منتجات وطنية عديدة تواجه خطر الإغراق, بداية من الألبان إلى الألمنيوم والأسمنت والزجاج هناك العديد من الصناعات التي تنظر إلى الخطر الآتي الذي يتهدد وجودها, في ضوء انفتاح الأسواق أكثر مما هي عليه الآن. طرحنا على عدد من رؤساء ومديري الشركات الوطنية تساؤلات عديدة حول مخاطر الإغراق التي تتعرض لها منتجاتهم, وأردنا التعرف على رؤيتهم لمواجهة هذا الخطر, للوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء انتشار واتساع ظاهرة الإغراق. * د. أحمد التيجاني, مدير عام شركة الروابي, أكبر شركات الألبان في الإمارات حيث تستحوذ على 38% من حجم سوق الألبان في الدولة, يقول إن سوق الألبان في الإمارات تشهد منذ سنوات عدة منافسة شرسة للغاية أدت إلى خفض أسعار الألبان, بسبب قيام الشركات الأجنبية بخفض أسعار منتجاتها في السوق المحلية بنحو 25%, الأمر الذي جعل المنافسة بينها وبين الشركات الوطنية غير منطقية. وتواجه صناعة الألبان في الإمارات تحديات عديدة بسبب الإغراق الآتي من منتجات الألبان السعودية, والتي تحظى بدعم كبير من حكومتها وتجد الفرصة مواتية أمامها للسيطرة على سوق الألبان في الإمارات, حيث تبيع شركات المراعي ونادك وقريبا شركة صافي منتجاتها في سوق الدولة بتكلفة السوق السعودية, وتدخل هنا بتكلفة التوزيع فقط. لذلك من الصعب علينا كمنتجات وطنية منافستها. وعلى سبيل المثال تصل تكلفة الغذاء لرأس البقر الواحد الذي يدر حليبا في السعودية إلى 600 درهم, في حين تصل التكلفة في الإمارات إلى 950 درهما, حيث يحصل المشروع في السعودية على الأعلاف والأبقار وبأسعار مدعومة, كما تعطى الأرض مجانا وتكلفة المحروقات والكهرباء أقل. ولذلك, كما يقول د. التيجاني, تضطر شركات الألبان الوطنية وعددها 22 شركة إلى التخلص من 30% من إنتاجها بسكبه في الصحراء للمحافظة على معدل خسائر منخفض, حيث يقدر حجم الإنتاج اليومي بنحو 240 ألف لتر يوميا. وفي المقابل تعجز منتجات الألبان الإماراتية عن دخول السوق السعودية لصعوبة الإجراءات عند المنافذ الحدودية. ونحن هنا نطالب بفتح أسواق الدول المجاورة مثلما تفتح أسواقنا أمام منتجاتها, كما أننا لا نطالب بحماية المنتجات بقدر ما نطلب فرصا متساوية, إذ ليس من المعقول أن تفتح أسواقنا على مصاريعها وتغرق بمنتجات منخفضة التكلفة وتتكبد منتجاتنا خسائر باهظة. ويضيف د. التيجاني أن دولة قطر اتخذت قرارا بحماية منتجات ألبانها المحلية من الإغراق, حيث يمنع دخول الألبان الطازجة من أية دولة مجاورة إلى الأسواق القطرية قبل الحادية عشرة بعدما يكون المنتج القطري قد وصل إلى جميع المستهلكين. كما حددت سلطنة عمان حصة لمنتجات الشركات الأجنبية لدخول السوق العمانية. وحسب مدير عام شركة الروابي فإن منتجي الألبان في الإمارات حاولوا طوال السنوات الماضية كشف حقيقة الإغراق الذي يتهدد صناعة الألبان المحلية, حيث أجروا اتصالات عدة مع المسئولين في جميع الجهات المعنية, منها وزارة الاقتصاد وغرف التجارة والأمانة العامة للبلديات. كما عقد منتجو الألبان اجتماعات عدة طالبوا فيها بضرورة المسارعة في إيجاد حلول لحماية السوق من الإغراق. ومن هذه الحلول