أكد عبدالله جمعة السري رئيس مجلس ادارة شركة فال للبترول المحدودة ومقرها الشارقة عن اعتقاده بأن حالة الهدوء التي تشهدها الاسواق حاليا ما هي الا نتاج طبيعي لمجموعة عوامل داخلية وخارجية. وتوقع السري ان العام الحالي سيبقى من السنوات العجاف التي تشهد تراجعا في الانفاق الاستهلاكي وضغوطا شديدة على الاسواق المحلية, وعزا أسباب ذلك الى ارتفاع أسعار البترول التي ستؤدي تلقائيا الى ارتفاع أسعار السلع والمنتجات. وعبر السري عن استغرابه من قيام شركات مساهمة اجتذبت قدرا هائلا من السيولة النقدية دون ان يكون لديها تصور مسبق عن نوعية المشروعات التي تنوي تنفيذها. وناشد السري الجهات الحكومية بالاهتمام بما ينشر في وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية من آراء ومقترحات اقتصادية, مشيرا الى ان تلك الآراء تأتي من فعاليات اقتصادية واكاديمية لها مكانة مرموقة داخل الدولة ويشهد لها بالكفاءة وحسن البصيرة وسعة الأفق. وتناول السري ما ينشر في بعض وسائل الاعلام بين الفينة والأخرى من تقارير تعتمد الاثارة ولا تهدف الى خدمة قضية معينة, مطالبا الاجهزة الاعلامية بتحري الدقة في ما تنقل من اخبار وتقارير, مؤكدا ان الاعلام هو الأداة التي يستهدي بها الناس في متابعة المستجدات والمتغيرات المحلية والاقليمية والدولية. وثبت رئيس مجلس ادارة فال رأيا معارضا لفتح الباب أمام الاستثمارات الاجنبية, مبديا قلقا واضحا من احتمالات هيمنة هذه الاستثمارات التي قد تتدفق من مؤسسات اجنبية عملاقة على مختلف القطاعات الاقتصادية في الدولة, مؤكدا في الوقت ذاته موقفا معارضا لاجراء أي تعديلات على القوانين التجارية التي وضعت في الأصل لحماية المستثمرين المواطنين. ودعا السري الى تدخل حكومي محدود ومنظم في أسواق الاسهم لبث الروح في هذه السوق واشاعة الثقة وسط المستثمرين خاصة الصغار منهم والذين فقدوا أموالا ضخمة لا يمكن لهم ان يعوضوها الا من خلال هذا التدخل. وفيما يتعلق بتحويل الشركات العائلية الى شركات مساهمة, عبّر السري عن اعتقاده بأن الشركات العائلية ظلت تساهم بايجابية في دورة الاقتصاد الوطني, لذا لا يرى أية ضرورة لتحولها الى شركات مساهمة, الا اذا كانت هناك نظرة ضيقة تستهدف تحقيق الربح أو توقعات بتطورها مستقبلا, وهو أمر غير مضمون. وأشاد السري بالجهود المقدرة التي تبذلها المعاهد والكليات في اعداد أجيال جديدة قادرة على قيادة العمل الاقتصادي سواء في المجالات التجارية أو الصناعية أو قطاع الخدمات بشكل عام. ووصف السري العولمة بأنها توجه جديد على اقتصادات الدول وقارنها بشركة الهند الشرقية التي كانت تدير وتمتص اقتصاد الهند كنوع من الهيمنة الاقتصادية بدلا من الهيمنة المباشرة باستخدام القوة, مشددا على ضرورة تكافؤ الفرص والنظر الى السياسات التي تروج لها العولمة من خلال علاقتها بمصالحنا الاقتصادية, فهي إن كانت ضدنا فلسنا معها. * الهدوء الذي تشهده الأسواق حاليا, هل هو حالة مؤقتة أم مقدمة لتراجع كبير؟ وما هي الأسباب في اعتقادكم وكيف سيكون المخرج في الحالتين؟ ـ لا أحب ان أتحدث عن هدوء أو غير هدوء لأن ما تشهده الاسواق حاليا هو نتاج طبيعي لأوضاع عامة منها ما خسرته سوق الأسهم في العام 1998 وامتصاص قدر كبير من السيولة النقدية, وانشاء بعض الشركات الضخمة في مناطق معينة والزخم الذي شهده قطاع الانشاءات على حساب بعض المشروعات الاخرى. ورافق كل ذلك احجام عن الانفاق نظرا لتدني اسعار النفط, كل هذا أدى الى ايجاد وضع سلبي عن الاسواق. ومن الطبيعي ان يحجم المستهلكون عن الانفاق في حالات الهدوء تخوفا مما يحمله المستقبل. علاوة على ذلك شهدت أسعار البترول ارتفاعا كبيرا في النصف الثاني من العام 1999, وارتفاع أسعار البترول ظاهرة ايجابية بالنسبة للحكومات, إلا أنه ينعكس بالسلب على الانفاق الاستهلاكي إذ يرافقه عادة ارتفاع في أسعار كل شيء بدءا من بطاقات السفر برا وبحراً وجواً والمنتجات التي يدخل البترول في تصنيعها, وعندما تطرح هذه المنتجات في الأسواق تكون أسعارها مرتفعة, فحجم المستهلكون عن شرائها وهذا ينطبق على دول الخليج بشكل عام والامارات على نحو خاص, وستكون هناك عدم قدرة واضحة عن مجاراة أسعار كل المنتجات من سيارات وتلفزيونات وملابس وغيرها وسيضعف ذلك القوة الشرائية وسيؤثر سلبا على التدفقات النقدية. ويعد كل ذلك الأسواق والشركات إما لمواجهة الصعاب وتحمل العمل في هذه الظروف أو الإفلاس والهروب من السوق. والخلاصة هي انه وعلى الرغم من الوضع الايجابي الذي رافق ارتفاع أسعار البترول, إلا أنني استطيع أن أقول ان العام 2000 سيكون من السنوات العجاف وسيستمر الركود, إلا أن الجميع وبعد عام 2000 سيبدأون البحث عن فرص استثمارية جديدة. * تدنت أسعار الأسهم بعد طفرة مفاجئة, البعض يطالب بدور حكومي لانعاش سوق الأسهم من خلال عمليات الشراء, هل هذا التدخل مطلوب حقاً؟ ـ نعم أنا مع تدخل حكومي منظم, لأنه من واجب الجهات الرسمية أن توازن الأمور موازنة معقولة, وهناك تجارب سابقة في هذا المجال مثلما تم القيام به عندما تقرر رفع المعاناة عندما تدنت أسعار العقارات, ويمكن لهذا التدخل أن يتخذ شكل أدوات استثمارية لدعم أسعار الأسهم, شريطة عدم الاندفاع بقوة في هذا المجال حتى يتم تعويض الناس, خاصة صغار المستثمرين, وهكذا ترى أن هناك ضرورة لتدخل حكومي منظم لحماية وتعويض صغار المستثمرين. * سحبت الشركات المساهمة التي طرحت أسهمها للاكتتاب العام سيولة هائلة من السوق, أين ذهبت هذه الأموال, هل هذه الشركات مسئولة عما حدث في سوق الأسهم؟ ـ استطيع أن أؤكد أن الأموال موجودة لدى عدد من البنوك, إلا أن تلك ليست المشكلة, أنا أستغرب الإعلان عن قيام شركات استثمارية لا تتوافر لها دراسات جدوى اقتصادية مسبقا, أي تقوم الشركة ثم تفكر بعد ذلك في المشروعات التي تنفذها مستقبلاً. لهذا يجب أن تتم مستقبلاً دراسة المشروعات جيداً وقبل اطلاق الشركة, وهذا شيء طبيعي ومن أساسيات العمل التجاري, وبعد أن يتم تحديد المشروعات تخطو الشركة خطواتها الأولى لتنفيذ المشروع إلى أن تقف على قدميها ثم تساهم في الاقتصاد, وتنميته بشكل أو بآخر. ان عملية التفكير في جمع رؤوس الأموال ثم التفكير في المشروعات في مرحلة لاحقة, أمر غريب يتعارض مع المفاهيم والسياسات الاقتصادية وبالتالي لا ضرورة له. * يدور جدل مطول حول تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة, هل هذا هو المطلوب وهل يفيد السوق المحلية؟ ـ ظل هذا السؤال يشغل الساحة الاقتصادية منذ عدة سنوات, ولست أرى أية ضرورة لتحويل الشركات العائلية الناجحة والتي تساهم بإيجابية في دورة الاقتصاد الوطني الى شركات مساهمة, إلا إن كان ذلك من أجل نظرة ضيقة لتحقيق الربح أو لتوقعات بتطورها وتوسع أعمالها مستقبلاً, وبطبيعة الحال فهذا أمر غير مضمون. أنا مع استمرار الشركات العائلية ولا أرى أي سبب لتحويلها الى مساهمة لعدة أسباب, لعل من أهمها سرعة اتخاذ القرارات التي تميز العائلية عن المساهمة, الأمر الذي يعطيها ميزة ايجابية اضافية, ولكن هذا لا يمنع تحويل الشركات العائلية الى شركات مساهمة إذاكان ذلك سيؤدي الى تطوير نشاطاتها وخدمة الغرض من التمويل بشكل واسع. ونحن في شركة فال للبترول لا نفكر في ذلك الآن, لكن إن كانت ستتحول إلى شركة عملاقة ذات باع طويلة فليكن. * هناك دعوات لسن قانون للاستثمار الأجنبي, هل تؤيدون فكرة جذب الاستثمارات الأجنبية؟ ـ إن كانت هذه الدعوات تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية بشكل عام, فلماذا لا نبدأ بدول مجلس التعاون, وهناك الكثير الذي يجمع بيننا في تجانس في الطباع والخلفيات والتوجهات الاقتصادية وتجمع بيننا كثير من المنظمات والمواثيق, والأبواب مفتوحة بيننا وبين دول المجلس. هناك نقطة مهمة ينبغي عدم إغفالها وهي ضرورة حماية أنفسنا من هذه الهجمة العالمية التي تقودها منظمة التجارة العالمية, وإذا كانت هذه المنظمة تدعو لتكافؤ في الفرص فمرحبا بها, أما إذا كانت وسيلة جديدة لنهب مواردنا ومقدراتنا فهي مرفوضة تماماً. إن فتح المجال أمام رؤوس الأموال الأجنبية قد يؤدي الى استغلال الأسواق, ونحن عندما نتحدث عن قوانين وتشريعات, فإنما نتحدث عن أدوات لتقنين واقع معين وترتيب الأوضاع وتنظيمها في اطار ذلك الواقع, وأنا مع تحديث القوانين وسن تشريعات اقتصادية جديدة في اليوم الذي نشعر فيه بأن اقتصادنا غير مهدد ولا خوف عليه, وإن كان الأمر كذلك دعونا نبدأ بدول الخليج أولا ثم العالم العربي لأن هناك قواسم مشتركة تجمع بيننا واقتصاداتنا متشابهة وبلداننا صغيرة وكذلك مؤسساتنا التي لا تتحمل كل هذه السياسات الجديدة التي تروج لها العولمة. والعولمة في حقيقتها هي توجه عصري نحو الهيمنة الاقتصادية, وقديما كانت هناك شركة الهند الشرقية مثلاً, وكانت هناك الدبابات والقوة العسكرية, ولأن كل ذلك ذهب إلى التاريخ ظهرت مفاهيم هيمنة اقتصادية عصرية. وان كانت العولمة تعمل على تكافؤ الفرص فنحن معها, أما إن كانت ضدنا فبطبيعة الحال نحن لسنا معها. * كيف يمكن لمختلف الفعاليات الوطنية, خاصة الأكاديميين ورجال الاقتصاد أن تسهم في تطوير العملية الاقتصادية؟ - لكثير من الفعاليات التي أشرت إليها اسهامات مقدرة نطلع عليها من خلال وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. وهي إسهامات تجيء في شخصيات تتسم بنفاذ البصيرة والحكمة وتحمل آراء ذات قيمة عالية. إننا نأمل ان يطلع أصحاب القرار ومن يهمه الشأن الاقتصادي على هذه الآراء والتمعن فيها بالدراسة والتحليل للاستفادة منها في رسم ملامح واقع اقتصادي مشرق نتطلع إليه جميعنا. ونحمد الله كثيرا اننا نستنير بقادة الدولة وبالقدوة ورعايتهم المتواصلة لكل المشروعات التي تساعد على تنمية الاقتصاد الوطني وتحرك المسارات التي تضع الدولة على خارطة المستقبل. ومن جهة أخرى لابد من وقفة أمام ما تبذله المعاهد والكليات والجامعات من جهود تصب في خانة بناء أجيال المستقبل من قادة العمل في التجارة والصناعة والخدمات بشكل عام. ونتمنى أن تعمل وسائل الاعلام على تحري الدقة والموضوعية وتبتعد عن الاثارة لان ذلك سيساهم في خلق حالة قريبة من الواقع لا تشويش ولا ارباك فيها. * كيف تنظر إلى مستقبل اقتصاد الدولة؟ - أنظر إلى المستقبل نظرة مليئة بالتفاؤل تدفعني في ذلك مجموعة من العوامل منها الأجيال الجديدة المسلحة بالعلم والتي يتوجب علينا تغذيتها بالخبرات والتجارب التي راكمناها كل في مجال نشاطه, والاقتصاد الذي يقوم على أسس مدروسة جعلتنا نحتل موقعا جيدا في المنطقة. والتفاؤل وحده لا يكفي بطبيعة الحال فلا بد من الأناة وعدم التعجل والتهور, ويكفينا ما مر بنا من تجارب مريرة في أسواق الأسهم والعقارات, ولا بد من اعداد كل الوسائل التي تساعد على التقدم الاقتصادي, بما في ذلك الاستفادة من تجارب الدول الأخرى. * ما الذي جعلكم تختارون العمل في مجال صناعة النفط, وهي صناعة تكاد تقتصر على الحكومات؟ - لم نختر هذا المجال اختيارا عشوائيا, وفي حقيقة الأمر هو مواصلة لبدايات صغيرة يتجاوز عمرها الواحد والثلاثين عاما, وطورناها قليلا قليلا حتى أوصلناها إلى هذه المرحلة. ولا خلاف على ان صناعة النفط تتطلب وجود رؤوس أموال كبيرة, إلا ان لدينا من الموارد والمؤهلات والخبرات ما يمكننا من العمل في هذه الصناعة. إن هذه الصناعة الحيوية تكاد تكون حكرا على الحكومات فقط في دول الخليج وعدد قليل من الدول المجاورة, إلا اننا لو نظرنا إلى خارج هذه المنطقة سنجد ان الشركات التجارية هي التي تنشط في هذا المجال وليس الحكومات, خاصة في الغرب حيث يكاد دور الحكومة أن يكون غائبا تماما. إننا نعمل في تجارة ونقل وتخزين البترول منذ فترة ليست بالقصيرة, كما نؤمن بالصناعة ونثق بأن المستقبل لها. إن على الدولة ودول الخليج أن تتهيأ للمستقبل بالصناعة وتحاول قدر الامكان ربطها بإدارة الجودة الشاملة والنوعية الممتازة وان تضع ذلك ضمن حساباتها للمستقبل. إن علينا أن نطور من قدراتنا التنافسية ليس في الأسعار فقط, ولكن في النوعية الجيدة, ولهذا لابد لنا من أن نحسب حساب المستقبل لان التاريخ سيذكر ذلك بشكل من الأشكال. * وماذا عن مشروع مصفاة تكرير النفط بالمنطقة الحرة بالحمرية؟ - أستطيع أن أؤكد لك ان العمل في مشروع المصفاة يسير بصورة حسنة, وهو من المشروعات الكبيرة التي تتوحد فيها القدرات المالية والخبرات الفنية. ونحن نمول هذا المشروع, أما الجوانب الفنية فتتولاها شركات أجنبية. ونخطط الآن لتشغيل المرحلة الأولى من المشروع بطاقة استيعابية مقدارها 20 ألف برميل في اليوم. وسيتم ذلك في وقت قريب. وسوف ننتقل بعد ذلك إلى انجاز المرحلتين المتبقيتين حتى تصل المصفاة إلى طاقتها القصوى وهي 75 ألف برميل في اليوم. وعمليات تكرير البترول تعتمد على عدة عوامل منها نوعية النفط وكثافته. والمصفاة مصممة لانتاج وقود السيارات ووقود الطائرات وغاز البترول المسال والديزل والكيروسين وبعض المشتقات النفطية الأخرى. ونخطط في الوقت نفسه لاقامة شبكة من محطات توزيع الوقود وتطوير قدرتنا على النقل والتخزين والتوزيع. وكل ذلك يرتبط بالفرص التي سنحصل عليها لان طموحنا في هذا المجال لا تحده حدود. * وماذا عن المشروعات الجديدة؟ - لدينا العديد من المشروعات الجديدة, إلا اننا شرعنا منذ فترة في اقامة مصنع لزيوت السيارات يعمل بطاقة انتاجية تبلغ 90 ألف طن. وسيكلف المصنع الجديد الذي سيقوم بانتاج زيوت السيارات إلى جانب زيوت محولات الكهرباء والشحوم نحو 70 مليون درهم. والمصنع مجهز بأحدث التقنيات لانتاج زيوت وشحوم بمواصفات عالمية سيتم طرحها في الأسواق المحلية والمجاورة. كتب مأمون الباقر