يحتل قسم العلاقات العامة مكانة كبيرة في أي مؤسسة, خاصة وإن كانت هذه المؤسسة اقتصادية, فالمؤسسات الاقتصادية بطبيعتها مؤسسات تسعى للربحية في الدرجة الأولى, مما يستدعي توفير أفضل جو يمكن المؤسسة من تحسين انتاجها وتسويقه عبر دخول لأسواق جديدة , وهذا بالضبط ما ترمي اليه العلاقات العامة كأحد أهدافها المعروفة. إن رفض البعض هذه الحقيقة ليس لأن العلاقات العامة قطاع غير مربح في المؤسسة ولكن لأن طبيعة عمل هذا القطاع تستلزم ان تكون نتائجه تراكمية, وليس كباقي نتائج القطاعات الأخرى في المؤسسة التي يتحقق الربح منها في نفس الوقت. فالاختلاف بين هاتين النتيجتين يكمن في ان نتائج عمل العلاقات العامة أكثر مصداقية وأكثر ربحا. ونستعرض من خلال هذا التحقيق آراء بعض رجال الأعمال والمتخصصين في مجال العلاقات العامة سواء من أكاديميين في هذا الحقل أو عاملين فيه ونطرح تساؤلاتنا عليهم حول دور العلاقات العامة في العمل المؤسسي, فهل هي حقا تلعب دورا لا غنى عنه لأية شركة أم ان دورها في بعض الأحيان غير مجد وغير مربح مما يمثل ثقلا ماديا على ميزانية المؤسسة لا سيما وإن كانت هذه المؤسسة صغيرة محدودة النشاط؟ هذا ما سوف نتعرف عليه من آراء رجال الأعمال والمتخصصين في هذا الحقل عن دور العلاقات العامة ومدى تداخلها في المشاركة باتخاذ قرارات ادارية للشركة. قال رجل الأعمال راشد خلف الحبتور الرئيس والمدير التنفيذي لشركة الحبتور للمشاريع التجارية ان العلاقات العامة وبتعريفها المبسط هي هندسة الاقناع وفن التعامل مع الجمهور, لذلك فهي تعتبر حلقة الوصل الفعالة ما بين الادارة العليا في المؤسسة والجمهور, لذلك نجدها تعمل بدور الاستشارة والتنظيم في اتخاذ القرارات التي تصدر من الادارة بما يناسب تحقيق أهداف المؤسسة, فدور العلاقات العامة يدخل ضمن المزيج التسويقي, حيث التسويق والترويج والإعلان, ولكن الاختلاف هنا في عمل العلاقات العامة هو ان الجانب التسويقي فيه يكون في كيفية التسويق ذاتها وكيفية تقديم أفضل صورة للجماهير عن المؤسسة ومنتجاتها. ولأهمية قسم العلاقات العامة في المؤسسة توضع ميزانية كبيرة غير محددة حيث تحدد وفقا للأهداف والاستراتيجية المتبعة من قسم العلاقات العامة. ففي بداية انطلاق مؤسستنا للترويج والإعلان, تم وضع ميزانية تقدر بـ 700 ألف درهم. وأكد رجل الأعمال راشد الحبتور ان هناك مخططات لفتح أسواق جديدة عن طريق العلاقات العامة, سواء في الدولة أو في الدول العربية, وسيقوم قسم العلاقات العمة باجراء البحوث المتعمقة عن تلك الاسواق وعمل بحوث استكشافية وبحوث احصائية, وبالتالي سيتم استخلاص هذه النتائج ورفعها الى الادارة العليا في المؤسسة لوضعها في الاعتبار عند اتخاذ أي قرار من قبل المؤسسة. وترى د. مي الخاجة استاذ العلاقات العامة في جامعة الامارات ان دور العلاقات العامة لا يختلف في مؤسسة حكومية الى مؤسسة خاصة, فهي تهدف بالدرجة الأولى الى تحقيق سمعة طيبة وكسب تأييد الجمهور خاصة في أوقات الأزمات التي تمر بها المؤسسة, وهي تهدف لتحقيق الربح رغم ان هذا أمر غير ملموس, خاصة وانه يكون بطريقة غير مباشرة من خلال عمل العلاقات العامة على فتح اسواق جديدة بعلاقاتها وترويجها لمنتجات المؤسسة من خلال عدة نشاطات تقوم بها. ولا يقتصر دور العلاقات العامة على هذا الأمر كما تقول د. مي, بل يتعداه الى تحقيق الولاء والاخلاص والانتماء من قبل الجمهور للمؤسسة التي تبعث فيه