منذ عقد من الزمان كان من الصعب ان نتصور انه في نهاية القرن لن يتفق الاقتصاد العالمي مع الصعود الاقتصادي الامريكي بهذه الطريقة المثيرة على مستوى العالم او ان المدافعين عن حرية السوق سوف يحتفلون بانتصار رأسمالية السوق بينما كثيرون حول العالم يتساءلون عن ثمن هذا الانتصار . وقد انتهى عام 1989 كما لو كانت نهاية القرن وان الاعوام المتبقية منه سوف تكون اعوام اليابان وجيرانها في آسيا لكن التسعينيات اثبتت انه ليس عقد سعد اليابان. ففي عام 1989 اسقط حائط برلين وكانت التعديلات الاقتصادية والسياسية من اجل زيادة تحرير السوق لا تزال في البدايات, قبل ذلك لم يكن من الممكن توقع هذه التعديلات, فقد تقدمت بولندا في الاتجاه بأسرع مما هو متوقع, وثبت ان الحماس السابق في تحرك روسيا نحو اقتصاد السوق كان مبالغا فيه. لكن بعد مرور عشر سنوات فإن مساعدات مليارات الغرب في دعم الرأسمالية بالصورة التي يريدها؟ يبدو انها ضاعت هباء برغم انه ليس من الواضح اذا ما كانت استراتيحية مختلفة قد تؤدي الى نتيجة اخرى ام لا. ومن كان يستطيع منذ عشر سنوات ان يتوقع ضغوط العولمة؟ وكيف كانت تمزق نفسية العامل في شركة مثل نيسان اليابانية مثلا الذين قالوا لاحدى الصحف انهم كان يعتقدون ان الوظيفة الثابتة تعني ان يستمر العامل في عمله طوال عمره. او من كان يتخيل ان الاسابيع الاخيرة من الالفية كانت التوترات الناجمة عن عقد من العولمة سوف تؤدي الى المشاهد المؤلمة التي حدثت في سياتل مع انخفاض البطالة في الولايات المتحدة الى مستويات قياسية وارتفاع مستويات الازدهار؟ او ان كل من عانى من الرأسمالية سوف ينتهز الفرصة لسكب الزيت على النار لاذكاء الغضب ضد منظمة التجارة العالمية؟ بالطبع لم يكن ذلك وارداً ضمن اطار التوقعات مع انتهاء الالفية الثانية. كان يبدو من اشهر قليلة ان هناك من يحاول قياس فترة استمرار التوسع الاقتصادي الامريكي وسرعة الانتعاش الاسيوي, او مستقبل اليورو (الاوروبي) . ان الدرس المستخلص من فترة التسعينيات هو ان السياسة العالمية والاقتصاد العالمي ليسا منفصلين فضلا عن ان كلاً منهما يجعل من المستحيل توقع الآخر. غير ان التوترات الاقتصادية العالمية اسهل من حيث التوقع مقارنة بالنتائج الاقتصادية ذاتها, ومن المتوقع ان يظهر تأثير هذه التوترات خلال السنوات القليلة المقبلة وهذه بعض امثلة الادلة على ذلك: سياتل كانت مجرد بداية: من المتوقع خلال السنوات الخمس المقبلة ان يزداد الغضب ضد العولمة سوءاً وحدة, من المؤكد ان المتظاهرين الذين اخرجوا محادثات التجارة الدولية عن مسارها في اواخر نوفمبر ومطلع ديسمبر العام الماضي لم يتفقوا بين انفسهم على خطة محددة, ومن غير المحتمل ان المتعصبين الذين ذهبوا الى سياتل سوف يتقدمون الى جبهة الجدال. لكن الجماعات الرئيسية التي اوصلت اصواتها الى العالم مثل الاتحادات العمالية وجماعات الحفاظ على البيئة وغيرهم بدأوا يستجمعون جام غضبهم اكثر من اي وقت مضى ولديهم كثير من الحلفاء في انحاء العالم. في أي مكان تطأ فيه قدمك هذه الايام في طوكيو أو مومباي او بروكسل, تجد نفس