كل ما كتب عن إمدادات المياه في الشرق الأوسط يجعلنا نعتقد أن المياه سوف تكون سبباً للحروب والنزاعات المستقبلية في المنطقة, غالبية الكتابات في هذا الموضوع تحمل في طياتها مفردات مثل (الأزمة) و(النزاع) و(الحرب) , لكن ما يثير دهشة من كتبوا ذلك أن تلك النزاعات التي تحدثوا عنها لم تحدث بعد . وهناك إعتقاد بأن حسم الجدل يمكن ان يتم من خلال معادلة بسيطة تقول: تزايد كبير في عدد السكان, وارتفاع في الطلب على المياه, مع انخفاض إمدادات المياه, يعني نشوب حرب. وعزز هذه التوقعات ما صدر من تحذيرات مثل تحذير بطرس بطرس غالي امين عام الأمم المتحدة السابق والملك حسين عاهل الاردن الراحل. وتزداد المشكلات التي تواجه المسئولين عن إدارة إمدادات المياه في المنطقة بشكل معقد وسريع وهناك إحصاءات يركن اليها من يتوقعون نشوب هذه النزاعات. ومنها إحصاءات البنك الدولي عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, التي تقول أن هذه المنطقة يوجد بها أقل نصيب متاح للفرد من المياه في العالم. وهناك 1250 متراً مكعباً فقط قابلة للتجديد لكل فرد, وهو متوسط يقل عن المتوسط المماثل في آسيا. التي تلي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث شح المياه على مستوى العالم. يفوق كثيراً معدل نمو الامدادات, يمكن أن نتوقع أن متوسط المياه المتاحة القابلة للتجديد لكل فرد في المنطقة سوف يصل الى 650 متراً مكعباً بحلول عام 2025 وهناك بالفعل حالياً نقص في امدادات المياه المتاحة في اليمن, والضفة الغربية وغزة, حتى في الامارات العربية المتحدة الاكثر إزدهاراً نسبياً, فإن سكان إمارة أم القيوين إضطروا لهجر منازلهم لفترة ما عندما إنقطعت إمدادات المياه عنهم. وفي ظل هذه الظروف, لا غرو أن قضايا إمدادات المياه وإدارتها أصبحت ذات صبغة سياسية, جعلت بعض المحللين يتوقعون أن يكون هناك نقاط ساخنة في المنطقة بسبب المياه. فقد سببت نوايا أثيوبيا في اقامة مشروعات مياه (سدود) صغيرة على النهر الأزرق, الذي يغزي نهر النيل مشكلات وقلق بالنسبة لمصر, وأدى ذلك الى تدهور في العلاقات بين البلدين. كما أن نهري دجلة والفرات, وهما من الأنهار الكبيرة في المنطقة كانا محور جدل وقلق في الأشهر الأخيرة, ومن المؤكد أن تظل القضية محور إهتمام وسائل الاعلام. والنهران المذكوران ينبعان من تركيا ويمران في سوريا والعراق. ويشمل مشروع جنوب شرق الأناضول التركي بناء 22 سداً و19 محطة كهرومائية على طول النهرين, مما يسبب قلقاً لكل من سوريا والعراق من أن تسبب تلك المشروعات نقصاً في المياه الواردة اليهما واحتمال تلويث مياه النهرين, برغم تطمينات تركيا لكل من البلدين. كما أن مستقبل مياه نهر الاردن والسيطرة عليها وإدارتها يمثل نقطة قلق وخلاف كبيرين بالنسبة للاردن واسرائيل والفلسطينيين, ويرتبط في نفس الوقت بمصير عملية السلام الجارية حالياً. لكن غالبية الاطراف يتجنبون النزاعات بشأن مشكلات المياه في المنطقة وهناك إتجاه الى محاولة حل هذه المشكلات وأثبتت التجربة في دول مجلس التعاون الخليجي أن إمدادات المياه ليست مصدر نزاع, بل تزداد