دبي مدينة الذهب هذا اللقب الذي انطلق منذ العام 1998 بعد أن تربعت الامارة على عرش تجارة التجزئة ومن يومها تجاهد دبي للمحافظة على مكانتها. وكما يقول تجارها فإن المحافظة على القيمة أصعب من الوصول إليها خاصة مع وجود منافسة من مراكز أخرى . لقد تعرضت تجارة اعادة تصدير الخام من الذهب إلى هزة كبيرة في أعقاب توجه الهند إلى الاستيراد المباشر للذهب من دول المنشأ دون المرور عبر دبي وهو ما سمي بقوانين تحرير تجارة الذهب. وكاد تجار الذهب في الامارة أن يبحثوا عن البدائل حيث كانت السوق الهندية تعتبر الأكبر في صادرات الامارة وكانت تستورد 8% من حاجاتها من المعدن من دبي كما ان الهند تعتبر المستهلك الأكبر للذهب في العالم. وراح تجار دبي يبحثون عن الحلول والبدائل وظهرت اتجاهات وتيارات منها ايجاد أسواق جديدة, وزيادة نسبة المبيعات محليا اما الاتجاه الثالث فهو زيادة نسبة التصنيع المحلي والتركيز على ايجاد أسواق خارجية للمشغولات المصنعة محليا. أسواق جديدة ويقول توفيق عبدالله رئيس مجموعة الذهب والمجوهرات في دبي اننا لا ننكر تأثير ابتعاد السوق الهندية عن الاستيراد من دبي.. نعم حدث تراجع كبير ولكن شهرة دبي ليست من هذه التجارة بل ترجع شهرتها إلى انها أهم سوق للتجزئة في المنطقة. ويضيف: ان تجارة اعادة التصدير ليست مربحة بالشكل أو بالصورة التي يتصورها البعض كما ان المتعاملين بهذه التجارة عدد محدود من المحلات, ولكن تجارة التجزئة هي التي تحفظ لدبي مكانتها. ومعظم متاجرها والتي يصل عددها إلى 400 محل ومتجر اشتهرت بتجارة التجزئة. ومع ذلك فإن الهند ليست آخر الدنيا, فقد انفتحت أسواق أخرى بديلة سواء في المنطقة العربية أو خارجها وزادت حركة المبيعات إلى هذه الأسواق بشكل كبير. ويذكر معاذ بركات المدير الاقليمي لمجلس الذهب العالمي في دبي ان الأسواق الناشئة في مصر وإيران ولبنان بالاضافة إلى السوق الواعدة بالعراق بعد رفع الحظر يمكن أن تكون بديلا للسوق الهندية المفتقدة مشيرا إلى ان السوق المصرية تنمو بشكل كبير, وهي في نموها هذا تتجه إلى سوق الذهب في دبي كما ان تجار دبي بعلاقاتهم وخبرتهم بدأوا يتجهون إلى أسواق جديدة في افريقيا وأوروبا وأصبحت المشغولات التي تصنع في دبي تجد طريقها إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية. الاستهلاك المحلي وأشار بركات الى ان هناك سياسات أخرى اتجه إليها تجار دبي منها زيادة الترويج المحلي حيث زادت من الذهب سواء كان مواطنا أو مقيما ويقدر الاستهلاك السنوي للفرد بحوالي 30 جراما وهو من أعلى النسب العالمية. وقد لعبت الحملات الترويجية دورا بارزا في تجارة وتوزيع الذهب محليا, ويعتبر مهرجان دبي للتسوق أبرز حملات الترويج محليا حيث يقوم مجلس الذهب العالمي بدعم هذا التوجه ومساندة الحملات الترويجية. وأشار معاذ بركات إلى ان الحملات الأخرى مثل شهر العطاء في دبي ومهرجان رمضان بالشارقة كلها تصب في صالح انعاش تجارة الذهب محليا. ودعا بركات إلى زيادة الترويج السياحي للذهب حيث وصل الاستهلاك المحلي إلى الذروة ولذلك يجب اتباع وسائل جديدة للترويج السياحي خاصة وان نسبة السياحة في الامارات تعد جيدة. وقال: ان سوق دبي خاصة والامارات عامة تتميز بتنوع المنتج مما يلبي جميع