الثقة بمصداقيتها وسمعتها الجيدة, وهذا أمر غاية في الأهمية, فاذا لم تستطع المؤسسة ان تحقق مصداقيتها الخاصة بصورة تختلف عن صور المؤسسات الأخرى, فإنها سوف تخسر الكثير, خاصة في ظل المتغيرات التي نراها اليوم مثل اتفاقية الجات والعولمة والتي جعلت التجارة أكثر حرية في العالم, مما أدى الى وجود أكثر من مؤسسة تعمل على نفس المنتج, مما يخلق منافسة قوية لا يمكن مواجهتها الا من خلال التميز الذي تخلقه جودة وصدق عمل العلاقات العامة, الأمر الذي يدفع الجمهور لاختيار المؤسسة دون سواها. ونتيجة هذه الأهمية يستدعي الأمر من كل موظف في المؤسسة ان يكون عنصر علاقات عامة قائم بذاته. ونفت د. مي قدرة العلاقات العامة على التوفيق بين رغبتها في بناء صورة ايجابية للمؤسسة وبين رغبة المؤسسة في زيادة الدخل بصورة تامة, وأكدت ان هدف العلاقات العامة ايضا تحقيق الربح, وهذا ما تسعى اليه من خلال عملها, فنحن نشاهد ذلك حيا من خلال النشاطات المختلفة التي تقوم بها حكومة دبي في المهرجانات العديدة التي تقوم بها, مثل مهرجان التسوق ومهرجان الصيف ومهرجان رمضان.. فهذه المهرجانات كافة هي جهد العلاقات العامة, وكل هذه الانشطة تهدف الى اقبال الجمهور على المهرجان, وبالتالي تسويق المنتجات, وكل هذا يصب في النهاية كأرباح لصالح المؤسسة. ومدينة دبي نموذج مثالي للعلاقات العامة, ففيها تتركز كبرى الشركات المتخصصة في العلاقات العامة ذات المستوى الرفيع والعمل المتقن الذي ينم عن خبرة ودراية في هذه المهمة المهمة. وأضافت مي الخاجة ان هناك شواهد أكدت على ان العلاقات العامة في المؤسسة تخفض من قيمة التكاليف الواقعة على المؤسسة, ذلك ان اجتماع كل من العلاقات العامة والدعاية والاعلان في المؤسسة يحقق أكثر من هدف في عمل واحد ويختصر التكاليف المخصصة لتحقيق كل هدف, ومثال على ذلك ان يقوم قسم العلاقات العامة في احدى المناسبات التي يرعاها للمؤسسة بتوزيع منتج من منتجات الشركة على الجمهور, مما يحقق أكثر من هدف كتسويق المنتجات والإعلان عن المؤسسة, بالاضافة الى الاحتفال مما يوثق العلاقات بالجمهور ويقلل من التكلفة من خلال اقتصار ميزانية الإعلان. وعن ضبابية الرؤية وعدم اهتمام بعض المؤسسات بقسم العلاقات العامة قالت: إن هذا نابع من ان نتائج العلاقات العامة هي نتائج تراكمية, أي انها تظهر بعد وقت وليست سريعة التحقيق, وذلك لأنها تهدف لتكوين سمعة مما يستدعي توفر الوقت وكثير من المال وخبرة واسعة ودراية, بالاضافة لأفراد قادرين على الاتصال والإعلام والإلمام ببرامج الرعاية الاجتماعية مما يعزز ثقة الجمهور بالمؤسسة بمرور الوقت. واتفق جيم دونالدسون المدير الاقليمي لمؤسسة الخيلج هيل آند نولتون للعلاقات العامة مع الدكتورة مي في أهمية العلاقات العامة, وقال: (إن الشركات في حاجة دائمة للعلاقات العامة, فهي في جوهرها تهدف للمحافظة على سمعة الشركة لدى الجماهير التي تهمها كجمهور العملاء والموردين والموظفين والمجتمع المحلي الذي يحيط بالمؤسسة) . ويكون دور العلاقات العامة بالغ الأهمية في ادارة عمليات الشركة, خاصة أوقات الأزمات أو حدوث تغير في جوهر الشركة (عمليات الاندماج, اطلاق شركة جديدة, اعادة الهيكلة) وأيضا عندما تطلق الشركة منتجات جديدة أو تتبنى اتجاهات جديدة. وهذه الاحداث كلها تتطلب وسائل تتخذها العلاقات العامة بشكل كبير وهي وسائل إعلامية في الأغلب مثل الانشطة الصحفية من مؤتمرات ولقاءات ورحلات