أي مكان يمكن ان تحافظ فيه على أموالك أفضل من البنوك؟ وأي بلد تحافظ فيه البنوك على سرية حساباتك أكثر من سويسرا؟ بالطبع سويسرا لأن الجميع يعلم ان البنوك السويسرية تحيط الاموال بالسرية الكاملة, فأين كان فردناند ماركوس (رئيس الفلبين السابق) سيضع نصف مليار دولار من ثروات مشبوهة؟ وأين كان دوفاليه حاكم هاييتي السابق سيضع ثروته؟ أو أين كان موبوتو سيسي سيكو رئيس زائير سابقا سيضع أمواله؟ لكن في الوقت الذي حققت فيه بنوك سويسرا أرباحا طائلة من تنفيذ سيساسة عدم طرح أية أسئلة عن مصادر الثروات التي تودع في بنوكها طوال عقود من الزمان فإن هذه السياسة تتعرض لانتقادات حادة الآن. وأثر ذلك على سمعة البلاد بشكل سيىء مع انتشار الفكاهات والتلميحات عن البنوك السويسرية. وتحولت الفكاهات الى رعب عام 1995 عندما تكشف ان هناك أموالا لضحايا المحرقة اليهودية أيام النازية في ألمانيا, مودعة في البنوك السويسرية. والآن تتكشف أخبار ودائع ساني اباتشا دكتاتور نيجيريا السابق في البنوك السويسرية. أفادت التقارير ان الجنرال اباتشا وأعوانه نهبوا الاقتصاد النيجيري ونهبوا نحو 4 مليارات دولار منذ توليه السلطة عام ,1993 وأفادت ايضا بأن الفساد في نيجيريا كان سيئا وحادا لدرجة ان الدولة الافريقية التي تنتج ما قيمته عشرة مليارات دولار من البترول سنويا تستورد منتجات البترول من الخارج. وقد أعلنت الحكومة النيجيرية تفاصيل عمليات النهب عقب تولي السلطة من جانب الرئيس المنتخب أولسيجون اوباسانجو. وتشير الوثائق التي قدمتها الحكومة في بيرن العام الماضي الى ان اباتشا سحب الاموال من البنك المركزي النيجيري تحت حجج واهية واسباب ملفقة. ويقول محام في بيرن حاليا ان عمليات الفساد والنهب شملت عقودا لشراء أسلحة وأمصال أو مساعدات لدول افريقية شقيقة. لكن غالبية الأموال المسحوبة كانت تستثمر في أملاك في نيجيريا, وحول أباتشا من هذه الاموال 2ر2 مليار دولار الى بنوك أجنبية أو لشركات في الخارج. ومنحت الحكومة النيجيرية المؤقتة عفوا عن أعوان أباتشا وأعضاء أسرته اذا أعادوا الأموال المسروقة فأدى ذلك الى استعادة نصف مليار دولار فقط. لكن عمليات البحث مازالت مستمرة في بريطانيا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا وسويسرا بحثا عن بقية الاموال المنهوبة. وتنص القوانين الصادرة في سويسرا عام 1998 على ان غسيل الاموال يعتبر جريمة, باستثناء المتهربين من الضرائب من الاجانب. وأجبرت القوانين الجديدة البنوك في سويسرا على ذكر واعلان الودائع المشبوهة بما فيها ودائع الشخصيات العامة الكبرى وتبلغ السلطات بها ولا تستطيع البنوك الآن بعد صدور هذه القوانين ان تغمض عينها من مصدر وأصول تلك الودائع أو تقول انها لا تعرف مصدرها. ربما تكون هذه الخطوة رد فعل لفتح حساب اباتشا في بنك كريدي سويس في زيوريخ عام 1995 عندما فتح حسابا بقيمة 200 مليون دولار باسم ابنه البالغ من العمر 26 عاما. وقال مسئول بالشرطة في بيرن انه اذا قال بنك كريدي سويس انه لا شيء يعيب فتح رجل عمره 26 عاما حسابا بقيمة 200 مليون دولار, وهو من نيجيريا أكثر دول العالم فسادا, فمن الصعب تصديق ذلك, غير ان متحدثا باسم كريدي سويس بنك قال ان لوائح البنوك تمنع البنك من سؤال العملاء عن أصول ايداعاتهم, غير ان القضاء ولجنة البنوك في بيرن مستمرون في العزم والتصميم على اصلاح هذه الأوضاع, وقد أصدرت الأمر بتجميد ودائع اباتشا التي تبلغ 550 مليون دولار عندما طلبت حكومة نيجيريا الجديدة المساعدة في اكتوبر من العام الماضي, كما تم تجميد حسابات اخرى قيمة 2004 ملايين دولار الشهر الماضي. وقد حذر المدعي العام السويسري بيرنارد بيرتوسا الاسبوع الماضي من ان الخطوات التي تتخذها سويسرا في هذا المجال لن يكون لها أثر اذا لم تتخذ ليختنشتاين المجاورة لها نفس الخطوات, والمعروف ان ليختنشتاين الامارة الاوروبية الصغيرة هي مقر الاموال المشبوهة التي تريد الاختفاء, وقال انه في الوقت الذي تستطيع فيه سويسرا التحقيق في أي ودائع أو حسابات مشبوهة فإن ليختنشتاين لن تفعل ذلك أبدا بالنسبة لأي حساب في بنوكها. وقال المدعي ان المصرفي السويسري قد يواجه عقوبة السجن لأول مرة بعد صدور هذه القوانين, وهذا لم يحدث من قبل في سويسرا, ولم تمارس لجنة البنوك من قبل سلطتها في سحب ترخيص أي بنك. لكن المحققين في قضية ودائع أباتشا لايزال أمامهم طريق طويل جدا وهم لم يبدأوا العمل بعد في قضية اخرى مشابهة, لكن هذه المرة بطلب من حكومة ساحل العاج التي تقول انها فقدت أموالا قيمتها 28 مليون دولار أمريكي من مساعدات من الاتحاد الاوروبي موجهة أساسا لمكافحة الايدز. وتشك حكومة ساحل العاج في ان تكون هذه الأموال قد ذهبت الى حسابات في بنوك سويسرا.