اوضحت دراسة اقتصادية خليجية ان دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية للعديد من الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة يستوجب عليها اعطاء مزيد من الاهتمام لوضع، وتنفيذ برامج فعالة للعلوم والتكنولوجيا يكون من ضمن اهم اهدافها تطوير الخدمات والطرق التكنولوجية اللازمة للصناعة وتحديد السبل المناسبة لتطبيقها مشيرة الى انه بدون ذلك لن يحدث التطوير المنشود مهما زادت الاستثمارات في ظل الاستمرار في استيراد التكنولوجيا وغياب البرامج الوطنية للعلوم والتكنولوجيا. واشارت الدراسة التي نشرت في النشرة الفصلية الاخيرة لمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية الى ان ضعف المقومات اللازمة لوجود صناعات معرفية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية, وتحتم التطورات العالمية المتسارعة في مجالات العلوم والتكنولوجيا التي غيرت المفاهيم الاقتصادية التقليدية, وحولتها الى ما يعرف حاليا بالاقتصاد المعرفي, الى وضع تنفيذ سياسة جديدة, تهدف الى تنمية الصناعات المعرفية كمدخل للتحول الى ما يسمى بالاقتصاد المعرفي وأوردت بعض المؤشرات التي يجب الاسترشاد بها عند تقييم الوضع الحالي, وعند تصميم الاستراتيجية ما يلي: ــ يجب اولا: تجديد مقومات التنمية المعرفية من خلال الدراسات المقارنة بين الدول التي تتوفر فيها صناعات معرفية بوزن نسبي ملموس. ــ اعادة النظر في سياسة الانفاق على انشطة البحث العلمي والتطوير, مع التركيز على دور تكنولوجيا المعلومات والاتصال. ــ التأكيد على اهمية الدور الحكومي, ودور القطاع الخاص في العلوم والتكنولوجيا, حيث ان كليهما يساهمان في الابداع التكنولوجي, بما هو ابعد من الانفاق على البحث والتطوير, كما هو الحال عند الابداع في مجالات برامج الكمبيوتر, والتدريب, والتسويق وغيرها من المجالات الاخرى. ــ الاخذ في الاعتبار تحديات العولمة, وما تتضمنه من فتح الاسواق وتحرر التجارة الدولية, وتكامل الصناعة الدولية من خلال الاستثمارات الاجنبية المباشرة, وحرية انتقال التكنولوجيا وتدويل العلوم, وتوحيد اسواق المال, نتيجة لتقدم نظم المعلومات والاتصال. واكدت الدراسة على عدم خطية العلاقة بين جهود البحث والتطوير كمدخلات, وبين مخرجاتها, حيث ان مخرجات انشطة العلوم والتكنولوجيا لا تتوقف, فقط, على حجم المدخلات, وانما تتوقف ايضا على كفاءة نظام الابتكار ككل, والذي يتوقف بدوره على مدى ملاءمة الاطار العام للتفاعل بين المدخلات والمخرجات, وعلى السياسات الحكومية, كما ان قيام المخرجات يكون دائما اصعب من قياس المدخلات, حيث يمكن التعبير عن مدخلات البحث والتطوير بحجم ما ينفق عليها, من نقود, او بنصيب الفرد من هذا الانفاق, الا انه في حالة المخرجات من اختراعات وابتكارات وتطوير, قد يستحيل احيانا تقييمها كميا بصورة مباشرة, وفقا لاساليب ووحدات القياس النقدية, وغير النقدية المعروفة. ووفقا للدراسة فقد شهد العالم تطورا علميا وتقدما تكنولوجيا بعد الحرب العالمية الثانية, شمل شتى مناحي المعيشة, ومختلف مرافق الحياة العامة والخاصة, مما ادى الى تحسن في مستوى المعيشة وزيادة في رفاهية الافراد والمجتمعات. وتعتبر تقنية المعلومات من التقنيات التي لعبت دورا ضليعا في احداث هذه التغيرات. فعلى سبيل المثال: كانت قدرة الحاسب المركزي قبل