تزامنا مع الحديث الدائر حاليا حول الإغراق الذي يتهدد الصناعات الوطنية من جانب المنتجات المستوردة, يأتي قرار مجلس تنفيذي إمارة أبوظبي بإعطاء الأولوية لمنتجات شركة دبي للكابلات (دوكاب) ولعدد من المصانع الوطنية في مجال الطابوق في المشتريات الحكومية, لدعم وتشجيع القطاع الصناعي الوطني . وحقيقة فإن القرار يأتي تفعيلا لإجراءات حكومية وردت في القانون الصناعي بشأن إعطاء الأولوية في المشتريات الحكومية للمنتجات والصناعات المحلية, ولو كانت أسعارها أعلى بنسبة 10% من المنتجات المستوردة, بغرض دعمها وتشجيعها. ولم يكن هذا الإجراء يطبق بصورة كبيرة مما كان تحرم معه الصناعات الوطنية من القبول في المناقصات الحكومية, ولذلك يأتي قرار تنفيذي أبوظبي ليفعل من هذا الإجراء ويضعه محل التطبيق. ويهدف الجانب الرئيس من القرار إلى دعم الصناعة الوطنية, لكن تثار تساؤلات حول مدى تمتع الصناعة الوطنية بالجودة, خصوصا وأن نص القرار يشترط ضرورة تمتع المنتجات المحلية بالجودة وبالمواصفات والمقاييس المعتمدة كشرط لإعطائها الأولوية. وحول ما إذا كان ذلك يعد دعما حكوميا يتعارض مع ما تدعو إليه منظمة التجارة العالمية, والتي تدعو قوانينها إلى رفع كافة الأفضليات بحيث يتمتع المنتج الأجنبي بالمساواة نفسها مع المنتج المحلي. الحقيقة أن كثيرين يرون أن المنتج الوطني وصل إلى درجة عالية من الجودة التي تجعله ينافس أي منتج أجنبي, وأن ما يعاني منه هو عدم وجود الحماية والدعم غير المباشر المتمثل في حمايته من الإغراق الذي يتعرض له في الأسواق المحلية. غير أن هناك أيضا من يعترض على ذلك ويتهم الصناعة الوطنية بعدم تمتعها بالجودة مما يجعل المستهلك يفضل المنتج الأجنبي على المحلي, ومن شأن إعطاء الأولوية للمنتج الوطني والحالة هذه ألا يساعد الصناعيين المحليين على التطوير. إذن هناك آراء متضاربة. لكن في الإجمال هناك إجماع على أهمية تفعيل الدور الحكومي بشأن دعم الصناعات الوطنية بكافة الأشكال والأساليب, شريطة ألا يتعارض ذلك مع التزامات الدولة تجاه عضويتها بمنظمة التجارة العالمية. في هذا التحقيق نسلط الضوء على انعكاسات قرار إعطاء الأولوية للمنتجات الوطنية في المشروعات الحكومية, ومدى توافقه أو تعارضه مع مبادئ منظمة التجارة العالمية. * د. سهير السبع, الخبيرة الصناعية بغرفة تجارة وصناعة دبي, ترى أن إعطاء الأولوية للصناعات الوطنية في المشروعات الحكومية وبنسبة 10% عن الصناعات الأجنبية, أمر منصوص عليه في القانون الصناعي, ويأتي قرار مجلس تنفيذي أبوظبي بإعطاء الأولوية لمنتجات شركة (دوكاب) ولمصانع الطابوق في هذا الإطار. غير أن هذا القرار ينبغي أن يلفت نظر الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية إلى أهمية دورها في المناقصات الحكومية, كما تم في مشروعات الأوفست التي تم إقرارها للاستفادة من المشروعات الأجنبية. وتضيف أن الفترة المقبلة تستلزم من الحكومة دورا في تشجيع الصناعات الوطنية, من خلال تقديم كافة أشكال الدعم التي لا تمنعها منظمة التجارة العالمية كدعم المناقصات الحكومية, خصوصا وأن الإمارات لم تحسم نسبة الـ10% المخصصة للمشروعات الحكومية, واعتبرتها من المسائل المؤجلة في نقاشها مع منظمة التجارة العالمية, وربما تتنازل الإمارات عن هذه الميزة إذا ما اشتد ضغط المنظمة, الأمر الذي يلقي على مفاوض الإمارات عبئا كبيرا. وتؤكد د. سهير أن إعطاء الأولوية للصناعات الوطنية في المناقصات الحكومية لا يندرج تحت بند الدعم الذي تمنعه منظمة التجارة العالمية, بقدر ما يندرج تحت بند التسهيلات. ذلك أن الدعم الممنوع هو الذي يعطى للصادرات الصناعية, أو ما يوصف بالمزايا المباشرة التي تعطيها الدولة لمنتجاتها وصناعاتها, كالتسهيلات المصرفية. أما تفضيل الصناعات الوطنية في المناقصات الحكومية فلا يعد دعما, وهو بذلك أشبه بالتمويل الذي تقدمه الحكومة للدراسات الصناعية والذي تقرره منظمة التجارة العالمية حتى 60%. وفي الحقيقة أن قرار إعطاء الأولوية لمنتجات دوكاب وغيرها من الصناعات, يدعونا إلى المطالبة بتفعيل نسبة الـ10% المقررة للصناعات المحلية في المشروعات الحكومية, والتي لا يتم الأخذ بها رغم أنه منصوص عليها في القانون الصناعي. وكما قلنا أكثر من مرة فإن الدعم الحكومي للصناعة الوطنية أمر ضروري ومطلوب, فإنجلترا على سبيل المثال منعت الاستيراد من ألمانيا حتى وقفت الصناعة الإنجليزية على قدميها. المهم أن تعرف الحكومة بالتحديد ما هو الدعم الذي يمكن أن تقدمه للصناعات الوطنية ولا يتعارض مع التزاماتنا تجاه منظمة التجارة العالمية, خصوصا وأن هناك من الالتزامات التي تسمح بتقديم أكبر قدر من الدعم للمنتجات والصناعات الوطنية. وتقول د. سهير إن مشكلة المصانع الوطنية أن منتجاتها ليست موضع تفضيل من المستهلك المحلي الذي يفضل عليها المنتجات الأجنبية, ولذلك يتعين على الحكومة أن تعطي المثل الأعلى بتفضيلها المنتجات المحلية في مشروعاتها الحكومية الأمر الذي يوجد وعيا متناميا لدى المستهلك المحلي, والذي سيجد نفسه بالتدريج يفضل منتجات بلاده على المنتجات الأجنبية. وفي الفترة المقبلة, ربما في هذا العام أو المقبل, سوف يكون هناك العديد من القضايا العالقة التي ستكون موضع نقاش بين الإمارات ومنظمة التجارة العالمية, وأبرزها نسبة الـ10% التي تمنحها الحكومة كأفضلية للمنتجات المحلية في مشروعاتها الحكومية, ونسبة الـ51% للشريك