أهمية قضية توفير البدائل لتوفير امدادات المياه. وتزداد تكلفة تحلية المياه (من الخليج) انخفاضاً مع تقدم الوسائل التكنولوجية, وسوف يسمح التخلي تدريجياً عن المحطات الحرارية بزيادة انتاج المياه المحلاة بدرجات متفاوتة, طبقاً للفرص الذي تنتج من أجله باختصار, انخفاض تكلفة تحلية المياه يعني زيادة انتاج المياه المحلاة. وهناك إحتمال أن يرتفع عدد مشروعات تحليةالمياه في الخليج, خاصة في الامارات والسعودية, وسوف يصبح تحلية المياه الخيار الأفضل لدول اخرى في المنطقة مع إنخفاض تكلفة التحلية, حيث كان إرتفاع التكلفة يمنع تلك الدول من اللجوء الى تقنيات التحلية, وهناك دراسات لإقامة مشروعات تحلية في كل من الاردن والضفة الغربية وغزة ويعتقد كثير من المحللين أن من الممكن تحقيق تقدم كبير في هذا المجال خلال العام الجاري. وهناك دلائل على تغيير نمط الاستهلاك, فضلاً عن تزايد كميات المياه التي تنتج في المنطقة, كما يزداد مفهوم الاستخدام الأمثل للمياه إنتشاراً أيضا. إن اجمالي موارد المياه في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لاتستطيع أن تفي بحاجات الزراعة, لكنه من خلال إستيراد الغذاء, تزداد المياه المستوردة لزراعته فعلياً, وقد عبر استيراد المياه عن نفسه بأنه أكثر الوسائل فاعلية في تعويض النقص في موارد المياه, وتعزيز الموارد المحلية الضعيفة أو النادرة وهناك تقديرات بأن المياه التي تدخل المنطقة من الخارج سنوياً تزداد عن كميات المياه التي يأتي بها نهر النيل الى مصر. وبالرغم من تزايد كميات الغذاء المستورد في المنطقة فلاتزال الزراعة تستهلك 87% من موارد المياه في منطقة الشرق الأوسط, والتغير الجذري في اقتصاديات المنطقة, الذي ينطوي على تقليص القطاعات الزراعية يحمل في طياته مخاطر سياسية واجتماعية أيضا. لكن هناك إعتراف متزايد بتزايد أهمية الإدارة الكفء للطلب مع تناقص إمدادات المياه المتاحة. وتعيد السلطات في الاردن النظر في اولوياتها بالنسبة للمحاصيل الزراعية, ويقول جيم ولسون من شركة بريتيش تريد انترناشيونال أنهم في الاردن لاحظوا أنه ليس من الصائب زراعة البرتقال والطماطم التي تحتاج الى كميات كبيرة من المياه, مع قيمتها البسيطة, وعدم سهولة تصديرها, ويقول أن الاهتمام بدأ يتجه نحو المحاصيل النقدية مثل الخرشوف, الذي يستهلك كميات مياه أقل ويمكن تسويقه في أوروبا ويقول ولسون لقد حان الوقت للتغير وانتشار هذه الافكار في دول اخرى في المنطقة مسألة وقت فقط. حلول فعلية ان مفهوم الاستخدام الأمثل للمياه ينتشر في بعض اجزاء منطقة الخليج, حيث تم الغاء برامج دعم الزراعة من أجل الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية, أو تتعرض هذه البرامج للتهديد وعلى وشك الإلغاء. وقد تحملت السعودية في السبعينيات نفقات من أجل تحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي ما جعلها تلغي الدعم الزراعي في الثمانينات بالنسبة لعدد من السلع, لاسيما مع الآثار الضارة المترتبة على الزراعة الكثيفة المعتمدة على إمدادات مياه مدعومة. وقد انخفض انتاج القمح في السعودية