تحتاج الدول العربية ومن بينها مصر إلى مزيد من الاستثمارات الضخمة لاستكمال ما تبقى من مشروعات البنية الأساسية, ونظرا لأن مثل هذه المشروعات تكلف الحكومات الكثير من الأموال فقد لجأت إلى اتباع اساليب مختلفة لتنفيذها مثل الاقتراض الداخلي أو الخارجي وما يترتب على ذلك من ديون متراكمة مصحوبة بفوائد مرتفعة تزيد من الضغوط لتقف حائلة أمام إحداث طفرة اقتصادية أو نقلة نوعية للبلاد, ومع خوض العديد من التجارب التي أثبتت عدم جدواها على المدى البعيد اتجهت الحكومات مؤخرا إلى إسناد المشروعات الضخمة إلى القطاع الخاص أو رجال الأعمال من خلال نظام الـ (BOT) , حيث يقوم القطاع الخاص من خلاله بتولي مهمة إنشاء المشروع كاملة على أن توفر له الدول الأرض اللازمة, من خلال استغلال المستثمر لهذا المشروع لفترات زمنية متفق عليها, ثم يتعهد باعادة المشروع إلى الحكومة لتتولى إدارته أو التصرف فيه بعد ذلك. ومع الحديث عن نظام الـ (BOT) كثرت الآراء حول مدى جدية مثل هذه المشروعات, صحبتها تخوفات من سيطرة القطاع الخاص على مقاليد الحكم في الأسواق المحلية والتحكم في الأسعار وفقا لطموحاته وأطماعه في الأرباح العالية. و يشير الدكتور أحمد جويلي وزير التجارة والتموين المصري الأسبق إلى أن نظام الـ (BOT) المتبع في مصر لا يختلف عن أي نظام مثيب متبع في العالم فالفكرة والهدف واحد, وتلك المشروعات تهدف في الأساس إلى توسيع قاعدة الاستثمارات خاصة فيما يتعلق بمشر وعات البنية الاساسية حيث تلجأ الحكومة الى مثل هذا النوع من الاستثمارات خاصة في الدولة النامية التي تجد صعوبات في استكمال ما تبقى من البنية الأساسية لديها, حيث تقوم في الغالب باسناد مشروعات البنية الأساسية إلى القطاع الخاص ليتولى إنشاء وإدارة المشروع لمدد زمنية متفق عليها على أن توفر له الدولة الأرض التي سيقام عليها المشروع على أن يؤول المشروع بكامله إلى يد الدولة مجددا بعد إنقضاء فترة التعاقد المتفق عليها, ولابد أن تسلمه الشركة المتعاقدة على حالته الأولى, بمعنى آخر صالح لمواصلة الانتاج دون مشاكل أو عيوب. دراسة الجدوى ويضيف د. جويلي: من الممكن استغلال مشروعات الـ (BOT) في كافة الأغراض ولا تقتصر على فئة معينة من المشاريع, والمهم هنا هو دراسات الجدوى التي تعد مفتاح البقاء لهذا المشروع أطول مدد زمنية ممكنة, ومن ثم يجب دراسة المشروع المطروح بنظام BOT دراسة وافية على المدى القريب والبعيد, حيث أن هناك أنواعاً من المشروعات تأتي أرباحها سريعا, مقابل أن هناك مشروعات أخرى يستلزم تحصيل العائد منها مدد زمنية طويلة كونها سلعى تتحرك ببطء أو ما شابه ذلك. وكذلك والحديث للدكتور جويلي هناك عوامل أخرى لا تقل أهمية عن دراسات الجدوى ويتوقف عليها أيضا نجاح مشروعات الـ (BOT) مثل جودة الإنتاج ومراقبة الأسعار بما يتوافق مع سياسة الدولة, ولابد أن نشير هنا إلى أن التخوف الذي يبديه البعض تجاه إمكانية احتكار الشركة أو المؤسسة للخدمة المسندة إليها أو السلعة المباعة ومن ثم المغالاة في الأسعار لا أساس له من الصحة, حيث يأتي هنا دور الدولة الرقابي على تلك الشركات, فمن المؤكد أن الحكومة لن تترك لشركات القطاع الخاص احتكار السوق أو تحديد السعر عشوائيا, بل سيكون هناك اتفاقا بين الحكومة وتلك الشركات على أسعار الخدمات المقدمة للعملاء أو الجمهور على أن تدور تلك الاسعار في نفس المستوى الذي تعمل به الحكومة