الانخفاض القياسي لليورو الأوروبي مقابل الدولار الامريكي بات حديث الاوساط الاقتصادية والمصرفية بل والسياسية ليس فقط في دول المجموعة الاوروبية, بل في جميع انحاء العالم. وبدأت الشكوك تساور الكثيرين ممن تبنوا فكرة صعود اليورو ليحتل مكان الدولار كعملة عالمية فاذا به يهوىي بعد اقل من سنة على اطلاقه رسميا الى ما دون مستوى الدولار ليسجل قرابة 20 نقطة من الانخفاض. ماذا يقول خبراء الاقتصاد ورجال المال والاعمال وما هو تقييمهم لهذا الانخفاض واسبابه ونتائجه؟ والأهم من ذلك ماهي انعكاسات هذا الانخفاض على اقتصادنا الوطني وتحديدا على حركة الصادرات والواردات مع المجموعة الأوروبية باعتبارها شريكا اقتصاديا مهما لنا؟ البيان استطلعت آراء فعالياتنا الاقتصادية والتجارية حول هذه القضية. كما استطلعت آراء الخبراء الاقتصاديين والمصرفيين. واجمعت الفعاليات على ان هذا الانخفاض القياسي للعملة الاوروبية له تأثيرات واسعة على التبادل التجاري بين الجانبين حيث سيعمل على زيادة الواردات من الجانب الاوروبي نظرا لأن انخفاض العملة يدعم الصادرات الاوروبية. كما ان هذا الانخفاض ستكون له تأثيرات على صادراتنا الى الجانب الأوروبي حيث سيزيد التكلفة التسويقية والاعباء الاقتصادية على سلعنا التصدير وفي مقدمتها الالمنيوم الخام الذي تنتجه شركة دوبي للالمنيوم (دوبال) والذي يعاني اصلا من الضريبة الظالمة التي يفرضها الاتحاد الاوروبي على صادراتنا. وفي حين اعرب التجار وممثلو الشركات التجارية عن دهشتهم لهذا الانخفاض المفاجئ وغير المتوقع لليورو, اكد خبراء اقتصاديون توقعهم لهذا الانخفاض نظرا لأن السعر الذي تحدد للعملة الاوروبية عند اطلاقها كان مرتفعا ومبالغا فيه اذا ما قارنا قوة الاقتصاد الاوروبي بالاقتصاد الامريكي آخذين بعين الاعتبار ان العملة ماهي الا انعكاس لقوة الاقتصاد. وأرجع هؤلاء الانخفاض في العملة الأوروبية إلى هذا السبب وبالتالي فهو انخفاض طبيعي وليس نتيجة مضاربات. هذا في حين أعرب ممثلو الشركات التجارية عن سعادتهم بالانخفاض نظرا لأنه يدعم طلبياتهم من المعدات والواردات الأوروبية مؤكدين ان اليورو بدأ استخدامه على نطاق واسع في حركة التبادل التجاري. تعامل ضعيف خالد بوحميد مدير الشئون الحكومية الاستراتيجية بدائرة التنمية الاقتصادية بدبي ورئيس فريق العمل المكلف بملف ضريبة الألمنيوم التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على صادراتنا من الألمنيوم الخام, كان طبيعيا ان نتوجه إليه لنعرف رأيه في هذا الموضوع خاصة وان الألمنيوم الخام يشكل أحد أهم صادراتنا إلى الاتحاد الأوروبي, رغم انه آثر عدم الحديث في الجوانب المالية, إلا انه بصفة عامة ان دولة الامارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج كلها لا يزال تعاملها بالدولار هو الأقوى وبالتالي فإن تأثرها بسعر اليورو سيكون ضعيفا. وأكد بوحميد ان انخفاض قيمة أي عملة لا شك له تأثير كبير على الصادرات والواردات وحركة التبادل التجاري مع كافة الدول الأخرى, فهذا الانخفاض بدون شك سيدعم الصادرات الأوروبية ويعطيها ميزة تنافسية عالية في الأسواق العالمية, ومن بينها سوق المنطقة باعتبارها شريكا تجاريا مهما. 19 مليارا سنويا وألقى خالد بوحميد بالمسئولية على الاتحاد الأوروبي في قلة وضعف تعامل الدول بالعملة الأوروبية واعتمادها على الدولار الأمريكي في تعاقداتها الخارجية, وقال ان المجموعة الأوروبية