الى النصف, أي الى نحو 8ر1 مليون طن سنوياً عام ,1992 وتحولت السعودية الى الاستيراد بما قيمته خمسة ملايين دولار أمريكي سنوياً, لتصبح دولة مستوردة للغذاء. فقد أصبحت تكلفة برنامج دعم القمح باهظة جداً من الناحيتين النقدية والمائية أيضا, ويقول المحللون ان التجربة السعودية تعطي مثالاً ودرساً لدول الخليج الاخرى التي تعتمد في مواردها المائية على التحلية, وتتجه الى حتمية مفهوم الاستيراد الفعلي للمياه من خلال الغذاء المستورد. ويتوقع المحللون تزايد دور القطاع الخاص بسرعة مع الحاجة لاستثمارات كبيرة في موارد المياه وإدارة فاقد المياه, كما يتوقعون موجة من اعادة الهيكلة في القطاع العام خلال الاعوام القليلة المقبلة. وتجرى هذه العملية بالفعل في لبنان, حيث تم دمج 22 هيئة مسئولة عن المياه في ست هيئات تتمتع بسلطة شبه مستقلة, إحداها مسئولة عن الري, وكان التقدم أكثر سرعة في أماكن اخرى أيضا, حيث تولت شركة فرنسية إدارة خدمات المياه وعائداتها في بيت لحم والخليل في سبتمبر الماضي, وهناك احتمالات لأن يحدث نفس الشىء في شمال افريقيا والشام. هناك خطة في المغرب تهدف الى اشراك القطاع الخاص في ادارة موارد المياه, وتحقق تونس تقدما على هذا الطريق لكن ببطء, وطرحت الجزائر بعض المناقصات مؤخراً لتكليف شركات بإدارة المياه. والذي يدفع الى ذلك هو ترشيد استخدام المياه من ناحية وتجديد شبكات توصيل المياه والصرف من ناحية اخرى. وسوف يكون هناك نمواً سريعاً في السنوات الخمس المقبلة في دخول القطاع الخاص لهذا المجال. وهناك إتجاه كبير لنظام (البوت) أو الإنشاء والإدارة ثم تسليم المشروع, خاصة في مصر حيث طرحت الدولة مناقسة لمشروع بتكلفة 200 مليون دولار لتوصيل المياه الى منطقة السويس, وطرحت الكويت أيضاً مشروعاً بتكلفة 350 مليون دولار لمعالجة المياه في منطقة الصليبية. غير أن الاتفاق الحكومي والمؤسسات غير الحكومية سوف يستمر في دوره الحيوي في تنمية موارد المياه وإدارة مشروعاتها. وقد لعب البنك الدولي دوراً في هذا المجال في الاردن والجزائر من خلال استثمارات كبيرة, وسوف يأتي دور القطاع الخاص لاحقاً, لكن هناك حواجز سياسية ومؤسساتية في هذا السبيل. في الاردن من حق الدولة فقط أن تملك المياه, والمشروعات التي يشارك فيها القطاع الخاص, لا يحق له إلا إمتلاك وسائل نقل المياه فقط. وفي السعودية يدرسون دخول القطاع الخاص في قطاع إدارة المياه, وقضية ملكية المياه ليست هي الوحيدة المثيرة للجدل, فقد آثار مشروع إعادة تكرير المياه في الصليبية في الكويت جدلاً حول ما إذا كانت المياه الناتجة ستكون صالحة للاستخدام, وخاصة في الوضوء. وقضايا المياه مطروحة على جدول الأعمال في دول المنطقة وفي الأروقة السياسية, وسوف تزداد أهمية مع تناقص موارد المياه وسوء إدارة شبكات توزيعها, التي تؤثر على مناطق أخرى أيضا, وسوف يزداد عدد القضايا المتأثرة بالمياه وذات العلاقة بها مع نمو الزراعة والصناعة والمراكز الحضرية, وفي نفس الوقت تزايد ندرة موارد المياه, لكن الحلول المبتكرة لمشكلة المياه قد تجنب ظن من يتوقعون نشوب الحروب بسببها.