من خلال مشاريع مشابهة أو نفس السعر إذا كانت الحكومة هي المنفذة لذلك المشروع. وعن محدودية التعامل مع المشروعات بأسلوب الـ (BOT) يقول د. جويلي: لا توجد معوقات أمام انتشار مشروعات الـ (BOT) في مصر, لكن هناك أفضلية أو انتقاء لتلك المشروعات, فالمستثمر ينظر بالدرجة الأولى إلى الربحية العالية ودرجة المخاطرة المنخفضة, ومن ثم فهناك مشروعات بعينها هي التي تنفذ في الوقت الراهن مثل مشروعات محطات توليد الطاقة الكهربائية والمطارات الخاصة والطرق, فجميعها مضمون الربح وكذلك درجات المخاطرة تكون إلى حد كبير معدومة. ويختتم الدكتور جويلي حديثه قائلا يجب على الدولة أن تساند وتشجع على تدفق الاستثمارات الجديدة إليها وذلك من خلال التزامها بتثبيت السياسات المالية والنقدية والجمركية والائتمانية والضريبية وأسعار الطاقة والنقل وجميع السياسات الحاكمة لمناخ الاستثمار لمدد زمنية محددة ومعلنة بشكل يحقق الاستقرار في الاستثمار في المجالات المختلفة. كما يجب التأكيد على عدم إصدار قرارات فجائية وأن يتمتع أي قرار متعلق بالمصلحة العامة بشفافية كاملة ويشارك في دراسته مجتمع الاستثمار. كما يجب إزالة أي عقبات تعوق تدفق الاستثمارات أو استقرار أوضاع الاستثمار من خلال خطة متكاملة تقوم علي تقويم الجانب التشريعي لهذه الأوضاع. ستة معايير ويوافقه في الرأي الدكتور حمدي عبدالعظيم رئيس معهد البحوث والدراسات بكلية السادات للعلوم الإدارية, ويضيف: التمويل والتنمية وجهان لعملة واحدة, فبدون التمويل لن تححق التنمية, ولهذا كانت الحاجة إلى تمويل التنمية خاصة في ظل محدودية الموارد التي يمكن توجيهها إلى عمليات التنمية, وكانت لمصر والدول العربية العديد من التجارب لتوفي التمويل اللازم لعمليات التنمية مثل الاقتراض الداخلي أو الاقتراض الخارجي وما يتبع ذلك من ديون متراكمة على كاهل الحكومات, وأخيرا أتجهت العديد من الدول النامية والعربية ومن بينها مصر إلى نظام اللجوء إلى المستثمرين عبر نظاك الـ (BOT) لتمويل مشاريع البنية الأساسية. من الضروري توفير ستة معايير لاجتذاب المستثمرين إلى مشروعات الـ (BOT) وهي معايير سياسية واقتصادية وقانونية ومالية وإدارية إضافة إلى معايير المخاطرة, ويتمثل المعيار السياسي في احترام الوعود والثقة في القرار السياسي والالتزام والاهتمام بالنمو, أما بالنسبة للمعيار القانوني فهو خاص بطول مدة التقاضي والاجراءات والضمانات والثقة في النظام القانوني, بينما يتمثل المعيار الاقتصادي في ضرورة أن تطمئن الشركات العالمية إلى قوة الاقتصاد من خلال دراسة الاداء وقياس مدى التقدم والاستقرار الاقتصادي, أما بالنسبة للمعايير الادارية فتتمثل في ضرورة تعامل الموظفين مع المستثمرين بدون تعقيد بيروقراطي, أما بالنسبة لمعيار المخاطرة فيقصد به أنه نظرا لطول مدة المشروع نجد أن المستثمر يبحث عن مدى استقرار العهدة واستقرار القوانين, وإلا سوف يحمل سعره بهذه المخاطر أو يترك البلد. وإذا كان الحديث عن عوامل جذب المستثمرين وطمأنتهم على استثماراتهم فإنه في المقابل لابد من الحديث عن مسئولية المستثمرين, أو كما يقول الدكتور عبد العظيم: الاستثمار ليس مجرد توظيف أموال أو عقد صفقات أو هو منافسة غير شريفة بين أفراد يملكون, وإنما الاستثمار مصلحة قومية عليا وسلوكيات وأهداف حيوية وإدارة وضوابط واستقرار ومنافع بين المجتمع والمستثمر, فيجب ألا ينسى كل