أن يتم التوصل إلى صيغة معقولة ومقبولة لحماية المنتج المحلي بشكل لا يبدو فيه تدخلا مباشرا في السوق, خصوصا وأن عضوية الإمارات في منظمة التجارة العالمية واتفاقية الجات تعطي الحق للدول في حماية منتجاتها الوطنية من مخاطر إغراق المنتجات بالسلع الأجنبية. ويمكن أن يكون هناك تثبيت للأسعار لحماية الصناعة الوطنية وإلزام المنتج الأجنبي بالأسعار المحلية, وتحديد التخفيضات والعينات المجانية في أماكن البيع والشراء في محال السوبر ماركت. ويؤكد د. التيجاني أنه لابد من تدخل الحكومة, لأن البديل هو تعريض صناعة الألبان الوطنية للخطر, خصوصا وأنها تتضمن استثمارات بملايين الدراهم. وحسب دراسة لمصرف الإمارات الصناعي, فإنه منذ إنشاء أول مزرعة لإنتاج الحليب بالدولة في العام ,1979 وعلى الرغم من الصعوبات المناخية القاسية, فإن قطاع الحليب حقق معدلات نمو كبيرة. وأصبح الإنتاج المحلي من الألبان يتميز بالجودة العالية المطابقة للمواصفات العالمية المعترف بها دوليا في مجال الجودة والتعليب, إضافة إلى أن أسعار منتجات الألبان المحلية ظلت ثابتة طوال العقد الماضي مما أكسبها قدرة تنافسية كبيرة في الأسواق المحلية. غير أنه لوحظ في الآونة الأخيرة قيام شركات الألبان المستوردة بعمليات إغراق للأسواق المحلية, وذلك بإجراء تخفيضات لا تتناسب والتكلفة الحقيقية لمنتجات الحليب والألبان المستوردة, مما قد يضر بالانتاج المحلي من جهة وبالمستهلك الذي سيحصل على منتجات أقل جودة من جهة أخرى. ولقد اتخذت منظمة التجارة العالمية والعديد من بلدان العالم إجراءات للحد من عمليات الإغراق, وذلك حفاظا على مبدأ المنافسة الصحيحة وحماية للمستهلك, مما يتطلب قيام لجنة محلية مكونة من الجهات المعنية يناط بها اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف عمليات الإغراق, وبالأخص في مجال تسويق الحليب ومشتقاته, وذلك لتفادي الأضرار البالغة التي يمكن أن تلحق بالمنتجات المحلية وتسيء إلى سمعة مبدأ المنافسة والحرية التجارية التي تتميز بها أسواق الدولة, والتي اكتسبت بفضلها الأسواق المحلية سمعة عالمية مما عزز من دور الدولة في التجارة الإقليمية والعالمية. ومن المؤكد أن تضاعف الطلب على الحليب الطازج والذي يأتي نتيجة لازدياد عدد السكان وارتفاع مستوى المعيشة, سوف يؤدي إلى اشتداد حدة المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية عما هو عليه الآن, خصوصا وأنه إذا ما استمرت معدلات ارتفاع الطلب عند مستوياتها الحالية فإن حجم الطلب المحلي سوف يصل إلى 20 ألف طن العام ,2005 مما يفتح المجال أمام تطوير الإنتاج المحلي من الحليب ومشتقاته. * سيف سلطان سيف العواني, صاحب شركة الإمارات للمنتجات الحيوانية والزراعية المنتجة لحليب (الفجر) , يقول إن الدولة يوجد بها سبعة مصانع لإنتاج الألبان ومنتجاتها, منها العين والروابي والمرموم والفجيرة. وهذه الشركات مساهمة ذات طابع حكومي, لكن شركتنا هي الشركة الخاصة الوحيدة على مستوى الدولة وتأسست العام ,1979 ومن أوائل المصانع في الدولة وتعد الأكثر تأثرا وتضررا من ظاهرة الإغراق التي تعاني منها السوق. وقد بدأت المشكلة منذ العام 