بدأت شركة (بريتش غاز) البريطانية عمليات التنقيب والاستكشاف عن الغاز الطبيعي في المياه الاقليمية الفلسطينية قبالة سواحل قطاع غزة.وقال مسئول رفيع المستوى في السلطة الوطنية الفلسطينية انه تم توقيع عقد بين السلطة و(بريتش غاز) في اكتوبر الماضي بقيمة 500 مليون دولار للبدء في عمليات استكشاف وانتاج الغاز الطبيعي . ومنحت السلطة الشركة البريطانية حقوق الامتياز للتنقيب واستخراج الغاز الطبيعي لمدة 20 عاما من الاراضي الفلسطينية, وجاء هذا الاتفاق نتيجة مفاوضات شاقة بين الجانبين حسمها تدخل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لاتمامه. وكان الدكتور علي شعث وكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي قد وقع الاتفاق المذكور في لندن مع رئيس شركة (بريتش غاز) خلال شهر نوفمبر الماضي. ويقول المسئول الذي رفض الكشف عن اسمه ان احتياطيات الغاز في أراضي الساحل الفلسطيني تكفي للاستهلاك المحلي والتصدير لدول مجاورة ايضا, ووافقت الحكومة الاسرائيلية على قيام شركة (بريتش غاز) بالتنقيب في الاراضي الفلسطينية باعتبارها خاضعة للحكم الذاتي. ويعلق المسئولون الفلسطينيون آمالا كبيرة على استخراج الغاز لتغذية محطة توليد الكهرباء وتحلية المياه التي يجري العمل على انشائها في غزة منذ خمسة أشهر. وذكر مسئولون في السلطة الفلسطينية ان استخراج الغاز من المنطقة الممتدة من رفح الى خان يونس جنوب فلسطين لن يؤثر على مشروع خط أنابيب السلام الذي سينقل الغاز من سيناء الى العريش والاراضي الفلسطينية واسرائيل. وقال محمد بسيوني سفير مصر لدى اسرائيل ان بلاده ستبيع الغاز الطبيعي الى اسرائيل والسلطة الفلسطينية. وأوضح ان خط أنابيب السلام سينقل الغاز عبر خط أنابيب بري حتى العريش في شمال سيناء, ثم يصبح بحريا بعد ذلك ولاحقا سيصل الى سوريا ولبنان. ويذكر ان مصر أكملت تمديدات انبوب نقل الغاز من سيناءالى العريش والمرحلة الثانية ستمتد الى الاراضي الفلسطينية واسرائيل ومن المقرر ان ينفذ هذا المشروع تحالف شركات امريكية وبريطانية وفرنسية. فالناس في غزة خاصة ابناء المخيمات المكتظة بالسكان الذين يعيشون تحت مستوى المجاري وتحت خط الفقر المدقع وتحت الهم اليومي الخانق ينظرون الى أبوفلان أو أبوعلان وقد شيد فيلا بملايين الدولارات في حين ان اقامته في غزة لم تتعد سوى بضعة أشهر وآخر انشأ برجا سكنيا عملاقا وقد جاء الى غزة بحقيبة ملابس صغيرة والغريب ان هؤلاء (الابوات) القدامى كانوا يعيشون خارج فلسطين دون أية ملكية للأرض أو أرصدة خاصة داخل فلسطين, غير ان حياتهم الرغدة في غزة أو رام الله فتحت سيلا من التساؤلات عن طرق الثراء التي سلكوها بهذه السرعة. ويشير الناس هناك علنا الى أسماء معروفة وبارزة اثرت في غضون ثلاث أو أربع سنوات عن طريق التجارة والعمولات والصفقات الاحتكارية والرشاوى (الخوات) احيانا. يقول عايش هاشم عامل بناء من خان يونس ان جماعة السلطة يزدادون ثراء, وأهل فلسطين يزدادون فقرا, وهذه معادلة غير مفهومة لنا. ويتفق مع