في الوقت الذي خلصت الصحافة العالمية المهتمة بشئون التجارة إلى نتيجة مفادها ان اجماع منظمة التجارة العالمية في سياتل كان بمثابة (كارثة) و(فشل ذريع) أعلن النهاية لنظام التجارة العالمي, فإن نظرة عن كثب على نتائج الاجتماع تجعل من الصعب التصديق أن بيل كلينتون لم يحصل بالضبط بصورة أو بأخرى على ما أراده من قمة التجارة العالمية . لقد اجتمعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي, مؤخرا, في قمة مجموعة الدول العشرين, وأصدرت الأطراف مجتمعة بيانا موجزا تتبع عن كثب الموقف التفاوضي الأساسي الذي حمله البيت الأبيض (وحلفاؤه في شوارع سياتل) إلى اجتماع منظمة التجارة العالمية قبل عدة أسابيع. وفيما يلي مقتطفات من البيان: (يتعين علينا مع المدير العام وجميع الأعضاء الآخرين بمنظمة التجارة العالمية أن نأخذ بعين الاعتبار دروس سياتل. وبشكل خاص, ينبغي توجيه العمل نحو مجموعة من الاجراءات التي من شأنها: توفير فرص أفضل لمشاركة أوسع من قبل جميع الأعضاء (بما في ذلك الدول النامية) في عمليات صنع القرار بمنظمة التجارة العالمية, وتقديم شفافية أكبر (داخل المنظمة وإزاء العالم الخارجي), وتحسين الاطلاع العام, بما في ذلك عبر اطلاع أوسع على وثائق منظمة التجارة العالمية واجراءات تشاور أقوى مع المجتمع المدني. ويجب أن يأخذ هذا العمل أيضا في عين الاعتبار اجراءات لتحسين فعالية منظمة التجارة العالمية ولتعزيز الدعم العام الكلي للمنظمة. ويجب أن نسعى كذلك للحصول على موافقة جميع الأعضاء على المراجعة المستقلة لاجراءات تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية بما في ذلك الاجراءات التي تهدف إلى تعزيز الشفافية. (وحول القضايا التي تهم مجتمعاتنا المدنية, اتفقنا على ان التغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي جلبت معها تحديات للنظام التجاري. وليس هناك ما هو أدل على ذلك من النقاش الدائر حاليا حول العلاقة بين التجارة والعمل. إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ملتزمان على العمل مع شركائنا لادخال منظمة التجارة العالمية ومنظمة العمل الدولية في حوار بناء يشمل دراسة العلاقة بين معايير العمل الأساسية والمزيد من التحرر والسياسة التجارية وبين التنمية الاجتماعية من أجل بناء تفاهم واجماع بين الطرفين. وحول قضايا التجارة والبيئة, سنعمل معا من أجل التأكد من أن قوانين التجارة تدعم ولا تقوّض قدرة الحكومات على ترسيخ وتحقيق مستويات عالية من الحماية البيئية. الشرق الأوسط ومنظمة التجارة العالمية لقد ذكرت إدارة كلينتون باستمرار انها تعتبر السياسة التجارية عنصرا أساسيا في جهودها لتحقيق السلام, وهو تعهد تجسد في وزير التجارة الراحل رون براون. وقد تحدث خليفته, ريتشارد ديلي, مؤخرا, أمام حشد من العرب الأمريكيين في دترويت ميتشيجان, أكبر تجمع للأمريكيين من أصل عربي في الولايات المتحدة. وفي خطابه, الذي ألقاه عشية استضافة واشنطن لجولة جديدة من محادثات السلام بين سوريا وإسرائيل, أشار إلى ان الأجندة التجارية في واشنطن تعتبر جزءا مركزيا من التصور طويل الأجل للتطورات في المنطقة. وقال مستهلا خطابه: (هناك مناخ جديد في الشرق الأوسط. لا شك في ذلك... والنقطة التي أريد أن أثيرها الليلة هي التالي: حتى لو حللنا جميع القضايا السياسية موضوع النزاع, فلن يكون هناك سلام دائم ما لم نعالج أيضا القضايا الاقتصادية) . ومضى يخبر جمهوره بأن أهم مساهمة يمكن أن يقدمها الأمريكيون