المواطن مقابل 49% للأجنبي في المشروعات. لذلك يتعين علينا الاستفادة من الوضع الحالي في دعم الصناعات الوطنية, بإعطائها الأفضلية في كافة المشروعات الحكومية والاتحادية, وهذه ليست حماية كما قد يظن البعض فكافة الدول الصناعية تعمل على دعم وحماية صناعاتها. * الدكتور محمد إبراهيم الرميثي, أستاذ الاقتصاد ومدير عام الدائرة الاقتصادية برأس الخيمة, لا يختلف مع الرأي الذي ذهبت إليه د. سهير السبع. ويضيف أن إعطاء الأفضلية للصناعات المحلية في المشروعات الحكومية أمرا ليس جديدا, بقدر ما هو تنفيذ حقيقي وعملي لما هو منصوص عليه في القانون الصناعي في الدولة وفي الاتفاقيات الاقتصادية والصناعية لدول مجلس التعاون الخليجي. ولاشك أن قرارا مثل قرار تنفيذي أبوظبي بإعطاء الأولوية لمنتجات (دوكاب) في المشروعات الحكومية لإمارة أبوظبي, وكذلك الأمر بالنسبة لمصانع الطابوق, سيسهم في تفعيل دور الصناعة الوطنية ودعمها في هذه المرحلة بالذات, خصوصا وأن عضوية الإمارات في منظمة التجارة العالمية لا تمنع من تقديم مثل هذا الدعم, فالمنظمة تعطي فرصة لمدة عشر سنوات للدول حديثة العهد بالتصنيع ـ ومنها دولة الإمارات ـ لحماية صناعاتها الوطنية. ومن المؤكد ـ كما يقول د. الرميثي ـ أن مثل هذا الدعم الحكومي للصناعة يدخل في إطار الدعم غير المباشر الممنوح للصناعة, والذي لا يتعارض على الإطلاق مع نصوص والتزامات منظمة التجارة العالمية, شريطة أن تلتزم المنتجات والصناعات المحلية بشروط الجودة وبالمواصفات والمقاييس المحلية والخليجية والدولية, ذلك أن إعطاء الأولوية لمنتجات وطنية تفتقد إلى الجودة يعني إهدار جانب كبير من الإنفاق الاستثماري, خصوصا إذا كانت السلع المعطاة الأولوية سلعا استثمارية. ولذلك فمادامت الحكومة قد بدأت تعطي أولوياتها للمنتجات الوطنية في مشروعاتها, فإنه ينبغي أن تكون السلع الاستثمارية ذات جودة عالية وأسعارها تنافسية. ويؤكد د. الرميثي أن الصناعة الوطنية تحتاج إلى حماية خصوصا في ما يتعلق بالتكنولوجيا, حيث لاتزال الصناعات التي تستخدم التقنية غير مدروسة دراسة دقيقة, فالكثير منها لاتراعي جوانب المواصفات والمقاييس والجودة بشكل دقيق مقارنة مع مثيلاتها الأجنبية, لذلك نجد أن تكلفة المنتج المحلي أكبر بكثير من تكلفة المنتج الأجنبي, الأمر الذي يجعل الأجنبي قادرا على المنافسة لأن تكلفته الإنتاجية منخفضة. ومن هنا يتعين على الصناعة الوطنية في الفترة المقبلة التركيز على الجوانب التكنولوجية, سواء عند مرحلة الإنشاء ودراسة الجدوى أو عند مرحلة الإنتاج والتسويق. وأن يتم الاستعانة في ذلك ببيوت خبرة عالمية متخصصة في الدراسة الفنية لاختيار التكنولوجيا المناسبة. النقطة الثانية أن هناك العديد من الصناعات التي تقام من دون دراسة, وهو ما يسبب لها الكثير من المشكلات. وعلى سبيل المثال: الحديث الدائر حاليا حول الإغراق الذي يتهدد صناعاتنا الوطنية, يعود في جذوره إلى أن هناك العديد من المصانع ـ خصوصا العاملة في مجال الألبان ـ أنشئت من دون دراسة متعمقة لحجم السوق ولحجم الطلب, الأمر الذي أوجد منافسة قوية في السوق لجأت على ضوئها المنشآت والشركات إلى أساليب غير مباشرة لترويج منتجاتها. ومن هنا يحدث أن تتواجد في أسواقنا المحلية منتجات ألبان من خارج الدولة, بل ويمكن أن يحدث الإغراق بين المصانع المحلية داخل الدولة الواحدة. وهذا يدعو إلى وقفة لإعادة النظر في تراخيص بعض الصناعات, كأن تتوقف التراخيص للمشروعات الجديدة, لأن ما يحدث في السوق حاليا لمنتجات الألبان يكشف عن وجود حالة من التشبع في السوق. ويذكر د. الرميثي أن هناك الكثير من أشكال الدعم غير المباشر الذي يمكن أن تقدمه الحكومات إلى صناعاتها الوطنية, والذي لا يتعارض مع نصوص والتزامات منظمة التجارة العالمية. ويمكن للحكومة الاتحادية والحكومات المحلية أن تقوم بإجراء دراسات دقيقة حول هذه الأشكال لدعم الصناعة المحلية, خاصة وأن الفترة المقبلة ستشهد انفتاحا أكبر للأسواق المحلية أمام السلع المستوردة, مما سيجعل المنافسة أشد مما هي عليه الآن. إذن هناك أساليب عديدة لحماية الصناعات ومسموح بها, لكن هذا يتوقف على تحديدها من قبل خبرات وكفاءات تعرف بالضبط التزاماتنا تجاه منظمة التجارة العالمية. لكن إذا بدأت الحكومة في تفعيل نسبة الـ10% كأفضلية للصناعات المحلية في المشروعات الحكومية, فهل تراعي الصناعات المحلية معايير الجودة والمواصفات القياسية خصوصا وأن الأفضلية مشروطة بالجودة؟ * عبدالرحمن محمد يوسف, الباحث بإدارة الدراسات بدائرة التنمية الاقتصادية بدبي, يقول إنه في ظل مبدأ الاقتصاد الحر الذي تنتهجه دولة الإمارات وسهولة استيراد السلع من مختلف دول العالم يصبح التنافس الحاد في السوق المحلية أمرا لا مناص منه, وحيث إنه لا تتم حماية المنتجات الصناعية المحلية عن طريق فرض رسوم جمركية حمائية ضد الواردات من السلع المماثلة للإنتاج المحلي, أو فرض نظام حصص أو غير ذلك من الإجراءات الهادفة إلى حماية الإنتاج الصناعي المحلي, فإن المنتجين المحليين يواجهون منافسة حادة من الواردات خاصة عند بداية المشروع. والمعروف أن مبدأ الاقتصاد الحر وحرية التجارة المعمول به في الدولة, يؤدي إلى سهولة دخول الكثير من المنتجات الأجنبية ذات الأسعار المتدنية نسبيا والجودة المنخفضة, والتي لا تنطبق عليها المواصفات القياسية المناسبة, ويمكن لهذه المنتجات أن تسبب الضرر للمستهلك. ومن ناحية أخرى فإن هذه السلع تمثل منافسة غير متكافئة في السوق المحلية للمنتج الوطني, الذي يلتزم باستخدام المواصفات القياسية في الإنتاج ويخضع للرقابة على الجودة. ولضمان جودة المنتجات الصناعية فإنه لابد من استخدام المواصفات القياسية وأساليب ضبط الجودة في جميع مراحل الإنتاج, والمواصفات القياسية هي وثيقة معتمدة من سلطة تقييس معترف بها وتشمل مجموعة الشروط والخواص الفيزيائية والكيميائية التي يجب أن تتوافر في المنتج ليؤدي الغرض الذي أنتج من أجله. وبالنسبة للأسعار فإن استخدام المواصفات القياسية يؤدي إلى تخفيضها ـ بسبب الخفض الناتج عن تكاليف الإنتاج ـ على النحو التالي: يتم الإنتاج على نمط متكرر باستخدام المواصفات القياسية المحلية أو الأجنبية التي تعتمدها الجهات المختصة في الدولة, وبالتالي تنتفي الحاجة إلى تحمل المنشأة مصاريف إضافية لإنتاج المنتج نفسه بمواصفات مختلفة في كل مرة, بما في ذلك مصاريف إعادة التصميم وتغيير أساليب مراقبة الجودة. كما يؤدي توحيد القياسات والتعبئة إلى الاقتصاد في النفقات في ما يتعلق بالتخزين والمناولة, حيث يمكن تنظيم هذه العمليات على أساس مواصفات السلعة المنتجة. ويوضح يوسف أن استخدام المواصفات القياسية يتيح شراء بعض الأجزاء النمطية الداخلية في السلعة من شركات أخرى, بأسعار قد تقل عن التكلفة التي يتكبدها منتج السلعة إذا قام بتصنيع جميع الأجزاء في مصنعه, وذلك لأن الشركات الأخرى يمكن أن تخفض من إنتاج تلك الأجزاء بكميات كبيرة وبتكلفة قليلة نسبيا, مستفيدة من وفورات الحجم الكبير, ويؤدي ذلك إلى التكلفة النهائية للسلع. وكما يقول يوسف فإنه بجانب التحدي المتوقع والمتمثل في حدة المنافسة في الأسواق, هناك الفرص التي يتيحها هذا الوضع بفتح مزيد من الأسواق العالمية أمام صادرات المنشآت الصناعية بالدولة وإمكانية المنافسة في تلك الأسواق. وفي كل الأحوال فإن المنتجين المحليين سوف يواجهون منافسة حادة, لا يمكنهم الفوز فيها إذا لم يلتزموا بالجودة في الإنتاج, وذلك بتطبيق المواصفات القياسية والسعي للتسجيل بموجب سلسلة الأيزو 9000ر * الدكتور ناصر سيف المنصوري, من دائرة التخطيط بأبوظبي, يقول إن صناعة مواد البناء والتشييد تبشر بالخير وهي حديثة العهد, مما يستوجب دعمها ومحاولة تقويتها لكي تقف على قدميها وتستطيع أن تنافس في أسواق معروفة بشدة التنافس وكثرة المنتجين. مؤكدا أن دعم المنتجات الوطنية وتشجيعها هو أمر مهم جدا, وما تقوم به الدولة من تشجيع ودعم للمنتجات المحلية يدل على وعي وإدراك من المسئولين لأهمية وجود قاعدة السلع المختلفة محليا, وعدم الاعتماد دائما على ما يستورد من الخارج. ويضيف أنه من الصعب أن يتم فقط الاعتماد على ما يتم إنتاجه محليا, إلا في حالة وجود طاقة إنتاجية كبيرة جدا تفي بمتطلبات السوق ووجود الجودة المطلوبة, مع التأكيد على عقلانية الأسعار وعدم المبالغة, بحيث لا يكون المنتج المحلي أعلى بكثير مما يستورد من سلع مشابهة. وفي حالة توفر هذه الشروط فإن استخدام المنتجات المحلية بطبيعة الحال يعتبر أفضل لحركة التجارة المحلية ولدعم الاقتصاد المحلي, وكذلك يصبح من الطبيعي أن يتجه المقاول والاستشاري إلى استخدام المنتج المحلي الجيد. وحول ما يقال عن ظاهرة الإغراق هذه الأيام وكثرة التعلل به كسبب لما تمر به الشركات المحلية من مشكلات, يقول إننا لا نستطيع أن نغلق الحدود أمام جميع السلع لكي نضمن عدم دخول مواد وسلع مطلوبة محليا وذات جودة ومنافسة في أسعارها, وعليه يجب أن تقوم الشركات المحلية بدراسة وضعها ومتطلبات السوق والمنافسة المحلية والخارجية, والابتعاد عن البحث عن المبررات لفشل بعض هذه الشركات, لأن المنافسة هي في سوق حرة تحكمها الجودة والسعر وطلب المستهلك. ما هي آراء رجال الصناعة بخصوص تفعيل القرارات الحكومية بشأن إعطاء الأولوية في المشروعات الحكومية للصناعات الوطنية؟ وهل صحيح ما يقال عن أن المنتجات والصناعات الوطنية لاتزال تفتقد إلى الجودة وأن إعطاءها الأولوية دون الصناعات الأجنبية من شأنه ألا يدفعها إلى التطوير والتجويد في صناعاتها؟ وكذلك ما هي فرصة المنتج المحلي في الوقوف أمام وجه المنافسة الأجنبية في الفترة المقبلة؟ طرحنا هذه التساؤلات على عدد من الصناعيين المحليين لنتعرف على رؤيتهم بخصوصها في ضوء تفعيل قرار إعطاء الأولوية للصناعات المحلية في المشروعات الحكومية. * فريد محمد أحمد, المدير العام للعلاقات الحكومية والعامة بشركة دبي للكابلات المحدودة (دوكاب), يؤكد أن قرار مجلس تنفيذي إمارة أبوظبي بإعطاء الأولوية لمنتجات دوكاب في مشروعات الهيئات الحكومية, يعد تشجيعا مباشرا للصناعة الوطنية ودفعة قوية لزيادة إسهامها في الناتج المحلي الإجمالي, وزيادة الاستفادة من الشركات الوطنية في الاقتصاد الوطني بشكل عام. والحقيقة أن قرار الأفضلية لدوكاب لم يأت من فراغ, وإنما جاء بعد دراسة مستفيضة أجراها المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي لنشاطات ومنتجات دوكاب خلال العامين الماضيين, مما أتاح الفرصة للمجلس باتخاذ قراره بإعطاء الأولوية لمنتجات دوكاب في مشروعات الهيئات الحكومية, إضافة إلى أن أداء دوكاب في العامين الماضيين ساعد على تكوين القاعدة الصناعية للدولة. ويضيف أن القرار جاء أيضا من منطلق أهمية التكاتف في الاستثمارات الوطنية في الدولة, خصوصا بعدما دخلت إمارة أبوظبي مع إمارة دبي للاستثمار