1987 ولكنها تفاقمت في الفترة الأخيرة بشكل لم يمكن السكوت عليه. ويضيف أنه منذ بداية العام 1987 كانت هناك فجوة بين الإنتاج المحلي والطلب عليه في السوق, ومع ظهور الشركات الكبيرة مثل الروابي والمرموم زادت الطاقة الإنتاجية وتم تضييق هذه الفجوة, وذلك منذ بداية التسعينات, بل وصل الأمر إلى أنه لم تعد هناك فجوة, والدليل على ذلك كميات الإنتاج الكبيرة لكل شركة وجودة المنتجات وحصول شركاتنا الوطنية على شهادة (الأيزو) . ويشير إلى أنه مع اتباع الدول المنتجة للألبان والمجاورة لنا لسياسة البيع بأقل من سعر التكلفة لديها, فقد أدى هذا بدوره إلى تراجع مبيعات الإنتاج المحلي لشركاتنا إلى أن وصل الأمر لإلحاق خسائر كبيرة بها, حيث انخفضت المبيعات بنسبة 40% في فصل الشتاء, وما بين 20% و30% في فصل الصيف, على الرغم من أن سعر بيع منتجاتنا حاليا أقل من سعر التكلفة في حدود 10 ـ 15%! فشركات الدول المجاورة تسعى إلى الصمود لفترات معينة من حيث عرض منتجاتها بأسعار منخضة, ومن ثم تسيطر بعد ذلك سيطرة كاملة على السوق. ويرجع سيف العواني أسباب هذه الظاهرة إلى اتباع الدولة لسياسة الاقتصاد الحر والأسواق المفتوحة, وبالتالي فإنه يجب وضع الآليات المناسبة للحد من هذه الظاهرة والقضاء عليها في حال ثبوت أن هناك إغراقا بالفعل. ومعظم القوانين التجارية في دول العالم تنص صراحة على مكافحة ومنع سياسة الإغراق التي تتبعها بعض الدول, وهناك أمثلة كثيرة على ذلك. حيث هناك العديد من القضايا مرفوعة ضد شركات من دول مجاورة في الاتحاد الأوروبي وأميركا والبرازيل والتي تعاني من مشكلة الإغراق. ومن الأسباب أيضا اتباع الشركات المتهمة بالإغراق لسياسة الإنتاج بكميات كبيرة (اقتصادات الحجم) , مما ينعكس على تخفيض التكاليف مع وجود دعم مباشر لهذه الشركات من حكوماتها, وخاصة في ما يتعلق بالتغذية الخاصة بالحيوانات المنتجة للألبان وتصل نسبتها إلى نحو 70% تقريبا من تكلفة المنتج النهائي, وهذه التغذية مدعومة بنسبة 50% من الحكومة, وهناك دعم كذلك في نقل قطعان الماشية من السلالات الجيدة. كما تقوم البنوك الزراعية المتخصصة بتقديم التمويل اللازم لهذه الشركات من دون فوائد. وعلى النقيض من ذلك فإن الحاصل في الإمارات أن السوق مفتوحة وحرة ولا يوجد دعم للمنتجين بشكل مباشر أو غير مباشر, ولا يوجد أي دعم من المصارف التجارية أو المصرف الصناعي للصناعات الأساسية وخاصة الغذائية. ويوضح أن المشكلة الحاصلة حاليا في السوق ناتجة عن دخول بعض الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى السوق, في حين أن هناك شركات ضخمة تستعد لدخول السوق. وهناك إحدى أكبر الشركات في العالم بإحدى الدول المجاورة ستدخل قريبا إلى الأسواق بمنتجاتها, الأمر الذي قد يزيد من حدة المشكلة. وتتخذ هذه الشركات سياسة تسويق الفائض من إنتاجها في دولة الإمارات ودول الخليج المجاورة, إلى درجة أن يصل سعر لتر الحليب في بعض الأحيان إلى أقل من سعر التكلفة بكثير, ويحقق لها ذلك عوائد مجزية بدلا من إتلافها. على أن منتجات هذه الشركات تصل إلى أسواق الدولة بعد مضي فترة طويلة قد تصل إلى 72 ساعة من تاريخ إنتاجها, وهذا