مستثمر أن زمن تحول المستثمر من مليونير إلى ملياردير في عدة أيام أو أشهر قد ولى ولن يعود, والبقاء حاليا للجادين الراغبين في تنمية استثماراتهم بما يعود عليهم وعلى موطن الاستثمار بالنفع والربح الوفير. برامج للأولويات ويضيف د. حمدي قائلا: لتنشيط عملية جذب الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد لابد من وضع برنامج لتنفيذ الأولويات والثوابت من بينها تعديلات تشريعية يشارك في دراستها مجتمع المستثمرين, لمواجهة سلبيات التطبيق في الواقع, وتنظيم علاقة أجهزة الدولة بالمستثمرين من خلال إنشاء جهاز واحد يتعامل معهم, أو إلغاء تعاملهم مع بعض الجهات, واختيارك إدارة مدربة داخل هذه المؤسسات. وكذلك يجب أن يكون لاتحاد الصناعات وممثلي الغرف التجارية بجميع قطاعات الاستثمار العام والخاص مجموعات عمل خاصة تدرس وتقدم أوراق واقتراحات ومسودة مشروعات لقوانين ترى ضرورة تعديلها بما يتناسب مع مناخ الاستثمار الحالي على أن تطرح هذه الأفكار للحوار والنقاش العام. كما يجب على الحكومة تنفيذ برنامج طموح للترويج للاستثمارات المحلية والعربية والاجنبية في مصر والتي تعمل بنظام الـ (BOT) وإعداد استراتيجية لترويج الاستثمار ووضع مصر على خريطة الاستثمار العالمية. ومن الممكن هنا الاستعانة بالمكاتب العالمية المتخصصة في الترويج للاستثمار بالإضافة إلى وزارتي الخارجية والتعاون الدولي في تنفيذ هذه الاستراتيجية, فضلا عن تطوير ادارة وخدمات الاستثمار في مصر بتطوير الاستثمار والمناطق الحرة واسلوب العمل فيها وتحديث نظام العمل بمصلحة الشركات ووضع برنامج لمتابعة وبلورة مشاكل المستثمرين مع مختلف المصالح الحكومية تمهيدا لحلها والتنسيق مع مكاتب خدمة المستثمرين بالمحافظات وازالة اسباب شكواهم. القديم الحديث وعن رؤى رجال الأعمال تجاه مشروعات الـ (BOT) يقول عادل العزبي ـ رجل أعمال ـ أن مشروعات الـ (BOT) ليست حديثة فهي قديمة جدا وكانت تسمى نظام (الالتزام) مثل (الترام) فهو مشروع بلجيكي والكهرباء مشروع انجليزي وقناة السويس, أو بما يسمى نظام الانتفاع على أن تمنح الحكومة المشروع لرجال الأعمال أو المؤسسات مقابل حق انتفاع على أن تكون ملكية الأرض للحكومة خلال فترة الامتياز على وأن يعود المشروع بعد ذلك الى إدارة الدولة. ويصلح نظام الـ (BOT) في كل المجالات دون استثناء وهو معمول به في كافة ارجاء العالم ومنتشر في إنجلترا حتى في نظام الاسكان ويسمى نظام الـ (lease) , حيث يقوم المستأجر بالتعاقد على منزل أو مبنى لفترة زمنية محددة على أن يصبح المنزل ملكا للمستأجر بعد فترة لكن ملكية الأرض تكون للحكومة أو الجهة المنفذة للمشروع. ويضيف العزبي: نظام الـ (BOT) مطبق في مصر حاليا في عدد من المشروعات مثل الطرق والكهرباء والمطارات مثل مطار (العلمين) وشركة البترول التي تنقب على البترول فهي تعمل بنظام الـ (BOT) لكن تحت مسمى آخر. وعن التخوفات من هذا النظام يقول العزبي: لنا الحق أن نخاف لأن تجربتنا السابقة في ظل نظام الاستعمار العسكري والسياسي وتجربتنا اللاحقة بعد ذلك وهو نظام التحكم أو التسيير الاقتصادي, فقديما كان الانجليز يتحكمون في أسعار الحاصلات الزراعية مثل القطن وكان حق الفلاحين مهدوراً تماما, وفي عصرنا هذا نجد هناك احتكارات من نوع آخر وهو التحكم في الأسواق المحلية والعالمية من خلال الشركات أو المؤسسات الكبرى التي تفرض على الدول ومن ثم المستثمرين الأسعار التي تراها هي فقط كونها المنتج الوحيد لنوع فريد من المنتجات لا يمكن شراؤه إلا من خلالها. والسؤال هنا: ممن أخاف من الاجنبي أم المصري؟ مكمن الخطر والخوف هنا إذا كان على ملكية المشروع أو الأرض فلن يستطيع أحد أن يعبث به وفقا للعقد المبرم بين الطرفين من خلال حق الانتفاع لمدد زمنية محددة إضافة إلى ملكية الدولة للأرض المقام عليها المشروع, إذن فالخوف هنا من المغالاة في الاسعار, فأي احتكار في الدنيا يصحبه ارتفاع في الاسعار طالما أن الساحة تخلو من المنافسة. ويضرب العزبي مثلا قريبا حدث في مصر بقوله: تجربة المحمول في مصر تجربة واضحة أمام الجميع, حيث بدأنا بتجربة وحيدة ممثلة في شركة (موبينيل) أعقبها بعد ذلك ظهور شركة أخرى وهي (مصرفون) التي تسمى حاليا (كليك) , والشركتان قامتا بتسديد مبلغ ضخم للحكومة (حوالي 17500 مليون جنيه), تم دفعها على أساس تمتعهما بالاشتراكات في الخدمة, مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد نظام في العالم في مثل هذا المجال يسمى نظام الاشتراك, وكان بطبيعة الحال أن تكون رسوم الاشتراك في الخدمة في بداية الأمر عالية جدا مقارنة بدول العالم نظرا للمبالغ الضخمة المدفوعة مسبقا والتي سعت الشركتان إلى تحصيلهما في أسرع وقت لتغطية مركزهما المالي, ومن ثم كان هناك نوع من الاحتكار حيث لا يمكن الاشتراك في مثل هذه الخدمة الا من خلال إحدى الشركتين, ومن ثم كان لابد من وجود عقود التزام بين الحكومة والشركتين تراعي مصلحة المستهلك الخاصة باستغلال الخدمة حتى لا تضطر الشركة لرفع اسعار الخدمة, بمعنى أن الاتفاق الموقع بين الحكومة والشركتين كان لابد أن يكون تنازليا على أن تسدد الشركة نسبة من العقد لعدة سنوات متفق عليها, على أن تجري الحكومة تسهيلات في دفع النسبة المتبقية. وما نراه حاليا من صراع في سوق المحمول المصري هو نتيجة تنافس الشركتين حيث تسعى كل منهما إلى الاستحواذ على نصيب الأسد في السوق من خلال الخدمات الإضافية أو خفض أسعار المكالمات أو تخفيض ثمن الخطوط.. الخ. ولكن ماذا كان الوضع إذا كانت شركة واحدة هي المسيطرة على سوق المحمول في مصر؟ من المؤكد أن هذا الوضع كان سيخلق نوعاً من الاحتكار مهما بذلت الحكومة من جهود لترشيد الأسعار لهذه الخدمة. كل ذلك يسوقنا إلى ضرورة التأكيد على أن المشروعات الجديدة التي تنوي الحكومة طرحها بنظام الـ (BOT) لابد أن تراعي فيها عدم خلق نوع من الاحتكار في الأسواق, وذلك من خلال طريقتين, أما من خلال تنفيذ مشروعين أو أكثر في نفس المجال أو أن تكون الحكومة صاحبة مشروع مماثل وذلك لمنع الاحتكار من جهة وضمان تقديم أفضل الخدمات من خلال المنافسة من جهة أخرى. وحول الشكوك التي يبديها البعض من جدية أن يقوم المستثمر من تسليم المشروع إلى الحكومة على حالته الأولى أو يكون في حالة جدية تسمح بالانتاج لمدد طويلة بعد الفترة الزمنية المتعاقد عليها, يقول العزبي: لابد أن يتم أخذ خطاب ضمان مصرفي لمدة عام يجدد تلقائيا من أحد البنوك الكبرى ولا تقل قيمته عن 10% من القيمة الاجمالية للمشروع, وبموجب خطاب الضمان هذا سيتم تغطية كافة الاعطال التي من الممكن أن تحدث خلال فترة استغلال المشروع أولا بأول, وفي هذه الحالة نضمن إلى حد كبير صيانة دورية للمشروع حتى نهاية العقد المبرم مع الحكومة وفي الوقت ذاته تسليم المشروع بحالة جيدة. القاهرة ـ أحمد مصطفى: