يعتبر البعض قطاع المقاولات في أية دولة ـ نظرا لحجم الاستثمارات التي تصب من خلاله مقياسا ومرآة لقوة الاقتصاد ونموه فعندما يزداد حجم النشاط وتكثر المشاريع حكومية كانت أم خاصة فإن ذلك يعد مؤشرا ايجابيا على وجود انتعاش وإذا حدث العكس يشير ذلك إلى حالة من الركود والتراجع . وعلى هذا الأساس وبالتطبيق على الوضع في دولة الامارات نجد ان حالات صعود وهبوط, توسعات في البناء وعلى جميع الأصعدة ثم ركود, فانتعاش. وهكذا ولا ينكر أحد ان معظم القطاعات تأثرت بفعل عوامل داخلية وأخرى خارجية, العوامل الداخلية تمثلت في غياب السيولة عن السوق منذ أغسطس عام 98 بسبب أحداث سوق الأسهم, بالاضافة إلى زيادة المنافسة بين شركات المقاولات العاملة داخل الدولة حيث تزايدت بشكل كبير, وهناك من يديرون أو يؤسسون شركات مقاولات يتكسبون منها رغم انهم لا يعلمون شيئا عن المقاولات, أما العوامل الخارجية فتمثلت في انخفاض أسعار البترول مما أثر على طرح مشاريع حكومية متعددة وأجلت بعضها. في هذا التحقيق نذهب إلى المختصين لاستطلاع آرائهم حول مستقبل قطاع المقاولات والسلبيات التي تؤثر عليه خاصة ونحن في بداية قرن جديد سيشهد تحولات على الساحة العالمية الاقتصادية ستطال بتأثيراتها السوق المحلية وبكافة قطاعاتها وأولها قطاع المقاولات. 20 مليار دولار في البداية كان لابد من التوجه بسؤال مباشر إلى الشخصيات المسئولة أو صاحبة الرؤية في هذا القطاع: هل يوجد تراجع أو ركود بقطاع المقاولات؟ الآراء اختلفت, البعض رأى ان لا ركود, وآخرون أشاروا إلى ركود, يقول رئيس جمعية المقاولين بالدولة أحمد سيف بالحصا ان قطاع المقاولات لا يمر بحالة ركود أو تراجع مشيرا إلى ان حجم الاستثمارات في هذا القطاع قد وصل تقريبا إلى 20 مليار درهم عام 99 ولكنه أشار إلى ان هذا الرقم عبارة عن توقعات لعدم وجود احصاءات دقيقة عن تكاليف المشروعات المنفذة على مستوى الدولة نظرا لغياب مراكز معلومات متخصصة في هذا المجال. ولكن - والكلام لرئيس جمعية المقاولين - يمكن القول ان قطاع المقاولات يمر بمرحلة جديدة عبارة عن تحول وتغير في نوعية المشاريع خاصة بعد اكتمال مشروعات البنية الأساسية في معظم امارات الدولة وظهور اتجاه متنام وقوي للمشاريع التي تربط امارات الدولة مثل الطرق الخارجية, ومشروعات كبيرة أخرى لم تشهدها الدولة منذ سنوات مثل مشروع السعديات وتلال الامارات, والتوجه إلى اقامة المزيد من الفنادق الكبرى والأبراج السكنية والمجمعات التجارية والسياحية بمئات الملايين من الدراهم وهذه المشروعات تتطلب وجود نوعية مميزة من شركات المقاولات تكون لديها الخبرة والامكانيات لكي تنفذ مثل هذه المشروعات. حجم الاستثمار إلى الارتفاع وإذا كانت التقديرات تشير إلى ان اجمالي الاستثمارات بقطاع المقاولات هذا العام 20 مليار درهم بالعام 99 مقابل 18 مليار درهم بالعام 98 فإن ذلك يعني زيادة قدرها 10% مما يؤكد عدم وجود تراجع. وجهة نظر مختلفة المهندس أحمد الرستماني رئيسة جمعية المهندسين يشير إلى انه خلال الثلاثة عقود الماضية رأينا حالات مد وجزر ويشير الرستماني وهو يختلف بذلك مع رئيس جمعية المقاولين اننا في الوقت الراهن نلاحظ وجود نوع من الركود الاقتصادي وهي فترة انكماش, وخلال فترات الانكماش تزداد المنافسة وتحرق الأسعار وتخسر معظم الشركات العاملة. ويوضح الرستماني ان المكاتب الاستشارية الهندسية تواجه مصاعب خاصة الوطنية, منها المنافسة غير المتكافئة مع المكاتب الاستشارية الاجنبية التي تتوافر لديها امكانيات كبيرة, ولذلك يجب إسناد تنفيذ المشروعات الحكومية الى بعض المكاتب