يتنافى مع كونها منتجات طازجة, حيث إن هذه المدة تعادل مدة الصلاحية المسموح بها لهذا المنتج. وتلجأ هذه الشركات إلى عمليات بسترة عالية, مما يفقد المنتج صلاحيته وفائدته إذ تصل مدة الصلاحية إلى أسبوع من تاريخ الإنتاج. ويقول العواني إن السبب الرئيس وراء تشجيع دخول هذه المنتجات إلى السوق المحلية هو الإقبال الكبير عليها من جانب المستهلكين الذين ينظرون إلى الناحية المادية أساسا, فهم لا ينظرون إلى الجودة رغم تميز منتجاتنا بالجودة العالية. والمشكلة الحقيقية تكمن في أننا لا نحدد الكميات المسموح بدخولها إلى السوق المحلية, بل إنها مفتوحة أمام أية كميات. ويضيف أنه لا توجد جهات محددة قامت بدراسة واتخاذ قرارات معينة لحماية المنتجين المحليين من المشكلات التي يسببها الإغراق, ولكن رغم ذلك تقدمنا بشكاوى عدة إلى البلديات ووزارة الاقتصاد والتجارة والزراعة, ولكن لن تتخذ هذه الجهات أي قرار بشأن هذه الشكاوى التي مر عليها أكثر من 10 سنوات. إلا أن وزارة المالية والصناعة قامت ببحث ودراسة هذه الظاهرة, وعقد المسئولون بالشركات الوطنية اجتماعات مع المعنيين بالوزارة, وتولى معالي وزير الدولة للشؤون المالية والصناعة بنفسه بحث هذه الظاهرة من جميع جوانبها, من أجل تحديد أسبابها وكيفية معالجتها والحد منها ووضع الحلول المناسبة لها. ويؤكد العواني أن أحد الأسباب الرئيسة لاستفحال هذه الظاهرة هي عدم وجود أي من أشكال الدعم والتسهيلات للمنتجين, وخاصة من المصرف الصناعي الذي يعنى بشؤون الصناعيين, ونحن كشركات محلية تقدمنا بطلب تسهيلات مصرفية فوافق عليها ولكن بشروط أكثر تعجيزية من البنوك التجارية. وهنا نتساءل عن دور المصرف في دعم وتنمية الصناعات الوطنية, حيث لا نشعر بوجود بنك داعم للصناعة الوطنية. والمطلوب هو قيام الجهات المعنية بالدولة باتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة, والحد من هذه الظاهرة من خلال تحديد الكميات المستوردة وسعر البيع بالداخل, والمطلوب كذلك تعديل القوانين للحد من الإغراق والذي يؤثر سلبا على شركاتنا الوطنية ويؤدي إلى خروجها من السوق, ويجب أن يكون هناك دور للبنوك الحكومية في دعم هذه الصناعات. ويشدد على ضرورة إعطاء أولوية قصوى للمنتجات الوطنية من الألبان في مناقصات المؤسسات والجهات الحكومية, والاستفادة من الإنتاج المحلي الذي يتم إتلافه يوميا, ويصل حجم التالف إلى نحو 30% من حجم الإنتاج اليومي, وهذا يرجع إلى عدم وجود مصانع أساسية لإنتاج مشتقات منتجات الألبان أو عدم اللجوء إلى تجفيفها. * نوع آخر من الإغراق للأسواق المحلية تتعرض له سوق الإطارات, والتي تعد من أكبر أسواق إعادة التصدير. وكما يقول أحمد بن عيسى السركال, المدير التنفيذي لمجموعة ناصر بن عبداللطيف السركال وكيل إطارات بريجستون, فإن السوق تعاني من إغراق لا حدود له من الإطارات, خصوصا المستعملة التي تحوي عيوبا فنية وتباع في بلد المنشأ إلى تجار تلزمهم المصانع ببيعها في الخارج وليس في بلد المنشأ. ويوجد في أسواقنا المحلية تجار متخصصون في هذه النوعية من الإطارات يذهبون إلى الخارج لجلب هذه الإطارات وتدخل على أنها إطارات مستعملة, غير