في دوكاب قبل عامين, وإيمانا من أصحاب السمو الشيوخ بضرورة تكاتف الجهود الاستثمارية الصناعية لزيادة الإمكانات المتاحة للدولة في المنافسة العالمية. ولا يعتبر فريد محمد أحمد إعطاء الأولوية لمنتجات دوكاب من المشروعات الحكومية بمثابة حماية تفرضها التزامات الإمارات تجاه منظمة التجارة العالمية, ويضيف قائلا: إن جميع دول العالم تقدم أفضليات لمنتجاتها المحلية بطريقة أو بأخرى, إما عن طريق دعم مباشر كشراء مباشر من منتجات الشركات بعقود سنوية, أو إعطائها أفضليات على أساس الحد من المنافسة الخارجية لمنتجاتها من جانب منتجات مشابهة عن طريق فرض نسب رسوم عالية على الواردات, أو وضع مواصفات ومقاييس خاصة تمكن هذه الشركات من توفير احتياجات الدولة بصفة عامة. ويؤكد أن دولة الإمارات لا تتبع نظام (الكوتة) لتحديد كميات الاستيراد من أي منتج, خصوصا من الكابلات والمنتجات الكهربائية والمواصفات المعتمدة هي في الأساس مواصفات عالية, وبشكل عام تتبنى الدولة المواصفات البريطانية. من هنا تبدو المنافسة شديدة في السوق المحلية, ويأتي قرار دعم دوكاب بعد أن حافظت على مستوى فني مرتفع يعادل الجودة الأوروبية في منتجاتها, ومن منطلق حرصنا على أن تضاهي منتجاتنا المنتجات الأوروبية في الجودة, ساندت دوكاب الدراسة التي استغرقت ستة أشهر وقامت بها الجهات المسئولة في أبوظبي لمعرفة المواصفات الفنية الخاصة بالكابلات الكهربائية, خصوصا في إمارة أبوظبي, وتنقيح هذه المواصفات لتتلاءم والأجواء المحلية, واعتماد المواصفات العالمية كأساس لإنتاج الكابلات الكهربائية. وبالفعل توصلت الدراسة التي شاركت فيها دوائر حكومية متخصصة في إمارة أبوظبي إلى مواصفات ذات مستوى عال من النواحي الفنية. وكما يقول المدير العام للعلاقات الحكومية والعامة في دوكاب, فإن أمام دولة الإمارات حسب قوعد منظمة التجارة العالمية فترات زمنية تمكنها من إعطاء الأفضليات لنشاطات وصناعات محلية, خصوصا الصناعات الحيوية للاقتصاد الوطني. وإضافة إلى ذلك فللدولة الحق في استخدام الوسائل التي تتيحها منظمة التجارة العالمية, للحد من السياسات الإغراقية التي تعتمدها بعض الشركات ضد صناعات دولة أخرى أو منتجات شركات منافسة في الأسواق. ولكون أسواق الإمارات مفتوحة اقتصاديا على جميع أسواق العالم, فهناك صعوبة في الحصول على معلومات أساسية لتأكيد السياسات الإغراقية التي تتعرض لها الصناعات الوطنية من جانب المنتجات الأجنبية. ومن هذا المنطلق يأتي دعم الإدارات الحكومية للمنتجات الوطنية طريقا لتلافي السياسات الإغراقية, كما تقوم وزارة الاقتصاد وبالتنسيق مع وزارة المالية والصناعة برفع تقارير إلى منظمة التجارة العالمية عن وجود أية مخالفات أو حالات إغراق في أسواقنا المحلية. ثمة نقطة أخرى لها أهميتها وتتعلق بالسياسات المتبعة بالدوائر الحكومية في ما يخص المشتريات, حيث ينظر العديد من الدوائر في (المناقصات) التي تجرى إلى السعر الأقل ومن ثم تجري عمل التقييم الفني, عكس ما يحدث في الدول الأوروبية التي تتبنى التقييم الفني للمنتج قبل السعر. وكمثال على ذلك سنغافورة, حيث تعتمد هيئة الخدمات العامة في سنغافورة واردات عشر دول من منتجات الكابلات الكهربائية فقط من ضمنها منتجات دوكاب, بعد قيام الهيئة السنغافورية بتقييم منتجاتنا من الكابلات والأسلاك الكهربائية. والحقيقة أن المناقصات المحلية تستقطب عددا كبيرا من الشركات العالمية, ومنها شركات ليس لها تواجد في المنطقة وتدخل المناقصة, ومتى حالفها الحظ تتواجد لتنفيذ المشروع فقط دون أن يكون لها أي ارتباط بالمنطقة ولا تقدم أية خدمات تساعد المجتمع. ويؤكد فريد محمد أحمد أن المسئولية تقع على عاتق الجهات المختصة في وضع المواصفات والمقاييس الخاصة بالدولة تجاه المنتجات الصناعية, ومن ثم هناك ضرورة لإيجاد جهات مختصة للتأكد من تنفيذ وتطبيق المواصفات والمقاييس. فنحن مثلا لدينا أكثر من ألف مواصفة فنية لدى وزارة المالية والصناعة, لكن لا يطبق منها إلا القليل خصوصا في مجال المواد الغذائية ومواد البناء والسيارات, ومن هنا ندعو إلى ضرورة إقامة مختبرات مركزية تتولى مسئولية فحص المنتجات والتأكد من صلاحيتها للاستخدام, وإن كان ذلك يتطلب جهدا وتمويلا كبيرين. ونحن في دوكاب على استعداد لوضع إمكاناتنا المتاحة في الفحص تحت تصرف الجهات المسئولة للاستفادة منها, كما يتطلب الأمر أيضا تنمية الوعي لدى جمهور المستهلكين بطلب المنتجات ذات الجودة العالية دون إيلاء عامل السعر أهمية أكبر من عنصر الجودة. ومن الممكن أيضا أن تأخذ الدولة بما هو مطبق في الدول الأوروبية عند استيراد المنتجات الأجنبية, وذلك بالتشدد في تطبيق هذه المنتجات لمواصفاتنا, وضرورة حصولها على شهادات فحص من قبل هيئات مستقلة, إضافة إلى تأكيدات من الشركات بدعمها لهذه المنتجات وصيانتها خلال فترة الاستخدام. وحسب المدير العام للعلاقات الحكومية في دوكاب, فإن دوكاب تعتمد على الأسواق المحلية في مبيعاتها, حيث تقدر بنحو 75% من إجمالي المبيعات السنوية, و25% من مبيعاتها هي إلى الأسواق الخليجية خصوصا عمان وقطر والبحرين وإلى دول جنوب شرقي آسيا مثل سنغافورة وهونج كونج وبروناي وتايوان والصين وكمبوديا إضافة إلى الهند وباكستان. وبإمكان دوكاب المنافسة في الأسواق الخارجية من النواحي الفنية بصورة جيدة, بفضل ما تمتلكه من إمكانات لتطوير المواصفات الفنية وشهادات جودة من مختلف