الوطنية الاستشارية خاصة وان بعضها وصل الى مستويات عالمية ولدى العاملين فيها الخبرات اللازمة التي تؤهلها للقيام بذلك بكفاءة واقتدار. وقال الرستماني: ان مرحلة الركود هذه ستعقبها مرحلة انفراج خاصة وان أسعار البترول بدأت تتحسن كما ان الدولة تتجه الى تنويع مصادر الدخل بعيدا عن البترول. وقطاع المقاولات يمكن ان يلعب دورا كبيرا في تنويع مصادر الدخل, ولذلك لابد من الاهتمام بالشركات العاملة بقطاع المقاولات وأن يكون هناك احلال تدريجي للشركات الوطنية محل الشركات الاجنبية حتى نضمن بقاء الاموال والاستثمارات داخل الدولة ومساهمتها في التنمية بدلا من تحويلها الى الخارج خاصة وان المرحلة المقبلة ستشهد تحولا نوعيا بالاستثمارات في هذا القطاع سواء في تحديث البنية التحتية أو اقامة المصانع وزيادة الانفاق في اقامة المنشآت السياحية والترفيهية والاتجاه لربط مدن الدولة بالطرق السريعة, كما ان المرحلة المقبلة ستشهد توسعا في العمل خارج الدولة سواء تمثل ذلك في اقامة مشاريع استثمارية مشتركة أو حتى تنفيذ مشروعات في الخارج, ولذلك لابد من وجود دعم حكومي بضرورة مشاركة شركة المقاولات الوطنية في تنفيذ هذه المشروعات عند توقيع الاتفاقات الاستثمارية مع دول عربية أو أجنبية وهي فرصة لاتاحة المجال للشركات للانتشار خارج الحدود خاصة اذا علمنا اننا نقوم في الامارات بالتبرع باقامة مشروعات خيرية بالخارج. حرب الاسعار ويضيف الرستماني انه بعد نجاح الشركات الوطنية في تنفيذ العديد من المشروعات العملاقة والمتميزة فيجب على الجهات الحكومية ان تعطي الأولوية لهذه الشركات في تنفيذ المشروعات, أو على الاقل التدخل من جانب الدولة للحد من منافسة الشركات الاجنبية للشركات الوطنية ووضع حد لحرب الاسعار التي عادة ما تنتهي لصالح الشركات الأجنبية نظرا للامكانيات الكبيرة سواء المادية أو الفنية, كما ان سفارات الدولة مطالبة بتوفير معلومات عن المشروعات التي يمكن للشركات الوطنية تنفيذها في البلدان العربية والاجنبية, ولذلك اقترح ان تكون هناك هيئة أو قناة معينة تتوافر فيها معلومات عن فرص العمل لشركات المقاولات بالخارج. قيود وشروط وقال المهندس احمد الرستماني انه لابد من تشكيل هيئة مكونة من جمعية المهندسين والمقاولين والبلديات تكون مهمتها فحص طلبات الترخيص بفتح شركات مقاولات جديدة حتى نضمن أداء جيداً لقطاع المقاولات والقضاء على حالة التذبذب في أداء قطاع المقاولات. وعلى سبيل المثال فقد وجدنا في حالات الطفرة البعض يلجأ لتأسيس شركات مقاولات بغض النظر على مؤهلاتهم وامكانياتهم وهؤلاء لم يكونوا متفرغين لهذه الشركات, بل يجب ان يكون صاحب الترخيص قائما على رأس شركته ومتفرغا لها ولابد من وضع معايير محددة لمزاولة مهنة المقاولات أو الاستثمارات الهندسية, وفي هذا الصدد لابد من تخيير موظفي الدولة بين العمل التجاري والخاص لأن الجمع بين العملين ليس له ما يبرره. وأشار الى ان زيادة عددة الشركات تظهر آثاره السلبية في وقت الازمات أو التراجع, حيث حرب الأسعار السلبية في وقت الازمات أو التراجع, حيث حرب الاسعار بين الشركات التي تتنافس حتى على المشروعات الصغيرة لتغطية المصاريف ومحاولة البقاء في السوق, ولذلك من الضروري تدخل الجهات المسئولة لأن تعرض بعض الشركات للتعثر والاغلاق نتيجة هذه المنافسة غير المنطقية مما يصيب الاقتصاد الوطني بالضرر. رأي المنتجين من جهته يؤكد سليم الصايغ المدير الشريك بشركة مصانع الاصباغ الوطنية ناشيونال ان قطاع المقاولات بخير ولا يوجد ركود بمعنى الكلمة, ولكن هناك فترات تعيشها الاسواق نحتاج فيها الى