أنها تغرق السوق. ولدينا حالات إغراق عديدة آخرها تاجر أدخل إلى السوق المحلية 100 ألف إطار من مختلف الأنواع, في حين أننا كوكيل حصري لا ندخل السوق أكثر من 20 ألف إطار شهريا, ويبيع هذا التاجر الإطار الواحد بسعر لا يتجاوز خمسة دولارات, وهو ما يؤثر علينا كمستثمرين وضعنا استثمارات هائلة في هذه التجارة. ويضيف السركال أننا تقدمنا بشكاوى عديدة إلى أكثر من جهة مسئولة كالجمارك, لكن دون جدوى لأن كل جهة تفسر قانون الوكالات التجارية حسب رؤيتها. وعلى سبيل المثال هناك بعض الشركات التي تجلب إطارات إلى المناطق الحرة بقصد إعادة التصدير, غير أنها تبدأ في مفاوضات لبيع هذه الإطارات إلى التجار وشركات النقليات في السوق المحلية. وكان هناك بالفعل قانون يمنع ذلك مادام جرى الاستيراد بغرض إعادة التصدير, وفي حالة إتمام ذلك تفرض رسوم إضافية قدرها 10% إضافة إلى 4% نسبة الجمارك, الأمر الذي يجعل التكلفة 14% أعلى من تكلفة الوكيل, ولذلك كانت هذه الشركات تعجز عن إدخال مستورداتها من الإطارات للسوق المحلية لارتفاع تكلفتها. غير أننا كوكلاء فوجئنا بإلغاء هذا القانون أو الإجراء, الأمر الذي أعطى لهذه الشركات المتواجدة في المناطق الحرة إدخال ما تستورده من إطارات للسوق المحلية مما سبب إغراقا لا حدود له لسوق الإطارات المحلية. الأمر ذاته ينطبق تماما على تجارة قطع غيار السيارات والتي تتعرض هي الأخرى لإغراق متعمد, خصوصا من القطع المقلدة والتي تحوي عيوبا فنية خطيرة يمكن أن تلحق الأذى والضرر بمستهلكيها. ويؤكد السركال أن هناك شركات دولية ذات رؤوس أموال وإمكانات ضخمة وراء إغراق الأسواق المحلية, في محاولة من جانبها للقضاء على الصناعة المحلية, خصوصا وأن أسواقنا مفتوحة أمام جميع السلع والمنتجات دون رقابة ودون وجود قانون يحمي المستهلك ويحمي الصناعة المحلية. لذلك لابد من إعمال نصوص القوانين المحلية وكذلك نصوص الاتفاقيات الدولية, وأبرزها منظمة التجارة العالمية واتفاقية الجات, ويضيف أن مخاطر الإغراق سوف تتصاعد في الفترة المقبلة مع انفتاح الأسواق أكثر مما هي عليه ومع احتمالات إلغاء نظام الوكالات التجارية وتضاؤل دور الوكيل الحصري, بمعنى أن المنافسة ستشتد بين المنتجات المحلية ومثيلاتها المستوردة, وسوف يواجه المنتج المحلي إغراقا متزايدا لعدم قدرته على المنافسة ليس بسبب قلة جودته, بل لأن المنافسة ستكون على أساس سعر التكلفة. * مدير التسويق بأحد مصانع سحب الألمنيوم بعجمان, والذي يتعرض لخسائر حادة تهدده بالخروج من السوق بسبب المنافسة غير العادلة التي تجدها منتجات الألمنيوم من المنتجات المستوردة من إيران ولبنان والهند, يقول إن سوق الألمنيوم من الألواح والأبواب والشبابيك والأعمدة تعاني من إغراق حاد, الأمر الذي كبد مصانع سحب الألمنيوم المحلية خسائر فادحة لأن المنافسة مع المستورد أصبحت تتركز على الأسعار وليس على الجودة. ويضيف أن السوق مليئة بمنتجات ألمنيوم تدخل الدولة من إيران والهند ولبنان وتباع بأسعار تقل عن أسعار التكلفة. وعلى سبيل المثال تعطي الحكومة الهندية لمصنعي الألمنيوم حوافز تشجيعية في الطاقة والتصدير, في حين نعاني نحن في