الأذواق ويؤدي إلى سهولة الترويج بين السياح مؤكدا ان الاستقرار السعري لسعر المعدن في الفترة الأخيرة ساهم في زيادة المبيعات لان تجارة الذهب تحتاج إلى الاستقرار السعري وهو ما يبعث الاطمئنان بين طرفي العلاقة التاجر والعميل. وأضاف بركات: ان الاجتماع الذي عقد في شهر سبتمبر الماضي بين مسئولي المصارف المركزية الأوروبية رسم الخريطة العربية للسنوات الخمس المقبلة وبالتالي لا يتوقع أن يحدث هبوط سعري أو ارتفاع يفوق التوقعات حيث اتفق على ألا تزيد المبيعات عن 200 طن سنويا. وأثبتت التجربة ذلك حينما باع المركزي البريطاني 25 طنا مؤخرا ولم يتأثر سعر الذهب العالمي بينما كان يمكن ان يحدث ذلك التصرف هزة مؤثرة اذا لم يكن هذا الاتفاق قد تم. وكشف بركات عن ان استراليا تعتزم بيع كميات كبيرة من الذهب خلال الفترة المقبلة متوقعا ألا يحدث ذلك أثرا على السوق أو سعر التداول لأن البيع يتم في اطار الاتفاق الذي توصلت اليه البنوك المركزية الاوروبية. التجزئة أهم وخلص بركات الى ان تجارة اعادة تصدير الخام ليست مربحة وان تجارة المشغولات المصنعة هي الأهم وان هامش الربح ضئيل في الأولى, بينما في الثانية الربح أفضل, كما ان شهرة دبي هي في تجارة التجزئة, وان جهود تجارها يجب ان تنصب في المحافظة على هذه المكانة المتميزة التي وصلت اليها دبي. التصنيع المحلي أما التوجه الثالث فقد كان زيادة التصنيع المحلي من الحلي والمشغولات الذهبية وتشير تقديرات غير رسمية الى زيادة كبيرة في عدد الورش الصغيرة التي تعمل في صياغة الذهب في الشارقة ودبي وعجمان, ويقدر عدد هذه الورش ما بين 450 الى 500 ورشة تنتشر في الامارات الثلاث وتقع النسبة الأكبر منها في امارة الشارقة, ويعمل بهذه الورش ما يتراوح بين 6 الى 4 عمال والذين يعملون في تصنيع الخلاخل والقلائد والسلاسل, بالاضافة الى الخواتم والاقراط بسعر يتراوح ما بين 20 الى 30 فلسا للجرام الواحد, ويوجد تنافس بين أصحاب المعارض, وكما تذكر مصادر تجار ومصنعين على منتجات هذه الورش. ويؤكد توفيق عبدالله ان صناعة الذهب في الامارات يجب أن تبدأ بهذه الورش الصغيرة, فهي الأساس الذي يمكن ان تبدأ به أية صناعة حيث ان التكاليف (تكاليف التشغيل) تكون أقل بينما المصانع الكبيرة يمكن ان تتعثر ولكنه لا يستبعد قيام المصانع الكبيرة في المستقبل والتي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة, مشيرا الى ان مجمع إعمار للذهب الذي يقام في منطقة القوز في دبي يمكن ان يشكل بداية نهضة صناعة ونقلة نوعية في تصنيع الذهب بما يوفره من امكانيات للورش والمصنعين والعارضين ايضا. ويقول مصنعون ان مشكلة هذه الورش كما يذكر جواد الموسوي مدير عام مصنع الفردان للذهب والمجوهرات ان بعضها يعمل بدون ترخيص وضعف الرقابة عليها, ولذلك يجب ان تنظم الجهات المسئولة حملات تفتيشية عليها حتى نضمن وجود منتج يتفق مع سمعة الامارات عامة ودبي خاصة التي ارتقت فيها الصناعة الى سمعة عالمية, وأصبحت صناعة الذهب والمجوهرات المحلية لا تقل عن أرقى بيوتات الانتاج العالمي سواء من حيث التصاميم أو التصنيع. ويشير جواد الموسوي الى انه من الضروري تشجيع اقامة مصانع كبيرة حتى يمكن لنا المحافظة على مكانة الامارات التصنيعية خاصة مع وجود