فرصة لالتقاط الانفاس وهذا يحدث ليس في سوق الامارات فحسب بل في كل الاسواق. وقال الصايغ اننا في قطاع الاصباغ مثلا لم نلمس أي تراجع في الطلب بل هناك زيادة 20% عن العام السابق, كما ان مصانعنا بكامل طاقتها ويوجد حجز مسبق للانتاج, وليس الأمر ينطبق على الأصباغ فقط فالكابلات والأسلاك الكهربائية يوجد زيادة بالطلب عليها وايضا السيراميك والبلاط والرخام والعديد من مواد البناء. وأوضح الصايغ ان بعض وكلاء مواد البناء الأجنبية يوجد تراجع في الطلب لديهم وذلك لان المنتج الوطني أصبح على درجة عالية من الجودة وأسعاره منافسة وأرخص ولذلك زاد الطلب على مواد البناء الوطنية مقابل الأجنبية. ولكن المهندس أحمد الرستماني له رأي آخر ويقول: أنا مع ما ذهب اليه الصايغ من ان المنتج الوطني أصبح على درجة عالية من الجودة, ولكن في مقابل ذلك فاننا كاستشاريين نستشعر وجود ركود بالسوق ونجد صعوبة في رفع رواتب موظفينا في الوقت الحالي, وليس معنى ذلك ان قطاع المقاولات في خطر أو يهدد بكارثة بالعكس فهذا القطاع في وضع جيد مقارنة بغيره في دول مجاورة, كما ان المشروعات الحكومية العملاقة التي يعلن عنها تؤدي الى نمو هذا القطاع. الاندماج ودعا رجل الأعمال محمود خير الله صاحب شركة خير الله للمقاولات الى وجود كيانات كبيرة وذلك بالاندماج بين شركات المقاولات الكبرى في الدولة على اعتبار انها السبيل الوحيد الأمثل لمواجهة المرحلة المقبلة والتي سترى فيها الشركات العالمية العملاقة تطرق أبوابنا كما ان وجود كيانات وطنية قوية ستفتح لنا الأسواق المجاورة. انحسار وتقلص أما المهندس بسام سعيد مدير الشركة الذهبية للمقاولات فيؤكد ان الشركات الكبرى لم تتأثر كثيراً بفترة الركود الحالية لأنها دائماً تحظى بالمشروعات العملاقة, أما الشركات الصغيرة والتي غالباً ما تعمل من الباطن فقد تأثرت كثيراً بل ان البعض مهدد بالتوقف عن العمل. وأشار الى ان الفترة المقبلة ستشهد انحساراً بعدد الشركات القائمة والبقاء سيكون للأقوى مؤكداً على ضرورة قيام الشركات باعادة هيكلة اداراتها لاستيعاب المفهوم الحديث للمنافسة والقائم على الجودة وسرعة الانجاز. وهذا يتطلب ادارات تنفيذية ذات كفاءة وقدرات عالية على اتخاذ القرار, وجلب أحدث المعدات وأشار الى ان العديد من الشركات التي قامت على أسس تجارية فقط والتي استهدف أصحابها اللعب على هامش السوق سوف تختص لعدم المامها بأصول العمل بقطاع المقاولات والقائم على الجودة أولاً. مشروعات عملاقة وأشارت مصادر بقطاع المقاولات الى ان مستقبل القطاع واعد وان الشركات التي أسست وقامت على نظم جيدة هي التي ستبقى بالسوق حيث ان استكمال البنية الأساسية والحاجة المتزايدة الى النمو والبناء تؤكد ان هذه الشركات سيكون لها نصيب الأسد من المشروعات العملاقة الكبيرة التي تعلن على مستوى الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية والتي تقدر بمليارات الدراهم سنوياً, وإذا كان هناك تشبع ببعض قطاع الاسكان فان هذا التشبع وقتي ومتغير ويرتبط بفرص العمل. العقار والمقاولات ويؤكد رجل الأعمال خير الله حجي ان العقارات والمقاولات مرتبطان ويؤثر كل منهما على الآخر فإذا حدث انتعاش بالعقار قابله انتعاش مماثل بالمقاولات وهذه هي نظرية سائدة ومعروفة, ولكن أحياناً يحدث فك ارتباط بين القطاعين فمثلاً قد يكون هناك تراجع بالعقار وانتعاش بقطاع البناء والمقاولات فقد تكون هناك مشروعات حكومية لشق وتعبيد طرق أو إقامة منشآت سياحية وتجارية عملاقة وهذا ينعش العمل بالشركات العاملة بالمقاولات وسيولة بقطاع العقارات. تحقيق: مصطفى عويضة