الإمارات من ارتفاع تكلفة الكهرباء بشكل كبير. كما تفرض لبنان حماية جمركية مرتفعة على منتجاتها من الألمنيوم الموجهة للتصدير تصل إلى 30%, ويقدر سعر الطن من الألمنيوم اللبناني في أسواق الإمارات بأقل من ألفي دولار, رغم أن السعر العالمي أكبر من ذلك بكثير. ومن هنا تعجز مصانع سحب الألمنيوم المحلية عن المنافسة التي لا تتركز على الجودة بقدر تركزها على الأسعار, لذلك خرجت مصانع وطنية عديدة من السوق بعدما تكبدت خسائر كبيرة ولم يعد في السوق سوى مصانع وطنية معدودة تحاول قدر الإمكان البقاء حفاظا على الاستثمارات الضخمة التي ضختها في السوق. وحسب مدير التسويق فإن مصنعه تقدم بشكاوى عديدة إلى وزارة الاقتصاد والدائرة الاقتصادية والبلدية, حول الإغراق الذي تتعرض له منتجات مصانع الألمنيوم وإعادة النظر في تكلفة الكهرباء بالنسبة للمصانع, حيث لاتزال أسعار الطاقة بالنسبة لمصانع سحب الألمنيوم مرتفعة بشكل كبير, الأمر الذي يزيد من تكلفة المنتج وبالتالي يقلل من قدرته على مواجهة المنافسة أمام المنتجات الأجنبية التي تغرق السوق. ومن هنا حاولنا قدر الإمكان التقليل من طاقتنا الإنتاجية ولم نعد نوجه منتجات للسوق المحلية بعدما عجزنا عن المنافسة. وأصبحت منتجاتنا تجد طريقها إلى دول عديدة خصوصا في دول الاتحاد السوفييتي السابق والدول العربية ودول جنوب شرقي آسيا, حيث المنافسة في هذه الأسواق تتركز على الجودة وهو ما تتصف به منتجاتنا المحلية. غير أن ذلك سيشكل خسارة كبيرة للمنتج المحلي وللسوق المحلية على السواء, حيث ستترك السوق مفتوحة لسيطرة المنتجات الأجنبية والتي تفتقد أساسا إلى عناصر الجودة والمواصفات والمقاييس الدولية, وهي لا تجد سوقا رائجة إلا عن طريق أسعارها الرخيصة. ومن هنا لابد من إيجاد آلية لحماية المنتجات المحلية, أبرزها أن تقلل تكلفة المنتج عن طريق الدعم غير المباشر من جانب الحكومة, مثل تخفيض أسعار الكهرباء والماء الممنوحة للمشروعات والمصانع المنتجة, وإعطاء أولوية للمنتجات المحلية في المشروعات الوطنية, وتشجيع المصنعين المحليين على الاهتمام بالمواصفات والمقاييس المحلية والخليجية والدولية. * راشد محمد المزروعي, عضو المجلس الوطني الاتحادي رئيس مجموعة المزروعي, يؤكد أن الإغراق يمثل مشكلة كبيرة نظرا لأن أسواق الإمارات مفتوحة أمام كافة البضائع والسلع من دول العالم, إضافة إلى ذلك فإن منتجاتنا المحلية تواجه كذلك صعوبة بالغة في عملية التصدير لانه لا يوجد أي شكل من أشكال الدعم كما لا توجد حماية لها أمام تدفق السلع من الدول الأخرى. ويوضح أن المشكلة ليست في الألبان فقط ولكن هي أكثر بروزا بالنسبة لمنتجات الألبان, وبالتالي فهي يمكن أن تظهر وتواجه بعض السلع والمنتجات الأخرى, بل هناك بالفعل بعض المنتجات التي تعاني المشكلة نفسها, ومنها على سبيل المثال المنتجات الورقية, إضافة إلى الألمنيوم ومنتجاته, حيث تباع المنتجات المثيلة المستوردة من الخارج بأسعار أقل. ولابد من طرح الحلول المناسبة للقضاء على هذه الظاهرة ـ كما يقول ـ من خلال دعم الصناعات المحلية, وخاصة الألبان ومنتجاتها مثلما يحدث في بعض الدول المجاورة, حيث تدعم عمليات نقل