هذا الرأي العديد من المثقفين واعضاء النخبة في المجتمع الفلسطيني حول تغييب أو انعدام الطبقة المتوسطة التي كانت تشكل 70% من المجتمع قبل مجيء السلطة, اذ يقول الدكتور سلام زكريا الاغا بكلية التربية في غزة: ان الطبقة المتوسطة لا وجود لها الآن, هناك قلة ثرية وأغلبية معدمة, وحالة اللاتوازن هذه ناجمة عن احتكار فئة قليلة للموارد والمقومات الاقتصادية للوطن الفلسطيني وحرمان الأغلبية من المشاركة في التنوع الاقتصادي والتجاري. مطبات أوسلو الغريب في الامر ان هناك رأيا عاما يسود المجتمع الفلسطيني بأن الحالة الراهنة هي احدى الافرازات السلبية لاتفاقية أوسلو على اعتبار ان هذه الاتفاقية خدمت مصالح كل من (هندسوها) ووقعوا عليها بالدرجة الأولى. يقول الكاتب والمفكر السياسي الفلسطيني عدلي صادق: (لقد ظن الذين وقعوا على أوسلو ومساعديهم بأن هذه الاتفاقية هي عبارة عن غنيمة اقتصادية للأنجال والازلام والهوانم دون أي اعتبار أو مراعاة للوطن ومصالح شعب فلسطين الذي عانى ومازال يعاني من آثار الاحتلال الاسرائيلي البغيض على مدى ثلاثين عاما. هذه الانتقادات اللاذعة لم تنبع من فراغ, بل جاءت كمحصلة للممارسات التي يقوم بها بعض المتنفذين في دوائر السلطة ومؤسساتها لدرجة ان الناس أصبحوا مشتتي الولاءات حسب المصالح والمنافع الذاتية. يعترف صخر حبش عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) ان جميع فئات المجتمع الفلسطيني تعاني من مشكلة العدالة الاجتماعية في توزيع الموارد لتحقيق الاستقرار الاجتماعي.وقال: إن هذا لن يتحقق إلا بفصل السلطات الثلاث وتحقيق مبدأ سيادة القانون ووضع استراتيجية اقتصادية واضحة وشاملة لمعالجة التشوهات الاقتصادية وبالتالي اقامة اقتصاد وطني سليم ومستقل ودونه لن نتمكن من اعلان تجسيد الاستقلال. وذكر ان التنمية الاقتصادية المستدامة تتحقق إذا ما تم تحديد باقي أرضنا وسيطرنا على مواردنا الطبيعية لذا علينا أن نعمل في هذا الاتجاه وبنفس الوقت تصحيح وضعنا الذاتي الداخلي ونستنهض عوامل القوة لبناء مؤسسات اقتصادية إنتاجية تكون مقدمة لتحقيق الفصل الاقتصادي مع إسرائيل. غير ان العديد من الخبراء والمسئولين الفلسطينيين يعترفون صراحة بصعوبة الفصل الاقتصادي عن إسرائيل نظرا للاعتماد عليها في الحصول على الماء والدواء والغذاء والكساء بنسبة 90% ولو أغلقت بوابة (ايرز) أسبوعا يموت قطاع غزة من الجوع بل ويعيش في الظلام, لان كافة الواردات تأتي من إسرائيل من رغيف الخبز إلى وقود السيارات والمنازل, كما ان شركة الكهرباء الإسرائيلية تزوده بالتيار الكهربائي. كما ان السلطة لم تنجح في توفير البدائل للاعتماد الذاتي والاكتفاء بعيدا عن إسرائيل لدرجة ان الناس باتوا يتحدثون عن أيام الاحتلال, ويطلقون النكات السياسية اللاذعة. ويذكر أحد المسئولين في لقاء بمنزله (ان فلانا نذر بذبح بقرة حينما ينتهي الاحتلال الاسرائيلي ويزول, ومرت خمس سنوات ولم يفعل, فسأله الناس لماذا لم تفي بالنذر؟ أجاب لانني أعتزم ذبح بقرتين الأولى لزوال الاحتلال والثانية احتفالا بعودته) !! هذه هي ظلال الواقع المعاش التي لا يمكن تجاوزها بسهولة. ولذلك تخشى السلطة الفلسطينية حدوث انفجار اجتماعي في قطاع غزة نتيجة الظروف الاقتصادية السيئة. ويقول د. عاطف علاونة وكيل وزارة المالية الفلسطينية: إن الحل يكمن في اعادة بناء سياسة اقتصادية وطنية وبناء مؤسسات إنتاجية تتمكن السلطة من خلالها تحقيق الفصل التدريجي عن الاقتصاد الاسرائيلي. وأرجع أسباب الأزمة الحالية إلى سياسة الاحتلال الاقتصادي وعدم وجود سياسة اقتصادية واضحة للسلطة الوطنية, غير انه أشار إلى ان توفر الإرادة السياسية قد يسهم في تحسين الوضع المعيشي للمجتمع الفلسطيني. كارثة إجتماعية: لا تشعر طبقة المسئولين المتنفذين في السلطة بالهموم اليومية للمواطن الفلسطيني, ولا أحد يفتح نوافذ سيارته الفارهة لينظر إلى معيشة أهل المخيمات الحزينة التي طفناها في شهر رمضان المبارك. ولذلك الهوة عميقة, وتتسع مع الأيام بفضل شهوة الباحثين عن المال والثراء ورغبة الفقراء في الانتقام! يقول د. علاونة: إن ضعف متوسط الدخل الفردي الذي يتراوح ما بين 1200 ـ 1300 دولار في العام لا يكفي لاشباع حاجات ورغبات الفرد, كما ان ربع السكان في المجتمع الفلسطيني (750 ألف نسمة في الضفة وغزة تقريبا) يعيشون تحت خط الفقر وارتفاع معدلات البطالة ما بين 20 ـ 30% سيؤدي إلى كوارث اجتماعية معقدة نظرا لعدم توفر الحلول لهذه المشكلات, ويخشى العديد من مسئولي السلطة تفاقم الوضع المعيشي بسبب ارتفاع الأسعار بشكل جنوني, فهناك يلاحظ الزائر ان أسعار المواد الغذائية والخدمات الضرورية تزيد قليلا عن أسعار الدول المتقدمة, وذلك نظرا لارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الاسرائيلي المتطور, ويقول بسام العويطي (تاجر) ان السلع في الأراضي الفلسطينية ارتفعت أسعارها بنسبة 10 ـ 15% عن اسرائيل بسبب ضريبة القيمة المضافة التي تفرضها السلطة الفلسطينية على الواردات بنسبة 17%, وبالتالي يقوم التاجر بتحميل هذه النسبة للمستهلك الفلسطيني محدود الدخل مما أدى الى كساد وركود خطير في السوق المالية, كما ان ضعف السيولة أدى الى تراجع الطلب وافلاس الشركات الصغيرة وهذه بحد ذاتها كارثة لم نكن نتوقعها في أي يوم من الأيام. ويعترف وكيل وزارة المالية الفلسطينية بوجود خلل بقوله: (إذا كان الدخل متدني على الجميع, فإنه من الممكن ان نقبل ذلك باعتبار ان الظلم موزع بالتساوي, ولكن في حالتنا فإن الأمر هو عكس ذلك فهناك عدد متزايد من الأغنياء الجدد في المجتمع الفلسطيني يهددون الاستقرار الاجتماعي, لأن الطبقات الأخرى الأكثر فقرا في ازدياد مستمر الى درجة ان فئات مجتمعنا أصبحت في حالة تناحر وحسد وهذا يؤدي الى مشاكل اجتماعية كبيرة تؤثر على الاستقرار الاجتماعي. ويجمع الخبراء كذلك على ان الضريبة التي تفرضها السلطة الفلسطينية والتي تتراوح ما بين 20 ـ 22% هي بمثابة عبء مالي يرهق كاهل المواطنين الذين لم يستطيعوا تحقيق التوازن بين مداخيلهم الضئيلة ونفقاتهم الباهظة.