بتعنتها مع دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بضريبة الـ 6% التي تفرضها ظلما على صادرات الألمنيوم الخام الخليجية إلى الأسواق الأوروبية فإنها تضر عملتها الموحدة بطريق غير مباشر فهي بذلك تسيء إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الجانبين وتنظر إلى المصالح والمكاسب المؤقتة دون نظر إلى المصالح الكبرى والمكاسب الأكبر من خلال اقامة شراكات اقتصادية وعلاقات جيدة. وقال بوحميد ان منافسة اليورو للدولار في منطقتنا ستكون عملية صعبة جدا, ومن غير صالح اليورو طالما استمر هذا التفتت الأوروبي وعدم الجدية في اقامة علاقات متوازنة رغم ان المجموعة الأوروبية تحقق دخلا قدره 19 مليار دولار سنويا من خلال التبادل التجاري معنا الذي يميل لصالحنا في شكل صادرات أوروبية. وقال خالد بوحميد ان الاتحاد الأوروبي يطالب دولنا بتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط وحده كسلعة رئيسية واقامة صناعات بديلة, وعندما تحاول ذلك يبدأ بوضع العراقيل ويناقض نفسه. انخفاض طبيعي أما الخبير الاقتصادي د. عبدالله الملا رئيس مركز الخليج للدراسات فقد أكد في تحليل دقيق لانخفاض العملة الأوروبية ان هذا الانخفاض يرجع أساسا إلى ان اليورو عند طرحه كعملة موحدة لدول المجموعة الأوروبية قبل عام قد طرح بسعر مرتفع ومبالغ فيه, وعندما بدأ التعامل الرسمي به بدأ ينخفض تدريجيا مقابل الدولار الأمريكي حتى يصل إلى مستوياته الطبيعية كعملة تعكس قوة الاقتصاد الأوروبي في مواجهة الدولار الذي يعكس قوة الاقتصاد الامريكي وبالتالي فان هذا الانخفاض طبيعي وليس نتيجة مضاربات وهو امر في غاية الاهمية لان الانخفاض نتيجة للمضاربات تكون له اثار شديدة الخطورة. واشار د. الملا الى ان السبب الرئيسي وراء هذه الضجة هو ان الانخفاض كان كبيرا وفقد اليورو قرابة 20 نقطة تقريبا وهو انخفاض كبير ولعل هذا هو السبب الرئيسي ايضا في ان البنك المركزي الاوروبي قد طرح اكثر من مرة فكرة التدخل لصالح اليورو ولكنه لايزال مترددا لان التدخل لايكون الا عند حدوث ما يشبه الازمة المالية او ان يكون السبب هو المضاربات كما اشرنا وهذا غير صحيح. دعم للصادرات الاوروبية واكد د. عبدالله الملا ان انخفاض اليورو مقابل الدولار يأتي في صالح الصادرات الاوروبية تماما كما حدث عند انخفاض الدولار مقابل الين الياباني فاستفادت الصادرات الامريكية من هذا الامر لدرجة ان البعض طرح علينا فكرة ان هذا الانخفاض متعمد من جانب امريكا لانه ساعد في فتح اسواق جديدة للمنتجات الامريكية في مواجهة الصناعات اليابانية. وحول مدى تأثر حركة التجارة عندنا بانخفاض العملة الاوروبية, قال د. عبدالله الملا ان انخفاض اليورو مقابل الدولار يعني انخفاضه ايضا امام العملات الاخرى وبخاصة العملات المرتبطة بالدولار وهذا سيكون في صالح وارداتنا من دول المجموعة الاوروبية ولكن على الجانب الآخر لاشك ان صادراتنا سواء النفطية او البتروكيماوية او الالمنيوم وجميعها تسعر بالدولار فان هذا يرفع تكلفة هذه السلع التصديرية ولكن اذا اخذنا بعين الاعتبار ان الميزان التجاري هو غالبا لصالح اوروبا بمعنى ان الوارادات اكثر من الصادرات فان هذا في النهاية يعني ان الانخفاض يمكن ان يكون مفيدا لنا. عملة عالمية وحول ما اذا كان هذا الانخفاض سيؤثر على العملة الاوروبية التي كان البعض يتوقع ان تكون منافسا قويا للعملة الاوروبية وستحل مكان الدولار كعملة