حذرت دراسة بريطانية من تعرض العمالة العربية في دول أوروبا لضغوط كبيرة من أهمها عدم شمول تطبيق مبدأ حرية التنقل للجالية العربية الذي يعد من أهم مبادئ الميثاق الموحد لأوروبا عام 1993 وهو ما يمثل استثناء تمييزيا يتعارض مع فكرة وجود سوق موحدة وأيضا مع الاتفاقيات الدولية في هذا الصدد وخاصة اتفاقيات منظمة العمل الدولية . وأشارت الدراسة التي أصدرها مؤخرا مركز الدراسات البرلمانية بمجلس الشعب المصري إلى أنه من بين تلك الضغوط ارتفاع نسبة العاطلين من المهاجرين العرب في أوروبا خاصة وأن تكوينهم لا يسمح بإعادة توجيههم وتأهيلهم للعمل في التخصصات الجديدة التي تتطلبها إعادة الهيكلة الصناعية وتحديث أدوات الإنتاج في أوروبا. ونبهت الدراسة إلى تزايد الأفكار والقيادات العنصرية في أوروبا والتي تجد في جو الأزمة الاقتصادية مجالا فسيحا للانتشار والادعاء بأن المهاجرين يزاحمون المواطنين الأوروبيين في العمل والسكن. وحذرت الدراسة من انخفاض نسبة نجاح أبناء المهاجرين العرب وتعثرهم في استيعاب نظم التعليم الأوروبية وأيضا توجههم نحو شعب التعليم القصيرة وهو الأمر الذي يجعلهم يعانون كثيرا في سبيل حصولهم على فرص عمل. وكشفت الدراسة عن أن تكدس المهاجرين العرب في أحياء سكنية مكتظة بالسكان وفقيرة في الإمكانيات ينجم عنه مضاعفات سلبية كثيرة قد تساهم في دفع الأجيال الجديدة من المهاجرين نحو الانحرافات الاجتماعية مشيرة إلى أنه قد تمخض عن هذه الأوضاع تفشي ظاهرة العنصرية التي مرت بتطورات قد تهدد أمن واستقرار الجاليات العربية المقيمة بأوروبا. ودعت الدراسة إلى وجود تشاور حقيقي بين الدول العربية والأوروبية بشأن قضية الهجرة ونبهت إلى أن الدول الأوروبية أصبحت تأخذ تحت تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية قرارات أحادية كما أنها تتراجع في شأن حقوق مكتسبة ومستقرة للمهاجرين في الوقت الذي لا تدعو حكومات دول الجنوب للتعاون معها إلا في مقاومة الهجرة غير المنظمة. وأكدت الدراسة أن حقوق المهاجرين هي من حقوق الإنسان كما أنه لا يمكن القبول بالتمييز في ا لسكن والعمل وسائر الأمور الأخرى وأن حقوق التنقل والتجمع العائلي والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية لبلدان الإقامة من الحقوق التي لا يمكن حرمان المهاجرين منها كما جاء في ميثاق أوروبا عام .1993 كما أكدت الدراسة ان ضمان حقوق المهاجرين وأمنهم واحترام كرامتهم ومساندة بلدان الجنوب الرامية لخلق العمل فيها هي السبل الكفيلة بحل قضية الهجرة وفتح آفاق رحبة للتعاون بين الأطراف المعنية في هذا الصدد . وطالبت الدراسة البرلمانية بضرورة وجود استراتيجية طويلة المدى لدعم إقامة منطقة مستقرة وآمنة وتهيئة الظروف لتنمية اقتصادية دائمة ومتواصلة خاصة وأن تدفق المهاجرين من دول جنوب وشرق البحر المتوسط قد اتخذ بعدا يستتبع مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية وإنسانية في الأقطار المضيفة والأصلية وهو ما يقتضي لمواجهة هذه المشكلات جهودا مشتركة وتعاونا أوثق في الميادين السياسية والأمنية. وأوصت الدراسة الدول الأوروبية بضرورة المساهمة في تحقيق معدلات نمو مرتفعة في دول الجنوب مع زيادة حجم التجارة بينها وبين تلك الدول بما يوفر فرص عمل إضافية تساعد على الاستقرار الإقليمي وتعزز بدورها التعاون الإقليمي. وأكدت أن دول الجنوب لا تحتاج فقط لمساعدة مالية من دول الشمال بل تحتاج أيضا للمساعدة في صياغة نموذج جديد للتنمية يحقق التقدم الحقيقي بكافة أبعاده عن طريق اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في دول جنوب المتوسط. وحثت الدراسة المفوضية الأوروبية بضرورة وضع سياسة واضحة تجاه المهاجرين مع التشاور مع بلدان المنشأ قبل اعتماد هذه السياسة وأن يكون الحوار المتواصل هو الوسيلة الأجدى التي يمكن الاستناد إليها. وأكدت أن التقدم الاقتصادي والاجتماعي لأقطار شواطئ المتوسط الجنوبية لا يزال أمرا لا يمكن فصله عن تخفيف الديون عن هذه الدول وهو ما يحتم على الدول الأوروبية دراسة إجراءات تهدف إلى احتواء وتصاعد هذه الديون. ودعت الدراسة إلى زيادة حجم المعونة المقدمة من التكنولوجيا ورؤوس الأموال الأوروبية من أجل تقليل الاختلال الكبير بين ضفتي المتوسط حتى تستطيع دول الجنوب تحقيق عملية الانطلاق الاقتصادي لتتمكن من تجاوز الصعوبات والمشكلات التي تواجهها. وطالبت بضرورة حدوث تكامل بين المساعدات الثنائية ومتعددة الأطراف العامة والخاصة لتجنب الازدواجية والتداخل والتنمية العشوائية وأيضا تمويل برامج التنمية في دول المصدر وتحسين شروط التبادل التجاري مع دول جنوب وشرق البحر المتوسط والعمل على احتواء الآثار الاجتماعية السلبية للإصلاحات الاقتصادية. كما طالبت بضرورة أن تتعهد دول الشمال بتخصيص حقوق المهاجرين في تشريعاتها الوطنية كما هو معلن في القانون الدولي وأيضا تشجيع إقامة بنوك تنمية مشتركة عربية ـ أوروبية لأهميتها البالغة في دعم عملية التنمية في البلاد العربية. واقترحت الدراسة انتهاج بعض الإجراءات والسياسات لحل مشكلة الهجرة وانتقال الأيدي العاملة منها تطوير نظم التعليم لسهولة اكتساب المهارات والكفاءات وتوفير فرص العمل بإقامة مشاريع اقتصادية تعتمد على الموارد الأولية المحلية وضمان استمرار الصلة بين العالمين في الخارج والوطن الأم. وأشارت إلى أنه من بين تلك الإجراءات والسياسات تطبيق نظام التأمين الإجباري على العاملين في الخارج وسن التشريعات واتخاذ الإجراءات التي تحول دون وقوع المهاجرين في براثن الاستغلال إلى جانب ترشيد استخدام تحويلات العاملين بالخارج وتنظيم آثارها التنموية مع وضع السياسات اللازمة لمواجهة مشكلة إعادة استيعاب العمالة العائدة من الخارج وتسهيل عودتهم إلى بلادهم الأصلية. وشددت الدراسة على ضرورة اتخاذ الدول العربية لخطوات من شأنها الإسراع بعملية التنمية مثل توفير المناخ المناسب للاستثمار الأجنبي والإسراع بصياغة وتنفيذ سياسات وطنية تهدف للإسراع بالتنمية وحماية المشاركة الكاملة من جميع أفراد المجتمع فيها. ودعت الدراسة إلى ضرورة صياغة عملية التكيف والإصلاح الاقتصادي وفقا للخصوصية الوطنية لكل دولة مع تحقيق التوازن بين حقوق الفرد والمجتمع واتخاذ كافة التدابير التي من شأنها القضاء على حركة الهجرة الخفية والتشغيل غير القانوني للمهاجرين وذلك لمنع وإزالة حالات التعسف والاستغلال في مجال التوظيف. وأشارت إلى أن التعاون المستمر بين دول الشمال والجنوب المتوسطي في مناقشة قضايا الهجرة يمكن أن يحقق العديد من النتائج الايجابية, ودللت على ذلك بما تحقق بالفعل في هذا الشأن من قرار إعلان خاص بالمبادئ التي تحكم ظروف معيشة وعمل العمال الاجانب في المنطقتين الذي تم في الدورة الرابعة للجنة العامة للحوار العربي الأوروبي في دمشق عام 1978. يذكر أن حجم الهجرة العربية في بلدان الاتحاد الأوروبي يقدر بنحو ثلاثة ملايين عربي, بينهم قرابة مليون وربع المليون من العمالة ولا يدخل في هذا التقدير مجمل الجاليات العربية في أوروبا ذات الأصول العربية أو الطلبة او ذوي الاقامة المؤقتة للسياحة.