من أصل عربي من أجل إرساء سلام عادل في الشرق الأوسط هي تشجيع العلاقات التجارية التي تربط الأمم مع بعضها البعض بمصلحة مشتركة. وأضاف قائلا: (سيكون هذا الأمر جيدا بالنسبة للشرق الأوسط, ولكنه سيكون جيدا كذلك بالنسبة لميتشيجان. فالشرق الأوسط هو واحد من الأماكن القليلة في العالم الذي لدينا معها فائض تجاري. ففي العام الماضي, صدرت شركات من ميتشيجان قرابة 650 مليون دولار على شكل سلع إلى هناك. وهذا يعتبر زيادة بنسبة 7% عن العام السابق, وأنا أشكر جميع الأشخاص في هذه الغرفة على ذلك. .. لكن الحقيقة هي ان الشرق الأوسط يحتل الآن مرتبة متأخرة كثيرا عن أجزاء أخرى من العالم فيما يتعلق بالاستثمار الخارجي.. فهو لا يتلقى سوى 2% من مجمل الاستثمارات الخارجية في العالم. ويرجع هذا في جانب منه إلى المخاوف المستمرة حيال عدم الاستقرار في المنطقة. وجانب آخر يرجع إلى حقيقة ان ممارسة نشاط تجاري هناك أصعب من ممارسته في الأسواق الناشئة الأخرى. .. وينظر إلى الشرق الأوسط على انه سوق لأربعة ملايين هنا, وخمسة ملايين هناك و20 مليونا في مكان آخر, بدلا من ان ينظر إليه باعتباره سوقا لـ 200 مليون مستهلك. وينظر اليه باعتباره دولاً معزولة اقتصادياً وليس سوقاً إقليمية أكبر مثل آسيا أو مثل أوروبا. وفي الوقت الحاضر فان 8% فقط من تجارة الشرق الأوسط تتم مع دول شرق أوسطية اخرى. وهذا يختلف كثيراً عن أوروبا, حيث ثلثي حجم التجارة يتم مع دول أوروبية اخرى. ويختلف كذلك عما يجري في أمريكا الشمالية.. فكما تعلمون جيداً, فان أكبر شركائنا التجاريين هم جيراننا.. كندا والمكسيك. (طلب مني الرئيس كلينتون أن أترأس وفداً تجارياً الى المنطقة, وهو ما قمت به بالفعل في أكتوبر الماضي. وأخذت معي ممثلي حوالي عشرين شركة, من ضمنها شركة سي أم أس إنيرجي, من هنا في ميتشجان, والتي لديها مشروع ضخم في دولة الامارات العربية المتحدة يعمل على تحويل مياة البحر الى مياه للشرب, لاشك بأننا فتحنا بعض الأبواب. فقد إطلع الكثيرون على فرص تجارية جديدة, وأقاموا علاقات واتصالات جيدة. وأنا حظيت بفرصة الإلتقاء بالعديد من القادة, ومعظمهم قادة جدد في المنطقة. (وقد فاجأني شيئان. أولاً: الكل أرادوا ان يكونوا جزءاً من الاقتصاد العالمي. فهم يعرفون أن هذا يعني إدخال تغييرات اقتصادية وقانونية تكون أكثر جذباً لمجتمع الأعمال. (لقد قام الملك عبدالله في الاردن بعمل استثنائي وستصبح الاردن قريباً عضواً في منطمة التجارة العالمية, وقد يكون ذلك في بداية العام الجديد, وقد حدث هذا بصدق بصورة أسرع مما ظن أي شخص. وتتخذ السعودية وعُمان كذلك الخطوات الضرورية لانضمامهما. ونحن بالطبع ندعم جهودهما أيضاً. ثانيا: لمست تلهفاً جديداً من جانب الدول العربية لممارسة نشاط تجاري أكبر مع بعضها البعض, وفي بعض الحالات التعامل تجارياً مع اسرائيل. ودعوني أوضح الأمر, قبل عام من الان, وعندما زرت المنطقة, طلبت من العديد من وزراء التجارة الالتقاء بي مجتمعين. وعندما افتتح أحدهم الاجتماع, قال ان هذه لحظة تاريخية. لماذا؟ لأنهم لم يجلسوا معاً في غرفة واحدة منذ سنوات. أما في هذه المرة عندما اجتمعنا, فلم يكن الأمر صعباً لأن مكاتبهم تتصل مع بعضها البعض بانتظام) . تعاون أكبر بين دول الخليج واصل ديلي تقريره عن ملاحظاته خلال الجولة مشيراً الى تطورات تجري في منطقة الخليج, حيث قال: (لقد رأيت تعاوناً أكبر في الخليج, فقد اتفقت دول مجلس التعاون الخليجي على نظام تعرفة جمركية مشتركة, وتريد كذلك إقامة شبكة كهرباء اقليمية, وتريد ربط البورصات معاً وتسهيل العمليات المصرفية من الفروع, وهذا كله من شأنه ان يجعل المنطقة جذابة أكثر للمستثمرين.