عالمية اولى, قال د. الملا ان انخفاض او ارتفاع قيمة العملة امر وارد في اي وقت والعملات تمر بموجات مستمرة من الانخفاض والارتفاع وهذا لايعني انه لم يعد عملة عالمية اساسية بل انه سوف يظل عملة اساسية لانه يمثل كتلة اقتصادية هائلة. والعملة ترتكز على الاقتصاد الوطني فما بالك بعملة ترتكز على اقتصاد 11 دولة وهناك اربع دول اخرى يمكن ان تنضم للاتحاد الاوروبي, وكما حدث مع الين عندما ارتفع امام الدولار الامريكي رأينا كيف ان الحكومة اليابانية بذلت جهودا لكبح جماح الين. فاحيانا يكون ارتفاع قيمة العملة اكثر ضررا للدولة ويكون له اثار سلبية خاصة اذا كان ذلك نتيجة مضاربات وليس انعكاسا لقوة الاقتصاد. فوائد كثيرة اما على صعيد الشركات العاملة بالدولة والتي تتعامل مع السوق الاوروبية, فقد أكد منذر السعدي من شركة سيمنز الالمانية بدبي فأكد ان انخفاض العملة الاوروبية سيفيد الشركات التي تستورد من اوروبا وان الشركة تستورد من المانيا العديد من المعدات بالعملة الاوروبية من خلال مناقصات وبالتالي فانها تستفيد من هذا الانخفاض. وحول مدى استخدام اليورو في التبادل التجاري, قال منذر السعدي أنه بات يستخدم بشكل واسع وان العديد من الشركات لها حسابات بالعملة الاوروبية الى جانب العملات الوطنية لدول المجموعة الاوروبية, ولكنه اشار الى ان التعامل بالعملة الاوروبية يتوقف على طلب الجهات المصدرة ولهذا فان المستورد دائما يكون مستعدا لأية احتمالات ولهذا يكون له حساب باليورو. ماذا يقول المصرفيون؟ يشير خبراء مصرفيون ورجال اعمال الى ضرورة الاستفادة من المستويات المنخفضة لسعر صرف اليورو. واعتبر عدة خبراء ان الوقت الامثل لاستيراد السلع الاوروبية هو الوقت الحالي بسبب انخفاض اسعارها لانخفاض اليورو. كما اعتبروا ان استيراد السلع الاوروبية باسعار منخفضة سيساهم في تنشيط عمليات اعادة التصدير من الدولة الى دول جنوب وشرق اسيا. وجهة نظر الخبراء مبنية على اساس انه بمقدور التجار استيراد السلع الاوروبية باسعار تنافسية واعادة تصديرها باسعار منافسة لاسيما وان هامش الربح قد ارتفع. وبحسب المصرفيين فان ما يزيد عن 60% من التجار الذين تربطهم صلات تجارية مع اوروبا لديهم حسابات باليورو ويقومون باجراء معاملاتهم المصرفية بعملة اليورو. ويعكس ضعف اليورو ضعف الاقتصاديات الاوروبية في المرحلة الراهنة تقابلها قوة غير اعتيادية للاقتصاد الامريكي مضاف اليها احتمالات رفع اسعار الفائدة على الودائع في الولايات المتحدة الامر الذي سيزيد الاقبال على شراء الدولار والتخلص من محافظ العملات الاوروبية واليورو. وما يزيد الوضع سوءا في اوروبا هو ارتفاع اسعار النفط الذي يباع بالعملة الامريكية الدولار مما يفي زيادة اسعار المشتقات النفطية في اوروبا ويعتبر بمثابة خطر يهدد بارتفاع معدلات التضخم. ومن العوامل الاخرى التي ساهمت بانخفاض معدلات اسعار صرف اليورو الى مستويات قياسية غير مسبوقة تصريحات رئيس وزراء بريطانيا حول عدم دخولها الاتحاد النقدي الاوروبي الا بشروط وضوابط. وقد ادت هذه التصريحات الى اضعاف اليورو في الوقت الذي حافظ فيه كل من الدولار والين على قوتهما. لكن توقعات الاقتصاديين تشير الى ان اليورو مرشح للارتفاع وخصوصا في النصف الثاني من العام الحالي. وكان اليورو قد انخفض الى 9956ر0 دولار مسجلا بذلك ادنى مستوى له على الاطلاق فيما ارتفع الدولار الامريكي الى اعلى مستوى مقابل الفرنك السويسري منذ عشر