الأبقار من الخارج إليها وغيرها من أشكال الدعم, مما يؤدي إلى تخفيض تكاليف منتجاتها وبيعها بالتالي بأسعار منافسة جدا في داخل أسواقنا. وتابع أن المواد المنتجة في الإمارات يمكن أن تغطي الاكتفاء الذاتي للسوق المحلية, وإذا كانت هناك حاجة لمزيد من المنتجات فإنه يمكن الاتجاه للاستيراد من الخارج, على أن نحدد الفارق الفعلي بين الإنتاج المحلي وحاجة السوق, وليس فتحها أمام تدفق الإنتاج المستورد من الخارج. فإذا كانت السوق المحلية تستوعب 50 طنا والإنتاج المحلي 30 طنا, فإنه يمكن استيراد ما مقداره 20 طنا, يتم توزيعها على الدول المجاورة المنتجة ولا يقتصر الاستيراد على دولة واحدة كما هو حاصل حاليا. ويقول إنه من المفترض أن يكون هناك دعم للمنتجات المحلية منذ بداية التصنيع, ولكن للأسف فإن هذا الدعم غير موجود, لأنه إذا كان هناك دعم منذ سنوات عدة مضت لكان من الممكن أن تنافس منتجاتنا بقوة. أضف إلى ذلك أن كافة المصانع بالإمارات والتي تم تأسيسها كلها كشركات مساهمة, تحصل على تسهيلاتها الائتمانية من البنوك وبالتالي فإن الاستثمارات المطلوبة لها ضخمة, كما أن تكلفة الإنتاج مرتفعة أيضا. ولذا لا تستطيع أن تنافس في ظل غياب الدعم منذ البداية, سواء كان مباشرا أو غير مباشر. ويؤكد على ضرورة استخدام الدولة لأساليب الحماية المطلوبة في مثل هذه الحالات, خاصة إذا ما وجدت أن هناك منتجات أجنبية تضر بمنتجاتها الوطنية, وذلك عن طريق زيادة الرسوم الجمركية. مشيرا إلى أن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يقع عليها دور كبير في التصدي لهذه المشكلة, وخاصة في ما يتعلق بلجوء بعض دول المجلس إلى هذه السياسة والتي يمكن أن تضر بإحدى دول المجلس, وذلك عن طريق سرعة تحركها لتنظيم وحل هذه المشكلة. وهناك دول مجاورة اغلقت الكثير من مصانع الألبان بها, لأنها تواجه منافسة شديدة وإغراقا ملحوظا من إنتاج إحدى دول المجلس التي تسببت في هذه الظاهرة على مستوى المنطقة, ولو استمر الأمر على ما هو عليه دون اتخاذ الإجراءات المناسبة للتصدي لهذه الظاهرة, فإنه يمكن أن تغلق مصانعنا. وكذلك الحال ينطبق على الإضرار بصناعات أخرى تتعرض للمشكلة نفسها, وكما قلت سابقا فإن هناك العديد من المنتجات تعاني الظاهرة نفسها, ولكنها أكثر وضوحا في الألبان ومنتجاتها. ويرى أنه على وزارة المالية والصناعة وضع الأسس والمعايير السليمة لتنظيم ومتابعة الصناعة الوطنية, حيث لا يوجد هناك تنسيق بين الصناعات التي تقام بالدولة, بل الأكثر من ذلك هناك منافسة شديدة حاليا داخل السوق المحلية, ووصل الأمر إلى حدوث تشبع في السوق وتشابه كبير في الصناعات القائمة, كما لا توجد سياسة واضحة للاهتمام بالصناعات من أجل التصدير. الأمر الذي يتطلب الإسراع بوضع استراتيجية وسياسة واضحة لتطوير الصناعة الوطنية من أجل تمكينها من منافسة المستورد والتصدير للخارج. ويشير إلى أنه إذا لم تتخذ أية خطوات جادة وفعالة في هذا الشأن, فإنه ستظهر حتما مشكلات أخرى في منتجات أخرى مثل الدواجن والبيض والمناديل الورقية والمياه المعدنية وغيرها. ولهذا فإن العلاج يكمن في حل مشكلات قطاع الصناعة بأكمله, وربما هناك