(رأيت تعاوناً أكبر في المنطقة كلها. وفي الواقع, أنني عقدت في مصر, اجتماعاً لممثلي غرفة التجارة الأمريكية من جميع أنحاء عشر دول تقريباً. ولم يسبق لشيء من هذا القبيل ان حدث في الشرق الأوسط. (لقد كان الأمر عظيماً, من غير ريب, أن ترى رجال الأعمال يتحدثون عن كيفية جعل المنطقة أكثر انفتاحاً للتجارة, وقد طلبت منهم متابعة طرح أفكار حول كيفية زيادة التجارة الاقليمية, أفكار يمكننا بحثها مع حكومات المنطقة. (سيكون هذا الأمر جيداً للمنطقة, ولكن على نفس القدر من الأهمية, سيكون جيداً للشركات الأمريكية التي تريد الاستثمار والتجارة هناك. والهدف النهائي هو إقامة حوار منتظم بين الشركات والحكومات عبر الشرق الأوسط والولايات المتحدة. ومن الواضح أنني آمل بأن تكون الشركات في هذه المنطقة, التي تعد أكبر تجمع للعرب في أمريكا, جزءاً من ذلك) . وبعد وقت قصير من هذا الخطاب, أعلن المندوب التجاري الأمريكي أنه ونتيجة لمراجعة خاصة, تم إسقاط الاردن من (قائمة الاحتراس) التي تحتفظ بها الولايات المتحدة للدول التي لا تلبي معايير أساسية يمكن للولايات المتحدة بموجبها أن تحكم على البيئة التجارية المواتية للمصدرين الأمريكيين والمستثمرين في مجال الأعمال. والمشكلة في الاردن, كما في العديد من الدول الأخرى, كانت غياب اجراءات الحماية القوية الكافية للملكية الفكرية كما هي محددة في اتفاقية التجارة في حقوق الملكية الفكرية وخدماتها. وصدقت الممثلة التجارية المفوضة تشارلين بارشيفسكي قائلة: (أظهرت حكومة الاردن مستوى وقوة مؤثرين من الالتزام بتوفير حماية فعالة لجميع أشكال الملكية الفكرية, ان اسقاط الاردن من قائمة الاحتراس يعتمد على علاقتنا القوية والمتنامية مع المملكة, وجهودها في هذا المجال تضرب مثلاً لحكومات اخرى كذلك) . ارتفاع العجز التجاري الأمريكي ان أكبر مشكلة تواجه واشنطن اليوم هي العجز المتواصل وغير الثابت في تجارة أمريكا مع باقي دول العالم, وقد سجل أكتوبر الماضي شهراً قياسياً آخر في هذا الخصوص, وهو في جانب منه نتيجة للارتفاع الأخير في أسعار النفط. ويتألف عجز أكتوبر البالغ 937.25 مليون دولار بزيادة 4.7% عن سبتمبر من عجز في السلع بقيمة 996.31 مليون دولار وفائض في الخدمات بقيمة 059.6 ملايين دولار, حسبما أفادت وزارة التجارة في تقرير لها صدر يوم 16 ديسمبر. لقد سجل العجز التجاري ارقاما قياسية في سبعة من بين عشرة شهور في عام 1999. ففي اكتوبر سجل العجز التجاري مع كل من الصين واليابان ارقاما قياسية, وسجل اجمالي الواردات رقما قياسيا كما فعلت الواردات مع الصين واليابان واوروبا الغربية. وسجل عجز البترول رقما قياسيا هو الآخر (بالنسبة للاحصائيات الراهنة المحفوظة منذ عام 1989) مع وصول سعر برميل النفط الخام الى 20.74 دولارا وهو ما يعتبر ارتفاعا عن سعره المنخفض في يناير والبالغ 9.20 دولارات وأعلى مستوى له منذ يناير 1997. وفي بيان مقتضب بعد صدور التقرير, تنبأ وزير التجارة الامريكي وليم ديلي باستمرار العجز التجاري. واستنادا الى الشهور العشرة الأولى, فإن العجز لعام 1999 سيصل الى 262.000 مليون دولار, أي بزيادة عن العجز الفعلي لعام 1998 والبالغ 164.000 مليون دولار. وقال ديلي بهذا الصدد: (سنواصل رؤيتنا لعجز تجاري بهذا المعدل أو أوسع من ذلك بسبب وجود