سنوات متجاوزا 1ر6150 فرنك. ارتفاع حجم التعاملات باليورو يقول سايمون ام بولفريمان مدير الخزينة لدى مكتب الادارة للشرق الاوسط بنك اتش اس بي سي. على الرغم من ان استجابة السوق المحلي لم تكن سريعة ازاء اليورو في بدايات طرحه عام 1999 الا ان البنك قد قام بالعديد من العمليات المصرفية لصالح عدة شركات محلية باليورو. ويؤكد بأن الربع الاخير من العام 99 قد شهد ارتفاعا ملموسا من قبل التجار والشركات لاتمام تعاملاتهم التجارية مع اوروبا باليورو. وكما اوضح فان هؤلاء التجار قد وجدوا ان اليورو اسهل في التعامل عوضا عن التعامل مع عدة عملات اوروبية. واعرب بولفريمان عن توقعاته بان يشهد العام الحالي المزيد من الاقبال على التعامل باليورو وذلك باعتبار البديل الاسهل للتعامل مع احدى عشرة عملة اوروبية مختلفة. انتعاش اعادة الصادرات ويقول جيه باتسيا من دائرة العملات الاجنبية لدى بنك دبي التجاري ان انخفاض اسعار اليورو له تأثيره الايجابي على التعامل التجاري مع اورويا بسبب انخفاض اسعار السلع الاوروبية مما يعطي حافزا جيدا لاستيراد من اوروبا ومن ثم اعادة تصدير هذه السلع مجددا. ويضيف باتسيا ان نسبة كبيرة من عملاء البنك قد شرعوا في استخدام اليورو وبخاصة لدى الاعتمادات المستندية واتمام التعاملات التجارية مع الدول الاوروبية. ويؤكد بان هذه النسبة في تزايد مستمر وخاصة مع ادراك التيار اهمية ومزايا التعامل بعملة اوروبية واحدة عوضا عن التعامل مع عدة عملات. وقال (اعتقد انه في غضون ستة أشهر من الآن سنرى ان معظم التجار ورجال الاعمال قد اعتمدوا اليورو في تعاملاتهم مع اوروبا) . ويضيف لقد تردد رجال الاعمال في بداية الامر في التعامل مع اليورو باعتباره عملة جديدة ومستقبلها غامض الا انهم بدأوا يدركون تدريجيا ضرورة التعامل باليورو والاستفادة من اسعار صرفه. وحول توقعاته ازاء سعر صرف اليورو اعرب باتيا عن توقعاته بان تشهد اسعار صرف اليورو ارتفاعا خلال النصف الثاني من العام الحالي. عدم ثقة المستثمرين من جانب يرى الخبير المالي سوفيت مترا لدى شركة بردونشال باش العالمية ان مواصلة انهيار اليورد جاءت نتيجة لعدم ثقة المستثمرين في وحدة اوروبا السياسية وبسبب غياب دعم المصارف المركزية الاوروبية لعملتها الموحدة. وما يؤكد ذلك هو عدم التعرض لمسألة ضعف اليورو خلال اجتماع الدول الصناعية السبع الذي عقد مؤخرا بالاضافة الى عدم ابداء المسئولين الاوربيين لاية مخاوف ازاء مواصلة اليورو لانهياره وكأنهم كانوا متعمدين تجاهل المسألة واعتبر المراقبون ان عدم الادلاء بأية تصريحات صحفية ازاء اليورو يعتبر سياسة اهمال من قبل المسئولين الاوروبيين الامر الذي اسفر عنه مواصلة تدهور اليورو. ويشير مترا في حديثه الى ان العامل الآخر الذي القى بظلاله على سوق العملات الاجنبية هو ارتفاع العائد على الموجودات بالدولار الامريكي وبخاصة في قطاع التكنولوجيا الذي تقوده الولايات المتحدة. ويضيف ان المعلومات الاقتصادية التي اعلنت مؤخرا حول ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي الامريكي بنسبة 5ر8% يعكس النمو الذي يحققه الاقتصاد الامريكي ويرى الخبير المالي ان السلع الامريكية اصبحت باهظة الثمن بسبب قوة اليورو في الوقت الذي اصبحت فيه السلع الاوروبية رخيصة. ويشدد مترا على اهمية الاستفادة من هذه المعدلات المخفضة لاسعار اليورو وبخاصة في التعاملات التجارية. تحقيق: عبدالفتاح فايد ـ سلام الشوا