ضرورة للتفكير في انشاء هيئة أو مجلس لتنمية الصادرات الوطنية, يهتم أيضا بتنمية الصناعات المخصصة للتصدير على مستوى الدولة, لأن الحاصل حاليا أن كل إمارة تعمل بمفردها من دون أي دعم أو تنسيق مع الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية. ويشدد على ضرورة اعطاء الأولوية للمنتجات المحلية وعلى رأسها المنتجات الغذائية في المناقصات الخاصة باحتياجات المؤسسات الوطنية, حتى ولو كانت أسعار هذه المنتجات أعلى من أسعار مثيلاتها المستوردة بما نسبته 10 ـ 15%. على أن يشرف على هذه الأقسام أشخاص ليست لهم مصالح في تفضيل المنتج الأجنبي على حساب المنتج المحلي كما هو حاصل في بعض المؤسسات. ولاسيما المستشفيات والمدارس وشركات النفط والفنادق, والتي لابد أن تعتمد على المنتجات المحلية بالدرجة الأولى, مما يؤدي إلى تشجيع المنتج المحلي والقضاء تدريجيا على ظاهرة الإغراق وحماية المنتج المحلي وتنميته وتطوير صناعتنا الوطنية. * رجل الأعمال حمد راشد الهاجري, صاحب مصنع كوينكس للمنتجات والمناديل الورقية, يقول إن السوق المحلية تشهد منذ سنوات مضت مشكلة المنافسة الشرسة من قبل منتجات أجنبية مستوردة للمنتجات المحلية, في عدد كبير من السلع ومنها المناديل الورقية. وقد تقدم المنتجون بشكاوى عديدة إلى المسئولين في الجهات المعنية من أجل اتخاذ بعض الخطوات والاجراءات الحاسمة التي تحد من تفاقم هذه الظاهرة وتزايدها, من أجل توفير الحماية للإنتاج المحلي وتشجيع المستثمرين على دخول قطاع الصناعة, حيث إن الوضع الحالي في السوق وضيق حجمها, إضافة إلى المنافسة وفتح السوق على مصراعيها أمام المنتجات المثيلة في الدولة, أدى إلى عزوف رجال الأعمال والمستثمرين عن الاستثمار الصناعي, لأن هذه المنافسة غير المتكافئة تؤدي إلى عدم تسويق الإنتاج المحلي, وبالتالي عدم تحقيقهم العوائد المجزية والمشجعة على الاستثمار الصناعي. ويوضح أن الإنتاج الوطني من المناديل الورقية والمنتجات الأخرى أثبت وجوده في السوق الداخلية وفي الأسواق الخارجية, حيث تستخدم المصانع الوطنية أحدث الأجهزة والتقنيات المتطورة, واستطاعت أن تتميز بمنتجاتها وتحصل على شهادات (الأيزو) من قبل المؤسسات العالمية المتخصصة, وهناك جزء من إنتاجها يصدر لبعض الدول الآسيوية والأوروبية. وقد أضرت أوضاع السوق كثيرا بالمنتجين والإنتاج الوطني, ويمكن أن تؤدي كذلك إلى إغلاق بعض المصانع في الوقت الذي نحتاج إلى إقامة المزيد من الصناعات الوطنية وتنميتها. ويقول إن ما يحدث في السوق أدى كذلك إلى عدم تشجيع أصحاب المصانع, وخاصة تلك التي تعاني من مشكلة الإغراق, على القيام بتطوير مصانعهم في انتظار إيجاد حل لهذه المشكلة. منبها على أنه لا يوجد حتى الآن قانون يعالج مسألة الإغراق, الأمر الذي يتطلب الإسراع في إيجاد التشريع المناسب لذلك, خاصة ونحن مقبلون على بدء تطبيق قوانين الجات, حتى نستطيع أن نتعامل ونقف على قدم المساواة مع الدول الأخرى في ما يتعلق بتطبيق اتفاقية الإغراق المنصوص عليها صراحة في اتفاقية الجات, والتي من شأنها أن تحمي الإنتاج الوطني في حال تعرضه للإغراق من أية دولة عضو في منظمة التجارة العالمية.