الجهات. وتعتمد هذه الشهادات من الجهات المسئولة في الدول المستوردة لمنتجاتنا. ومن المتأمل أن تزداد مبيعات دوكاب للمشروعات الحكومية خصوصا بعد دخولنا مجال إنتاج الكابلات ذات الضغط المتوسط والعالي, وتمثل الهيئات الحكومية 85% من عملاء هذا المنتج. وقد أنتجت دوكاب الكابلات ذات الضغط المتوسط منتصف العام الماضي, وقمنا بتوريد منتجات من هذه الكابلات إلى مشروعات حيوية في إمارة دبي كتوسعة دوبال ومشروع تلال الإمارات والمرسى الغربي, كما صدرنا كميات كبيرة إلى قطر والبحرين. * أحمد خلف المزروعي, رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة شركة ألبان الخليج والصفا بأبوظبي ومصنع أبوظبي للصناعات الطبية, يؤكد أن قرار المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي خطوة جيدة على طريق دعم وتشجيع الصناعات الوطنية بمختلف مجالاتها وقطاعاتها, ونتمنى أن تحذو الوزارات الاتحادية والدوائر المحلية في الإمارات الأخرى حذوه وتسارع بإصدار القرارات التي من شأنها أن تزيد من عملية دعم وتشجيع المنتجات الوطنية. وينبه على ضرورة إعطاء الأولوية والأفضلية لهذه المنتجات في المناقصات المحلية أمام مثيلاتها من المنتجات المستوردة, حتى ولو كانت المحلية أعلى سعرا, من أجل التشجيع. ولكن نجد أن هناك من يفضل المنتجات الأجنبية, رغم ما تتميز به منتجاتنا من جودة والتزامها بالمواصفات والمقاييس العالمية. ويضيف أنه رغم أن المنتجات الأجنبية التي تنافس في المناقصات وترسي العطاءات عليها لا تستخدم تكنولوجيا متقدمة, ويتم تصنيع أفضل منها في السوق المحلية وبأساليب أفضل وأكثر جودة, إضافة إلى أن الشركات الوطنية توفر للجهات المشترية الضمانات الكافية وكذلك الصيانة لسنوات عدة. ولكن للأسف فإن كثيرا من الجهات الاتحادية والمحلية لا تتعامل مع إنتاجنا الوطني, ولا نرى أي مبرر لهذه التصرفات التي من شأنها أن تضعف الصناعة الوطنية. وينبه إلى أنه يجب على الجهات المنفذة لقرارات المجلس التنفيذي, وهي الجهات التي تتعامل مع المصانع الوطنية أن تلتزم بذلك وأن تعطي الأفضلية للمنتجات الوطنية بجميع أنواعها, وألا يقتصر ذلك على مواد أو منتجات دون غيرها, بل يجب العمل على تعميم ذلك على جميع المنتجات التي يتم تصنيعها داخل الدولة, حتى تكون عبارة (صنع في الإمارات) حقيقة واقعة, لأن هذا سيؤدي بالطبع إلى دعم الاقتصاد المحلي في الإمارة والاقتصاد الوطني, ويوفر الأرضية الجيدة لنهوض ونمو صناعتنا الوطنية وتطويرها, ويزيد من الاستثمارات المطلوبة لها لتكون أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات العالمية خلال المرحلة المقبلة, وخاصة بعد تحرير التجارة والعولمة الاقتصادية. ويعرب أحمد خلف المزروعي عن أمنياته بأن تقوم الحكومة بتوفير التمويل اللازم للمشروعات القائمة, في حالة الحاجة لرأس المال للتطوير, أو للمستثمرين لإقامة مشروعات جديدة. مشيرا إلى أنه إذا أردنا أن ننافس في السوق المحلية والخارجية يجب أن تقدم الحكومة المزيد من المزايا والتسهيلات للمستثمرين المحليين وخاصة لتلك المشروعات ذات الجدوى الاقتصادية والعوائد المرتفعة. ويقول إن الإنتاج المحلي أثبت جدارته ليس فقط في السوق المحلية وإنما في الأسواق الخارجية, حيث توجد حصة جيدة لمنتجاتنا في هذه الأسواق. ولكن الحاصل أن هناك بعض الوزارات تتعامل مع دول وشركات أجنبية رغم أن أسعارنا أقل, ومع ذلك لا تجد منتجاتنا مكانا في هذه المناقصات. وفي هذا الصدد يشير إلى أن مصنع التجهيزات الطبية يعد الوحيد من نوعه على مستوى الإمارات في إنتاج الأثاث والمعدات الطبية والمختبرية, ويتميز إنتاجه بالجودة الفائقة ولا يوجد مصنع محلي مثيل, لكن هناك منتجات مثيلة مستوردة تزاحمنا وتنافسنا ومع ذلك لا نجد الدعم والتشجيع المطلوبين. وأكرر هنا أنه لا يوجد أي مبرر لذلك مطلقا! ويتابع: إن إنتاجنا يضاهي مثيله العالمي ونصدر كميات كبيرة إلى دول عدة في الشرق الأوسط, مع أننا لم نلق أي دعم أو تشجيع في عملية التمويل, وكنا قد تقدمنا للبنوك المتخصصة لطلب التمويل والاقتراض لتنفيذ المشروع عندما كان فكرة, وتقدمنا بدراسة تثبت جدواه الاقتصادية, إلا أننا لم نستطع الحصول على أية مساعدة, فانتظرنا حتى وفرنا التمويل الذاتي واعتمدنا على أنفسنا في عملية التمويل. مع أن ذلك الانتظار كان يمكن أن يتسبب في خروج فكرة المشروع نفسها من مستثمرين آخرين, ومن ثم ربما كان قد فشل قبل أن يبدأ. ويقول إن إنتاج مصنعنا من الألبان ومنتجاتها والعصائر يواجه منافسة شرسة من بعض الدول المجاورة, ومن بعض المصانع التي أنشئت في الدولة والتي ليست على مستوى تقني, مما تسبب في إغراق كبير للمنتجات المحلية من جانب المستوردة والأخرى المحلية الردئية, والتي تباع بأسعار أقل من أسعار الشركات والمصانع الوطنية الكبيرة المجهزة. ويضيف أن الشركات الخارجية والتي تنافس بقوة الشركات الوطنية توفرت لها كافة الظروف المناسبة لدخول الأسواق والتسبب في تفشي وتضخم ظاهرة الإغراق, ومن أهمها الدعم اللامحدود الذي تحظى به من قبل دولها وحكوماتها في كافة مراحل الإنتاج, لذلك فإنهم أكثر قدرة على منافستنا داخل بلدنا بأسعار أقل, وليس السبب في ذلك جودة منتجاتهم بل الأسباب الأخرى التي فصلنا الحديث عنها. وفي الوقت الذي يلقى فيه هؤلاء الدعم وتوفير المزايا والتسهيلات, فإن هذا يغيب تماما عن المنتجين المحليين, ليس من حيث الدعم المالي فحسب