نمو قوي جدا في اقتصادنا ونمو ضعيف جدا في اجزاء اخرى من العالم) . وبينما تستطيع الولايات المتحدة تحمل عجز تجاري قياسي اقتصادي بسبب الرخاء, فإنها لا تستطيع تحملها سياسيا, حسبما قال ديلي. وأضاف قائلا: (من ناحية سياسية, هذا يصبح صعبا للغاية على مدى فترة طويلة, وعلى الدول الاخرى في العالم ان تفهم ذلك) . وقال ان الدول التي تعتمد على الاسواق الامريكية المفتوحة ينبغي عليها ان تعتمد أكثر على الطلب المحلي بدلا من الصادرات لقيادة التوسع الاقتصادي. لقد هبطت الصادرات الأمريكية في اكتوبر للشهر الثاني على التوالي لتصل الى 81.920 مليون دولار. وأشار ديلي الى ان الأمر الجيد هو انه وعلى الرغم من هبوط اكتوبر, الا ان مستوى الصادرات في ارتفاع, فمستوى الصادرات حتى الآن في النصف الثاني من العام تتجاوز مستواها في النصف الأول. وقال ديلي انه تشجع من تباطؤ معدل الزيادة في العجز التجاري الامريكي حتى الآن في النصف الثاني من العام. ووفقا لحسابات وزارة التجارة, فإن 40% تقريبا من الزيادة في الفترة ما بين يوليو واكتوبر تعزى الى الواردات النفطية. وقد سجل أكبر عجز تجاري ثنائي مع اليابان, حيث بلغ 179.7 ملايين دولار ومع الصين, حيث بلغ 152.7 ملايين دولار, أما حالات العجز التجاري الكبير الأخرى فقد حدثت مع كندا, حيث بلغ العجز 608.4 ملايين دولار والمكسيك حيث بلغ 195.3 ملايين دولار وألمانيا 325.2 مليون دولار, وتايوان 088.1 مليون دولار. الحل تخفيض قيمة الدولار ان عدم الاستقرار السياسي الذي أقلق ديلي والمطلعين الآخرين على بواطن الأمور في واشنطن يتمثل في العلاقة بين العجز التجاري ومقياس آخر للأنماط الاقتصادية الدولية, ألا وهو العجز في الحساب الجاري. والحساب الجاري لا يقيس فقط التجارة الدولية في السلع والخدمات, وإنما يقيس أيضا تدفق الاستثمارات بين الولايات المتحدة ودول اخرى. ووفقا لمكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة فإن العجز في الحساب الجاري الأمريكي, وهو أوسع مقياس للنشاط الاقتصادي الأمريكي عالميا, ارتفع بنسبة 17.11% للربع الثالث من السنة على التوالي. وقد ارتفع العجز في الحساب الجاري الى رقم قياسي هو 949.89 مليون دولار خلال الربع الذي يمتد من يوليو الى سبتمبر 1999 من أصل 909.80 مليون دولار في الربع الثاني. والسر هنا, الحقيقة التي قد تصبح (غير مقبولة سياسيا) ـ كما يشير ديلي ـ هو نسبة الاستثمار الاجنبي التي تتوافق مع العجز المتنامي في التجارة. ووفقا لأرقام وزارة التجارة, زادت الاصول الاجنبية في الولايات المتحدة لتصل الى 153.207 ملايين دولار في الربع الثالث من العام الحالي في اعقاب زيادة بلغت 271.274 مليون دولار في الربع الثاني. وهذا يعني ان الولايات المتحدة تقترض في الخارج وتستخدم الأموال المقترضة في تمويل وارداتها من السلع الاجنبية. وبرأي روبرت باربرا, العضو في لجنة مراجعة العجز التجاري الأمريكي, والذي يعتبر أحد الاقتصاديين الذين نقلوا هذا التطور للكونجرس, فإن الارتفاع في العجز التجاري في العامين الماضيين (يمكن النظر اليه باعتباره الثمن الذي دفعته أمريكا لتوليها المسئولية عن الاقتصاد العالمي) . ويتوقع باربرا وزملاؤه في اللجنة تحولا تنازليا في الاقتصاد الأمريكي باعتباره الطريقة الوحيدة للحيلولة دون خروج الارقام التجارية كلية عن نطاق السيطرة, كما انهم يتوقعون خفضا تدريجيا في قيمة الدولار كأفضل السبل وأكثرها فعالية لتخفيض العجز التجاري الأمريكي. بيل كلينتون