الشىء, وهي ان الولايات المتحدة تحاول توجيه التجارة العالمية الى مصلحتها الخاصة ورغبتها في امتلاك العالم والسيطرة عليه, ان الولايات المتحدة بالتأكيد تريد اعفاء نشاط الانترنت من الجمارك لان اكبر المستفيدين من ذلك هم ميكروسوفت وامريكا او ملايين التجار الامريكيين, ملوك الانترنت, بالطبع ليس هناك جديد في هذه الشكوى. وتعبر اوروبا عن غضبها من الشركات الامريكية متعددة الجنسيات منذ الستينات لكن تبوؤ الولايات المتحدة مكانة اقوى قوة اقتصادية وعسكرية في العالم ودورها في تصدير الثقافة المحبوبة والشعبية قد اثار موجة جديدة من الغضب. السؤال الذي يطرحه العالم النامي هو ما فائدة ذلك لنا؟ هذا ما قالته الممثلة التجارية الامريكية في محادثات سياتل واضافت انهم يريدون اعادة فتح ملفات تحرير السوق خلال العقد الماضي والحصول على مزيد من الوقت وصفقات افضل. والاكثر من ذلك ان قوة الدفع السياسية لاستغلال التجارة في حل مشاكل العالم الاخرى قد تسير بشكل اسرع. نفس المجتمع الدولي الذي اصدر عام 1998 على ان العالم سوف ينتهي اذا لم يساعد احد روسيا, يضغط الآن من اجل قطع مساعدات صندوق النقد الدولي عن موسكو احتجاجا على ما تفعله في الشيشان. هذه الخيارات بين اخلاقياتنا وحتمياتنا السياسية وحساسيتنا الاقتصادية تزداد صعوبة عاما بعد آخر على المستوى العالمي, ومحاولة الربط بين العمالة والبنية من ناحية والاتفاقيات التجارية من ناحية اخرى سوف تزيد من التوترات وتثير الديمقراطيات الصناعية ضد الدول النامية المتأكد ان هناك نوعا من التلاعب في النظام التجاري العالمي ليكون اكثر صعوبة عليهم وعدم تحقيقهم للازدهار من خلال زيادة الصادرات. قد لا يؤثر كل ذلك على التجارة العالمية, التي ارتفعت خمسة اضعاف منذ عام ,1950 لكن هذا قد يجعل الاقتصاديات الدولية هي ميدان المعركة الجديد. الانقسام سوف يزداد حدة شهدت الأعوام الخمسة الماضية انقساما شديدا الى ثلاث جبهات بين المشاركين في الاقتصاد العالمي. تقود الولايات المتحدة جبهة انفتاح العالم كله على نفسه وارتباط جميع اطرافه ببعضها البعض, وبلغ اختراقها لاجهزة الحواسب الشخصية والهواتف المتحركة واستخدام الانترنت مداه وتدفع الاقتصاد الجديد من هذا الباب, وتتبع اوروبا الولايات المتحدة في هذاالمجال, كما تسير اليابان على نفس الطريقة. لكن الكثير من الدول في العالم لاتزال تكافح للحصول على الهواتف الثابتة في المنازل, ولديها جيوبا من المهارات التكنولوجية العالمية لكنها تفتقر الى البنية التحتية. وهناك نصف سكان العالم البالغ عددهم ستة مليارات نسمة, يعيشون على اقل من دولارين يوميا, حسب احصاءات البنك الدولي. ومن جانب اخر هذه فرصة اقتصادية كبيرة, حيث ان انتشار التجارة الالكترونية يمكن افقر الدول في العالم من الدخول في دائرة الاقتصاد العالمي اسرع من أي وقت مضى, لكن في الوقت نفسه يبدو من المحتمل ان يسرع الاقتصاد الجديد من عملية تكوين الثروات لدى اغنى الدول مقارنة بالاخرين. وحتى في اغنى الدول فان وصول الاقليات والفئات الفقيرة لحيازة اجهزة حاسب آلي والاشتراك في شبكة الانترنت