بل المعنوي كذلك! مشيرا إلى أن المنافسين يأتون إلينا بكل سهولة ودون أية قيود أو معوقات, فأسواقنا مفتوحة على مصاريعها أمامهم, في حين أننا لا نستطيع الدخول إلى أسواقهم أو حتى مجرد التفكير في ذلك. ويؤكد أحمد خلف المزروعي أنه لو تم دعم الصناعات المحلية بمختلف أنواعها, فلاشك في أنها ستستطيع المنافسة وسيكون لها موطئ قدم في ظل العولمة الاقتصادية والتي تزيد بالطبع الأعباء والضغوط التي تتعرض لها صناعتنا الوطنية الناشئة, الأمر الذي يتطلب البحث عن السبل والآليات المناسبة لمزيد من الدعم والتشجيع لها ولا يقتصر الأمر على إعطائها الأولوية في المناقصات, بل هناك الكثير من أشكال الدعم الذي تحتاج إليه صناعتنا الوطنية. مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب وجود جهة ما كجمعية أو اتحاد للمصنعين بالدولة أو على مستوى الإمارات المختلفة, من أجل التعامل مع المشكلات التي تعاني منها الصناعة الوطنية, سواء في السوق الداخلية أو الأسواق المجاورة, وترفع أصواتنا كمنتجين للجهات المعنية. ويختتم كلامه بأننا إذا ما أردنا أن نقيم قاعدة صناعية وإنتاجية قوية, فلابد أن تتدخل الدولة وتتخذ إجراءات حاسمة من أجل النهوض بهذا القطاع الاستراتيجي والحيوي للاقتصاد الوطني, وعلى رأس هذه الخطوات تذليل الصعاب أمام حصول المستثمرين وأصحاب المصانع المواطنين على التمويل اللازم وتوفير الأراضي والخدمات والمرافق الأخرى لهم, وأن تبحث كذلك الاستفادة من تجارب بعض الدول المتقدمة صناعيا وبما يتلاءم مع ظروفنا الخاصة. * محمد عبدالله راشد الظاهري, مستثمر وشريك في أحد المصانع الوطنية للمباني الجاهزة, يقول إن قرار المجلس التنفيذي بالاعتماد على منتجات المصانع الوطنية في مشروعات البناء والتشييد قرار صائب وحكيم وسيدعم بقوة صناعتنا الوطنية في هذا المجال. وإن هناك توجيهات وتعليمات من قبل الدوائر المنفذة للمشروعات مثل دائرة الأشغال منذ سنوات, بإعطاء الأولوية للمنتجات المحلية في المناقصات التي تطرحها حتى ولو كانت أسعار هذه المنتجات أعلى من مثيلاتها المستوردة بنسبة معقولة. فهذا القرار جاء لمزيد من التشجيع والدعم للصناعة الوطنية, كما أنه يؤدي إلى بقاء أكثر من 90% من الأموال التي تنفق على المشروعات في الدولة, مما يؤدي إلى توفير مزيد من فرص العمل, ويشجع المستثمرين على تطوير صناعتهم وإقامة أو إضافة صناعات جديدة. ومن هنا فإنه يرى أن جميع المنتجين في الإمارة كانوا في حاجة ماسة وحقيقية إلى دعم وتشجيع, خاصة وأن الفرص الاستثمارية أصبحت محدودة وضيقة جدا. ويضيف أن صناعة مواد البناء والتشييد وجميع الصناعات الأخرى تعمل وفق أحدث التقنيات المعمول بها في الدول المتطورة صناعيا, ومنها على سبيل المثال صناعة الأسمنت والكونكريت, وتحظى الدولة وأبوظبي فيها بسمعة جيدة, ويضاهي إنتاجها الإنتاج العالمي ويتميز بالجودة الفائقة. وتنقسم الصناعة المحلية إلى قسمين, صناعة تعتمد على مواد خام متوفرة داخل الدولة مثل الأسمنت ومنتجاته, وإنتاجنا متطور جدا ويغطي حاجة السوق. والقسم الثاني صناعة مواد البناء التي تعتمد على مواد خام أولية مستوردة من الخارج, ومنها الألمنيوم ومنتجات الحديد والمنتجات الخشبية. ويوضح أنه رغم هذا القرار وأهميته للصناعة الوطنية, إلا أنه ستظل هناك ثغرات في التنفيذ خاصة إذا كانت المنتجات المثيلة والمستوردة أقل من المنتجة محليا, لأنني كمالك مشروع سألجأ إلى الشركات التي تقدم أسعارا أقل, وبالتالي فإنه يجب تطبيق بعض المعايير الصارمة حتى يكون هناك التزام تام, وأن يتم الابتعاد من جانب المسئولين عن المناقصات عن المصالح الشخصية, سواء من قبل الملاك أو الاستشاريين أو المقاولين. ومادام أن المواد المقدمة في المناقصات موصفة من قبل الجهات المعنية, سواء كانت مستوردة أو محلية, فإن السعر سيظل هو الفيصل في عملية الاختيار وإرساء المناقصات على منتج دون غيره. إذن مادام أن هناك أولوية وأفضلية للمنتج المحلي عن نظيره المستورد, فإنه يجب أن يكون سعره أقل أو مساويا للمستورد وبالجودة نفسها, لأنه إذا كانت الأسعار أعلى سيلجأ الملاك إلى المستورد. أي أنه يجب أن تكون هناك مراعاة لظروف ومعطيات السوق. ويقول إن قرار المجلس التنفيذي سيكون هناك التزام أكبر به في تنفيذ المشروعات الحكومية, وسيعطي المنتج المحلي أولوية مطلقة في هذه المشروعات, ولكن الأمر قد يختلف عند تنفيذ المشروعات الخاصة. ولابد من أن تراعي هذه الجهات ظروف صناعتنا الوطنية الناشئة, فإذا كان هناك مصنع حديث فإنه من المفترض أن تعطى منتجاته الأولوية, ولا تتم معاملته مثل المصانع الأخرى ذات الخبرة الطويلة والتي تعمل منذ سنوات في السوق . مضيفا أن الصناعة الوطنية ستحتاج إلى دعم أكبر في ظل العولمة, حتى تستطيع أن تنافس في المرحلة المقبلة. * فرج بن حمودة, رئيس مجلس إدارة شركة أبوظبي الوطنية لمواد البناء والمالكة لمصنع بلدكو للمنتجات الأسمنتية ومصنع لقص وتشكيل حديد التسليح, يؤكد أن قرار المجلس التنفيذي بدعم وتشجيع منتجات المصانع الوطنية في إمارة أبوظبي, ومنها مصنع (دوكاب) , وإعطائها الأولوية في المشروعات التي يتم تنفيذها بالإمارة, قرار إيجابي يساعد على نمو وتطوير الصناعة الوطنية ويزيد من حجم مبيعاتها. ويوضح أن في هذا القرار استشعارا من منطلق الحس الوطني للأهمية التي تمثلها الصناعة الوطنية, وضرورة توفير الدعم والتشجيع لها من أجل زيادة القنوات التسويقية لها, من خلال إعطائها الأفضلية في مناقصات المشروعات التي تنفذها الحكومة في كافة القطاعات وخاصة مشروعات البنية التحتية. ويقول إن صناعة مواد البناء والتشييد إحدى أقوى الصناعات بالدولة, والتي نشأت وتأسست منذ سنوات طويلة وتزامنت مع بداية الطفرة العمرانية التي شهدتها البلاد منذ ما يزيد على ثلاثة عقود مضت, والتي ساعدت كثيرا على تطوير وتنمية هذه الصناعة, وخاصة المنتجة من مواد خام وأولية محلية مثل المنتجات الأسمنتية بجميع أنواعها والخرسانة الجاهزة وسابقة الصب والدهانات. مشيرا إلى أن الإنتاج المحلي من مواد البناء يغطي احتياجات أعمال المقاولات في مختلف المشروعات, ويتم الاعتماد في جزء محدود على المواد المستوردة من الخارج, ولكن هناك مواد يتم الاعتماد فيها كلية على الاستيراد من الخارج, مثل الحديد الذي يستورد من بعض الدول الخليجية وتركيا وغيرها من الدول وكذلك الأخشاب. ونتمنى ـ والكلام لبن حمودة ـ أن يتم الانتهاء من إنشاء مصنع الحديد بالمصفح التابع للمؤسسة العامة للصناعة قريبا, حتى نتعامل مع إنتاجه لأنه سيغطي جانبا كبيرا من احتياجات السوق المحلية. ولكن مع ذلك فإننا نحرص على التعامل مع الحديد المنتج في بعض دول مجلس التعاون, تدعيما وتشجيعا للصناعة الخليجية التي تنافس بقوة المنتجات المثيلة في الدول الأوروبية وغيرها. ويؤكد أن جميع المنتجات المحلية تم توصيفها للاستخدام في المشروعات وعليها إقبال كبير من جانب الملاك والمقاولين والاستشاريين, نظرا لتمتعها بالجودة العالية جدا والأسعار المنافسة, ذلك أن الإنتاج المحلي يستخدم العمالة المتوفرة بالدولة والمواد الخام المحلية وبالتأكيد فأسعارها أقل مقارنة مع المستوردة, خاصة أنها خاضعة للرقابة من جانب استشاريين وخبراء من دول متقدمة في هذه الصناعات والذين يشرفون على إنتاجنا المحلي, حيث إنها تطابق المواصفات والمقاييس العالمية. وجميع المصانع المنتجة حاصلة على شهادات الجودة الشاملة (الايزو) . على أنه لا يوجد عجز أو نقص في المنتجات المحلية بل يوجد فيها فائض كبير ويزيد عن حاجة المشروعات, ويتطلب الأمر طرح المزيد من المشروعات خاصة بعد توقف طرح مشروعات الإنشاء السكني والتجاري في الإمارة منذ نحو عامين تقريبا. ويتابع قائلا إن المنتجات المحلية موصفة من قبل الدوائر المعنية المالكة للمشروعات, وتعطى دائما أولوية في المناقصات التي تطرحها الجهات المالكة, كما أن هذه الجهات تحدد للمقاول في بداية أي مشروع المواد المطلوبة في التنفيذ وبالتالي يتم الالتزام بها. وتختلف مواد البناء والتشييد عن أية سلعة أخرى لا تعاني من ظاهرة الإغراق, إذ إن هذه الصناعة منظمة وتخضع لاستشاريين لكل مشروع والذين يطالبون المقاولين بالاعتماد على مواد معينة في أعمال تنفيذ المشروعات, أي أن المواد المستخدمة تعتمد على تقرير الخبراء, بخلاف السلع الأخرى التي يقرر الإنسان بنفسه شراءها من عدمه. ويرى بن حمودة أن تحرير التجارة وتطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لن يؤثر سلبا على هذه الصناعة, بل على العكس سوف تستفيد الصناعات المحلية لأنه سيكون هناك المزيد من المنتجات الأجنبية المستوردة والتي ستنعكس إيجابا على تحسين جودة ونوعية المنتجات المحلية من خلال توافر الخبرات العالمية. * حمد راشد الهاجري, رجل الأعمال وصاحب مصانع كوينكس للمناديل والمنتجات الورقية, يؤكد أهمية القرار الذي أصدره المجلس التنفيذي والذي سيسهم بلاشك في تنمية وتطوير الصناعة الوطنية. وتنبع أهمية القرار من عدم اقتصاره على مصانع دون غيرها كما كان في السابق, وخاصة في مجال البناء والتشييد, وإنما شمل جميع المصانع المنتمية لهذه المواد. ونتمنى أن تكون هناك قرارات مماثلة لتشجيع جميع المنتجات والصناعات الوطنية الأخرى التي لاتزال تعاني العديد من المشكلات والمعوقات, وخاصة تلك التي تواجه ظاهرة الإغراق نظرا للمنافسة الشرسة والشديدة جدا التي تلاقيها من قبل المنتجات المستوردة والتي تباع بأسعار أقل كثيرا من إنتاجنا المحلي. ويضيف أن القرار الذي صدر مؤخرا قد سبقت المطالبة به منذ أكثر من عشر سنوات مضت, لأن هذا حق للمنتجين والصناعيين المواطنين الذين تحملوا الكثير من المصاعب من أجل تنفيذ مشروعاتهم. فالصناعات الوطنية يجب أن تدعم بشكل إجباري من خلال إلزام الدوائر والمؤسسات الحكومية بالتعامل معها حتى ولو كانت أسعارها أعلى من الأجنبية بنسب معينة, لأن عوائد هذه المبيعات تبقى داخل الدولة وتسهم بدورها في تطوير الصناعات القائمة وإدخال تقنيات جديدة, في حين أن التعامل مع البضائع المستوردة يهدر أموالنا ولا يستفاد منها داخليا. ويوضح أن من شأن هذا القرار وقرارات أخرى مثيلة له أن تقضي على المنافسة الأجنبية وخاصة في المنتجات التي لا تتطلب استخدام تقنيات معينة وخبرات أجنبية, وعلى سبيل المثال صناعة المناديل والمنتجات الورقية التي حققت فيها صناعتنا شهرة واسعة في الأسواق الخارجية وتنافس كذلك من حيث السعر. ومن هنا وباعتباري أحد الصناعيين بالدولة, فإنني أدعو كافة المستثمرين في هذا القطاع المهم أن يولوا مزيدا من الاهتمام بموضوع الجودة, حتى إذا ما طالبنا بدعم وتشجيع منتجاتنا في المشتريات والمناقصات الحكومية لا نلام على مستوى الإنتاج, إذا كان يعاني من ضعف في الجودة أمام المنتجات المستوردة. ويشدد الهاجري على أن الدولة يجب عليها في المرحلة المقبلة أن تركز على إنشاء