إن ما حدث في مؤتمر سياتل قبل فترة وجيزة, وما حدث في مؤتمر دافوس قبل عدة أيام من وجود مظاهرات وصخب مناهض للعولمة يبرهن لنا بالدليل القاطع تباين وجهات النظر حول مفهوم العولمة لدى الجماهير, فكل انسان يفهم العولمة انطلاقا من بعد قاعدته الثقافية والتخصصية ومبدأه الذي يؤمن به في الحياة, وذلك في ظل غياب مفهوم موحد للعولمة . ونظرا لعمومية العولمة وشموليتها حيث انها أصبحت أمرا واقعا حتميا تعيشه كافة شعوب العالم وهو شمولي, أي شاملا لكل جوانب الحياة وأبعادها, أي بمعنى آخر انه يشمل الاقتصاد والسياسة والادارة والعلوم والتكنولوجيا والجوانب الثقافية والاجتماعية والقيمية والمبدئية والتربية والتعليم وغيرها من جوانب الحياة المتعددة, واذا رجعنا الى أسباب واقعية العولمة وحتميتها سوف نجدها سببا رئيسيا واحدا وهو التطور التكنولوجي السريع والمذهل الذي يعيشه العالم اليوم والذي يجر اليه تطور ونمو العقل البشري, أما الاسباب المدعمة لذلك والتي نجمت عنه بالأساس فهي انهيار دول الكتلة الشرقية التي برهنت للعالم بالدليل القاطع ان سياسة الانغلاق والتي هي ضد العولمة لا يمكن فرضها على الشعوب في عالم اليوم. ومن الأسباب المدعمة كذلك تطور البحث العلمي في كافة دول العالم والذي هو الدعامة الرئيسية للنمو والتطور الاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق نجد ان هذه الأسباب دعت بالطبع الى اتباع سياسة الانفتاح (أي العولمة). والانفتاح لا يكون فقط عن طريق منظمة التجارة العالمية التي تتبنى ذلك وتدعمه ولكنه أمر واقع أصبحت تعيشه أغلب شعوب العالم اليوم. لذا فإنه كبعد اقتصادي للعولمة يفسر المختصين زيادة الطاقة الانتاجية للآلة وميلاد دول صناعية جديدة أديا الى امكانية زيادة العرض (أي مرونة العرض) بدرجة كبيرة جدا والمنافسة الشديدة الى درجة عجز الطلب العالمي على السلع والخدمات وكافة أنواع المنتجات (السلع والخدمات والانتاج الأدبي والفكري والفني والقيمي الاجتماعي وغير ذلك) عجز الطلب العالمي عن استيعاب العرض العالمي. ان هذه الظاهرة قد تخلق نوعا من الفوضى والمنافسة غير الشريفة والحروب الاقتصادية والتجارية الحقيقية اذا لم يتم تنظيمها بالفعل من قبل منظمات دولية كمنظمة التجارة العالمية. وهانحن نعيش تلك الحروب الاقتصادية. وذلك النوع من المنافسة الذي تفوح رائحة آثاره السلبية اعلاميا من حين الى آخر. من هنا نرى ان الاقتصاديين قد يكونون أكثر الناس ايمانا بفكرة العولمة وأهميتها. وتبقى أخطار العولمة وسلبياتها عديدة كذلك وشاملة لكل جوانب الحياة ايضا, بيد انها تزداد في الجانب السياسي وجوانب المبادىء والقيم الاجتماعية. أما سلبياتها في الجوانب الاقتصادية, فإنها تتمثل في الخوف من التبعية الاقتصادية. وهذا الخوف قد يكون له مبررات منطقية اذا لم تعد الدول النامية عدتها جيدا لمواجهة العولمة. ولكنه من جانب آخر قد يكون خوفا وهميا, حيث ان العولمة قد تؤدي الى غياب نظرية مركز الجاذبية والقطب المهيمن وذلك بظهور دول صناعية جديدة تستفيد من فكرة العولمة والانفتاح وتستغلها لصالحها, وهاهو النموذج الشرق آسيوي خير دليل على ذلك, حيث ان انفتاح اليابان على الدول المجاورة وانفتاحها هي الأخرى الى اليابان هو الذي خلق من تلك الدول الصغيرة عمالقة الصناعة في العالم حتى ولو كانت مقلدة في البداية. فالعولمة ليست ماردا أو مبدأ سيئا نخشاه ولكنها أمر واقع لابد من التعامل معه والتكيف معه واعداد العدة له بشكل جيد, وكل دولة مهما صغرت قد تتاح لها الفرصة لكي تكبر وتنمو في ظل العولمة اذا ما أعدت لذلك عدته.. فلماذا إذن ذلك التشاؤم المبالغ فيه ضد العولمة؟!