يبدو غير محتمل, مما يشير الى ان الانقسام في العالم سوف يكون واضحا داخل البلد الواحد ايضا. اليابان والصين اليابان في طريق العودة الى سابق عهدها, والصين تسرع بالتحول الى اقتصاد السوق. هذا ما يبدو على السطح, لكن نظرة اكثر عمقا سوف توضح المعارك التي لم تحسم والتي سوف تستمر سنوات اخرى. اليابان والصين هما الورقتان الرابحتان في السنوات الخمس القادمة, لكنهما اكبر المخاطرين ايضا. ولاشك ان هناك انباء سارة عن اليابان. المستثمرون الاجانب يسعون وراء الأصول اليابانية ويتقدمون نحو ادماج الشركات والتخلص من العمالة الزائدة. والمستهلكون عادوا للانفاق مرة اخرى. ويبدو ان اليابان, ثاني اكبر اقتصاد في العالم سوف تفعل ما تريد في أقرب وقت لتتماسك وتحتفظ بهذه المكانة. لكن كما هو الحال دائما في اليابان, مع تحسن الانباء الاقتصادية, تفتر العزيمة السياسية. ينسحب رئيس الوزراء الياباني كيزو اوبوتشي الذي يواجه احتمال انتخابات مبكرة, عن اصعب الاصلاحات الاقتصادية, ويقول انه يؤيد اعادة الهيكلة, لكن ليس اعادة الهيكلة الشاملة المعروفة في الولايات المتحدة وأوروبا, ومعنى ذلك عدم سماحه بأي تسريح للعمالة ما دام هو في السلطة. لكن الشركات اليابانية تأخذ أوامرها الآن من السوق العالمية, حتى مع عدم قدرة السياسيين على الاعتراف بأن النموذج الياباني القديم قد انتهى. ان السنوات العشر او الخمس عشرة المقبلة سوف تشهد معركة بين الذين يريدون اجراء اصلاحات تتفق مع قواعد السوق والذين يتدخلون في هذه الجهود من جانب الحكومة. واذا فاز أصحاب الاصلاحات, سوف يرجع ذلك الى حد كبير الى افلاس الحكومة وعدم قدرتها على الاستمرار في ادارة العجلة. لكن بقية العالم يراقب, لأنه اذا استطاعت اليابان مقاومة الرأسمالية ذات الطراز الامريكي, سوف يأمل في ذلك الاخرون ايضا. لكن حالة الصين اكثر تعقيدا, ان موافقتها على زيادة فتح اسواقها مقابل دخولها في عضوية منظمة التجارة العالمية هو بداية المعركة, وليس نهايتها, وسوف تستغل الصناعات التي تريد محاربة الانفتاح وتثيرها ضد المسئولين الحكوميين بقيادة رئيس الوزراء الذي يرى ان المنافسة وحدها هي التي سوف تعطي الصناعات المتعثرة لياقة وقوة جديدة, لكنها سوف تثير الحكومة ضد نفسها ايضا, فرئيس الوزراء يراهن على ان الحزب الشيوعي يمكن ان يفتح الاقتصاد دون ان يفقد السيطرة على النظام السياسي, لقد فعلت سنغافورة ذلك ونجحت لكن سنغافورة دولة صغيرة جدا. وقال وزير الخزانة الامريكي في بداية العام الماضي ان مصير الاقتصاد العالمي يتوقف على مصير الاقتصاد الامريكي, وان الاخير يعتمد على البورصة, ومصير البورصة الامريكية يعتمد على حفنة صغيرة من الاسهم, لقد كان محقا في ذلك. لكن الوزير قال بعد ذلك ان رؤيته جرى تسطيحها بدرجة كبيرة وانه كوزير للخزانة, لا يراهن على البورصة, لقد كان واضحا انه قلق لأن بعض قطاعات البورصة تجاوزت اساسيات الاقتصاد الامريكي القوية, مثل انخفاض معدلات البطالة وارتفاع الانتاجية, ويبدو ان المخاطرة الكبيرة الجديدة في الاقتصاد العالمي تقتصر على الولايات المتحدة وحدها.