الصناعات البديلة للواردات والتي من شأنها أن تحد من تفاقم ظاهرة الإغراق التي تتفشى في الدولة منذ سنوات عدة مضت, لذا يتوجب عليها أن تدعم الصناعات القائمة وأن تشجع على قيام الصناعات الجديدة على أساس دراسة سليمة, وأن يكون الإنتاج وفقا للتكاليف. لكن هناك بعض المنتجات لا تصنع داخل الدولة وبالتالي سيظل الاعتماد في تلبية احتياجات السوق منها على الاستيراد, نظرا لعدم وجود المصانع الخاصة بها أو أنها تحتاج استثمارات تقنية خاصة أو لعدم توافر المواد الخام. ويشير إلى أن هناك منتجات تكاليف إنتاجها أقل من تكاليف استيرادها, وهذا يعني بالضرورة قيام هذه الصناعات على موارد محلية, إضافة إلى ضرورة توفير الدعم لها ومراقبتها من قبل السلطات الحكومية. مؤكدا على أهمية أن تكون هناك حوافز تشجيعية توجه للصناعات التي لها مقومات البقاء والإنتاج بتكاليف منافسة, والتي لها القدرة على الاستمرار بدون دعم في المستقبل. ويدعو إلى أهمية مراجعة موقف الصناعات القائمة وتحديد المشكلات التي تعاني منها, ومعالجة هذه المشكلات على ضوء مدى إمكانية بقائها واستمرارها في السوق, إضافة إلى العمل على ترويج فرص استثمارية مربحة للقطاع الخاص, وأن تقدم لها دراسات جدوى فنية واقتصادية سليمة ومن قبل بيوت خبرة معتمدة. ويجب أن تشمل الحوافز المقدمة للقطاع الخاص تلك التي تؤدي إلى تخفيض التكاليف وتلك التي تؤدي إلى زيادة الأرباح في الوقت نفسه, من أجل جعل المشروع ذا جدوى وربحية للمنتجين, وذلك يحفز المستثمرين على الدخول باستثماراتهم إلى القطاع الصناعي الذي يعاني عزوفا إلى حد كبير من قبل المستثمرين المواطنين. * إبراهيم عزام, مدير عام وشريك بمصنع الصناعات البلاستيكية الحديثة المتخصصة في المنتجات الورقية والبلاستيكية والألمنيوم, يقول إن القرار الخاص بدعم وتشجيع المنتجات الوطنية من قبل المجلس التنفيذي بلاشك ستكون له آثاره الكبيرة على صناعتنا الوطنية, والتي ستنعكس إيجابا على تطوير هذه الصناعات. والمشكلة الحقيقية التي نعاني منها كمنتجين في السوق, هي التحيز الواضح من قبل المعنيين بأمور المشتريات في بعض الدوائر والمؤسسات أو الجمعيات التعاونية, التي تفضل التعامل مع السلع والبضائع الأجنبية, الأمر الذي يترتب عليه تعطيل طاقات وإمكانات مصانعنا الوطنية وعدم تطويرها. ويشير إلى أن الشركات والمصانع الوطنية تعاني من ظاهرة خطيرة جدا وهي المنافسة الداخلية من قبل الورش والمصانع الصغيرة بالدولة, والتي يمتلكها أبناء بعض الجنسيات الآسيوية والذين يلجأون إلى بيع منتجاتهم بأسعار أقل كثيرا من أسعار المنتجات التي تنتجها المصانع الأكبر. وقد خاطبنا الجهات المعنية بالإمارة في هذا الصدد لاتخاذ الإجراءات المناسبة ضد هذه الشركات, ولكن لم يتم شيء حتى الآن. إلا أن دائرة الموانئ اتخذت قرارا حاسما وقويا بشأن عدم السماح للشركات والمصانع غير الوطنية بإقامة مشروعاتها في منطقة الميناء الحر, نظرا لما استشعرته من خطورة مثل هذه الشركات والمؤسسات على الصناعة الوطنية وتأثيرها السلبي عليها. ويشدد على ضرورة عدم التعامل مع المنتجات المستوردة التي لها بديل من المنتج المحلي, حتى لو كان أعلى في الأسعار بنسبة معينة. وأن يكون هناك تشجيع ودعم مباشر, من خلال إعطاء إنتاجنا الوطني أولوية مطلقة في المناقصات والمشتريات الحكومية, وألا نضع القيود والشروط التعجيزية أمامه. مشيرا إلى أنه في أحيان كثيرة تكون المنتجات المستوردة التي تفوز بالمناقصات غير مطابقة للمواصفات والمقاييس والجودة, نظرا لأن المتخصصين في المشتريات الحكومية غير أكفاء ولا يستطيعون التمييز بين المنتج الجيد وغير الجيد. ويدعو أبو العزم إلى ضرورة العمل على تذليل كافة المشكلات والصعوبات التي تواجه القطاع الصناعي, ومن أهمها على سبيل المثال الصعوبات المالية الناتجة عن عدم كفاية التمويل المناسب لمنشآت القطاع الصناعي الخاص وبشروط ميسرة, وعدم كفاية الحوافز الاستثمارية المقدمة لوحدات هذا القطاع, إضافة إلى الصعوبات التي تتعلق بمنافسة المنتجات الأجنبية للمحلية. ويضيف أن تنمية القطاع الصناعي بالدولة تتطلب كذلك تشجيع القطاع الخاص للدخول باستثماراته إلى الصناعة بمختلف مجالاتها, على اعتبار أنه الأكثر قدرة على دعم الاقتصاد الوطني والعمود الفقري له. وفي هذا الصدد لابد من قيام الجهات المعنية بإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات الصناعية, وتذليل المعوقات الخاصة بقيام المشروعات. ويقول إن الصناعة في الإمارات ودول مجلس التعاون لاتزال وليدة وتحتاج بالتالي إلى الدعم أمام منافسة السلع الأجنبية, مثل رفع الرسوم الجمركية على السلع المماثلة حتى تكون هناك قيود أمام دخولها إلى أسواق الدولة. إضافة إلى ذلك يجب أن تعطى الأفضلية للمنتجات الوطنية, حتى وإن كانت أسعارها أعلى بما نسبته 10% عن أسعار السلع والمنتجات المثيلة. ويقول إننا في حاجة حقيقية إلى إقامة العديد من الصناعات الغائبة, مما يقلل من الاعتماد على الواردات ويحقق نموا في العلاقات التشابكية في القطاع الصناعي وزيادة القيمة المضافة. مشيرا إلى أن هناك العديد من تلك الصناعات التي يجب أن نتوجه إليها, ومنها الصناعات الهندسية التي تساند الصناعات الأساسية, والمنتجات البلاستيكية والمعدنية, وسبائك الألمنيوم المتخصصة, والصناعة الإليكترونية, إضافة إلى بعض الصناعات الغذائية. تحقيق: عبدالرحمن اسماعيل، ممدوح عبدالحميد