وورش عمل, وفي الجانب الآخر تستخدم الشركات وسائل أخرى للعلاقات العامة مثل (المناسبات الخاصة, والاتصالات الداخلية, وانتاج أفلام الفيديو... الخ) . وأكد دونالدسون ان هذه الوسائل لا تختار بطريقة عشوائية وإنما تخضع للعديد من الأمور مثل استراتيجية المؤسسات وأهدافها التي لا يتوقف عليها اختبار الأدوات الواجب اتخاذها في كافة الحالات والتي يؤخذ في الاعتبار عنه العمل فيها الخروج عن السائد والتأكد من الابداع في تطبيقها مما يعود بالفائدة علينا وبالربح على المتعامل معنا. وفي حديثه عن قدرة العلاقات العامة زيادة دخل المؤسسة, قال: (قناعتنا الأولى هي ان العلاقات العامة عملية تهتم بأداء الشركات, وهناك برامج معينة تصمم بشكل خاص بهدف زيادة المبيعات, خاصة للعملاء الذين يعملون في مجال السلع الاستهلاكية, وهناك حملات خاصة للعلاقات العامة تهدف لتعزيز صورة المؤسسة على المدى الطويل مما يعود بالفائدة على الشركات. وهذا السبب الذي يجعل عمل العلاقات العامة صعب التحديد, ولكن ما نستطيع تأكيده هو ان قائمة العملاء الذين يتجهون الى استخدام العلاقات العامة في تزايد مستمر, مما يعني ان هناك قيمة حقيقية لها. وأوضح المدير الاقليمي لشركة هيل آند نولتون ان قدرة قسم العلاقات العامة القيام بأعماله على أحسن وجه والمحافظة على هدف المؤسسة الأول بزيادة دخلها يمكن توضيحه من خلال ضرب المثال التالي وهو ان أحد عملائنا من مجموعة فنادق قاموا بالعديد من الانشطة التي تمكنوا من خلالها بناء صورة ايجابية كبيرة لهذه الفنادق في منطقة الشرق الأوسط, وهذه الصورة ما هي الا انعكاس صادق لصورة خدمات هذه الفنادق وكانت مهمتنا هي اظهارها بصورة جديدة تصل لكافة الجماهير, وقمنا بتعريفهم ببعض الخدمات التي سوف تقدم اليهم من هذه الفنادق, وبفضل ذلك فإن العديد من الناس بدءا من رجال الأعمال والسائحين كان لديهم انطباع حسن عن الفندق الذي هو جزء من سلسلة فنادق, لذلك فهم يتعاملون معه بصورة دائمة وبذلك نساهم في زيادة دخل المؤسسة مع الحفاظ على عمل العلاقات العامة القائم على نقل المعلومات الصحيحة والصادقة. ادوار بونيسرز أحد أهم رواد العلاقات العامة في العالم, وصاحب أغرب التكنيكات في عهده في مجال الترويج للسلع.. تلك التكنيكات التي تعتبر اليوم أمورا طبيعية الحدوث, فقد كان مسئولا في أحد الأيام عن الترويج لأحد انواع الصابون التي يدخل الشمع في صناعتها, ولكنها كانت تسبب آلاما في أعين الاطفال مما يجعلهم يحجمون عن استخدامها رغم جودتها. لذلك قام ادوار بعمل تكنيك فني جذب الانتباه الى هذا النوع من الصابون من خلال عمل مسابقة كبيرة للاطفال لنحت تماثيل مختلفة من قطع الصابون وعمل جائزة للفائزين. وتم بالفعل عقد هذه المنافسة وتقدم الكثير من الاطفال اليها ووصل صيت هذه المنافسة الى كافة انحاء البلدان مما أدى الى رواج هذا المنتج وزيادة مبيعاته بصورة كبيرة. وكي لا ينقطع الاتصال وتبقى سمعة المنتج قام ادوار بوضع التماثيل الفائزة في متحف نيويورك تحت أسماء نحاتيها الذين أصبحوا فيما بعد من أشهر الفنانين. وبذلك استطاع هذا الخبير ان يضرب أكثر من هدف في عملية واحدة وهو انه تبنى مواهب العديد من الاطفال وقلد أعمالهم وشجعهم, ثم قام بعملية تسويق ودعاية كبيرة لمنتج الصابون مما زاد من مبيعاته بصورة كبيرة, وأخيرا زاد من ثقة الجمهور بالمؤسسة وجعلها مركزا لتبني المواهب وايضا لتوزيع الصابون!! تحقيق: رباب جبارة