يقدم للانسانية ككل ما ينبغي ان يقدمه ونأمله. وقال الدكتور زويل ان لهذا الدور أهمية كبيرة في تقديري لصالح الأجيال القادمة.. ولصالحنا نحن في مرحلة السلام, وقال انه لا يمكن ان يكون هناك احترام عالمي لأي شعب من الشعوب إلا اذا كان معروفا عنه تقدمه العلمي وضرب مثلاً بالتقدم العلمي الياباني ونظرة العالم لها. المجلس القومي العربي ورداً على سؤال حول المجلس القومي العربي العلمي قال زويل بأن فكرة انشاء المجلس تولدت خلال الاجتماع مع الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع, حيث أن سموه أعرب عن رغبته الكبيرة لتكوين منتدى علمي عربي, يجتمع دورياً ويسعى من أجل بلورة رؤية علمية استراتيجية يمكن من خلالها استقطاب الطاقات العربية المنتشرة في كل انحاء العالم, كما اقترح سموه ان يتولى شخصياً تمويل هذه الفكرة. وحول الخوف من تقلب التكنولوجيا على الانسان مثلما أدت الذرة الى ذلك, قال بأنه في كل مجتمع متقدم هناك ثلاثية: علم وتكنولوجيا ومجتمع متقدم, وبالتالي فإن معظم الاكتشافات لها مخاطر وعيوب مثل القنبلة الذرية, ولكن الاكتشافات الجينية لها حسنات هائلة حيث يمكن أن توقف انتشار مرض السرطان, وفي نفس الوقت يمكن استخدامها في استنساخ ناس أغبياء وهو أمر خطير, وقال المجتمع الصحيح هو الذي يحدد مسار الاكتشافات, وقال ان موضوع الاستنساخ متوقف حالياً في أمريكا فهناك اعتبارات دينية وثقافية وأخلاقية تقف بوجه المشروع, وأنا برأيي يجب تجنب هذه الأمور. ورداً على سؤال حول ما اذا كانت البيئة مواتية لنا في العالم العربي للتقدم العلمي وهل سيسمح لنا الآخرون بذلك قال الدكتور زويل: ان الشعوب حينما تقرر ان تفيد أنفسها وتبدع فإن العالم لن يحرمها من هذا ولا أحد يقف أمام الابداع.. لابد أن يتحرك العالم العربي وسيحترمنا العالم. ورداً على سؤال حول كيفية السير في طريق العلم والتكنولوجيا في الوقت الذي تحتاج في البلدان العربية للتنمية.. قال زويل: انه من الخطأ ان نلجأ الى استنساخ الحضارة الأمريكية, فنحن لدينا تصورنا الخاص ولدينا ثقافة ودين يختلفا عن أمريكا, لكن يجب ان نستفيد من التقدمات والاكتشافات التي توصل اليها الغرب والتي بدأت تنتشر في دول النمور الآسيوية.. وان التنمية لايمكن ان تسير بدون العلم فهو ركن هام في بنائها.