المنافسة من دول اخرى تعمل على اقامة مصانع حديثة مزودة بأحدث التكنولوجيات لصياغة الذهب وتصنيعه, مؤكدا ان مصنع الفردان في الامارات يعتبر من المصانع الوطنية المتميزة. ويشير الموسوي الى ان المصانع الوطنية تحتاج الى بعض الدعم لمواجهة ظروف التشغيل, خاصة فيما يتعلق بالعمالة الماهرة, مؤكدا ان جهات تراخيص العمالة يجب ان تلبي حاجاتنا من هذه العمالة, خاصة وانها تقع في نطاق دولة معينة والعمالة بدورها تحتاج الى صقل وتدريب. المنافسة وأوضح الموسوي إننا في دولة الامارات نفرض جمارك 4% على الواردات من المشغولات من أي مكان, بينما دول اخرى مجاورة تفرض ما بين 12 الى 15% جمارك على الواردات مما يجعل منتجاتهم تدخل أسواقنا بأسعار تنافس منتجاتنا, بينما تعرض الحلي والمشغولات المصنعة في الامارات في هذه البلدان بأسعار عالية كنتيجة للفارق الجمركي مما يحرمنا من المنافسة السعرية, ولذلك يجب ان تكون المعاملة بالمثل حتى نضمن عدالة المنافسة. أرقام ودراسات وتشير دراسات حديثة ومنها دراسة لغرفة دبي الى ان انتاج المصانع العاملة في الدولة من المجوهرات الذهبية يشكل 45% من الانتاج الاجمالي, ويوجد ما يتراوح بين 37 الى 40 مصنعا يعمل بها أكثر من عشرة موظفين ويمكن تصنيفها كمصانع ذات مستوى صغير وتساهم بحوالي 38% من نسبة تصنيع مجوهرات الذهب المصنعة محليا. ويصل الانتاج السنوي للمصانع الصغيرة الى 350 كيلوجراما من الذهب, بينما يصل الانتاج السنوي الاجمالي للمصانع المحلية ككل الى ما يتراوح بين 36 الى 40 طنا من المجوهرات الذهبية. ويتوقع مع استمرار الاحتكاك بمراكز التصنيع العالمية ان يزداد تطور الانتاج المحلي وارتفاع جودته خاصة ان المصنعين يأملون في تغطية حاجات أسواق جديدة والمنافسة مع ايطاليا وسنغافورة وتركيا على هذه الأسواق وذلك عن طريق الصياغة الالكترونية التي تستخدم على نطاق ضيق حتى الآن. ويؤكد مصنعون محليون انه مع دخول هذه التقنية فسوف يسمح ذلك بانتاج نماذج ومشغولات متنوعة وبتكاليف انتاج أقل وتنوع في العيارات حيث التركيز الآن على عياري 22 و21ر الاستقرار السعري مالت أسعار الذهب إلى الاستقرار في الفترة الأخيرة مما ساهم في عودة السوق إلى وضعها الطبيعي بالاضافة الى الثقة في المعدن وتشير كل النتائج الى ان الاستقرار السعري كان أهم عوامل زيادة المبيعات في الحملات الترويجية التي استهدفت انعاش السوق والتي شهدتها امارات دبي وأبوظبي والشارقة حيث تخلى العملاء عن حذرهم ونزلوا الى الاسواق مرة أخرى, كما ان التجار بدورهم عادوا ايضا الى التداول العادي بعد ان أحجموا لفترة في ظل الاضطرابات التي سبقت اجتماع المصارف المركزية الأوروبية في سبتمبر الماضي. ويؤكد الحاج حسن الفردان ان الاستقرار السعري عامل مهم في أي نوع من التجارة, فإذا كان الأمر متعلقاً بالذهب أو المجوهرات يدفع العملاء مبالغ كبيرة فان أي اضطرابات سعرية تؤثر سلبا على أداء السوق وتوجد نوعاً من الترقب والحذر وهذا ينعكس على أداء السوق. ويشير الى ان سوق الذهب في دبي تعد سوقاً قوية, كما أنها من أنشط الأسواق وان توجه الهند الى الاستيراد المباشر لا يعني سقوط سوق قوية كسوق دبي حيث خبرات تجارها المتراكمة عبر سنوات تمكنهم من ايجاد البديل. تحقيق: مصطفى عويضة