عقدين ونيف من الزمن, تعالج 15 مليون عملية في الثانية,وفي وقتنا الحاضر فان الحاسوب الشخصي, ذا الالف دولار, يتناول مئة مليون عملية في الثانية. لذا, فان العالم في نهاية القرن المنصرم, وفي بداية القرن الحالي, سيتجه الى الاقتصاد المعرفي او الرقمي, متحولا من الاقتصاد الصناعي, ولا غرو اذن ان تلعب هذه الصناعة دورا رئيسيا في تنمية الاقتصاد, وتحول نموط السلوك الاجتماعي.. لاسيما في الدول الصناعية, اضافة الى ايجاد الفرص لوظائف جديدة. وفي الدول العربية, بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي, فان على صانعي القرارالسياسي, شحذ الهمم وتوجيه السياسات والاستراتيجيات الوطنية التنموية نحو هذا النمط من الصناعات, بغية اللحاق بالسباق والوضع العالمي وعدم التخلف والتقهقر, وذلك من خلال تقييم القدرات والتكنولوجية المتاحة والمطلوبة, وحجم الانفاق على برامج البحث العلمي والتطوير, ومدى توفر انظمة واليات لتطبيق الاساليب العلمية والتكنولوجية وبصورة مناسبة, لتغدو مجتمعات هذه الدول قادرة على مجاراة التطور في الصناعات المعرفية, من خلال المعرفة التكنولوجية, ونشرها في المجتمعات, وفقط اطر عملية وقانونية واجتماعية. وترى الدراسة ان التطور الكبير والهائل في تقنيات المعلومات في مجال المعالجة والاتصال, ادى الى تحقيق مزايا ومكاسب وامكانيات اقتصادية كبيرة للعديد من الدول, في مجالات زيادة الكفاءة والاستخدام الامثل للموارد: خفض التكاليف, ابتكار سلع جديدة وخدمات جديدة وفتح الاسواق. فالولايات المتحدة مثلا: حققت نموا اقتصاديا لا يماثل, فاق كل التوقعات, حيث انخفض العجز الحكومي او تلاشى, وحققت نموا كبيرا في التجارة الخارجية وغيرها من المؤشرات الاقتصادية الايجابية, وكل هذه النتائج الايجابية تعزي الى قطاع المعلومات, وشبكة الانترنت. وتبعا للدراسة فقد تحول العالم في القرن الواحد والعشرين من الاقتصاد الصناعي الى الاقتصاد المعرفي, حيث يلعب راس المال والموارد الاولية دورا رئيسيا في الاقتصاد المعرفي المبني على المعرفة, وحيث تبرز المعلومات والابتكارات المعرفية في صناعة هذا الاقتصاد الذي يسمى, احيانا, بالاقتصاد الرقمي, وتشير بعض التقارير الى ان التجارة الالكترونية عبر شبكة الانترنت, سوق تتعدى الترليون دولار في عام 2002- ,2005 وان 80% من هذه التجارة تخص تبادلات بين اعمال واعمال. وتشير الدراسة الى انه بمطالعة صفحة UNDP على الانترنت, نجد عدة تجارب ناجحة تخص شركات من دول نامية, استطاعت ان تؤسس شراكات مع شركات صناعية عملاقة عبر شبكة الانترنت, مما يدل على اهمية البعد الاتصالي لشبكة الانترنت. وتؤكد بعض التقارير على نمو هذا الاقتصاد المعرفي في دول شرق اسيا, ففي الهند مثلا: الايرادات سوف تفوق المليار دولار, وفي ماليزيا حوالي 800 مليون دولار, وفي اندونيسيا 200 مليون دولار. وتوضح الدراسة ان الثورة المعلوماتية ادت الى تعزيز الاقتصاد الوطني وتحولات اجتماعية, والى نمو كبير في توفير الفرص, وخلق الوظائف, وفي تغير نمط الاعمال, كما ادت تقنيات المعلومات الى تحسين في القطاع الصحي ومستوى المعيشة. لقد ساهمت تقنيات المعلومات في نمو يعادل 5% من الناتج القومي للدول الاوروبية. وقطاع البرمجيات ساهم بايرادات تعادل عشرات المليارات من الدولارات, وايجاد مئات الالاف من الوظائف الجديدة. واذا اعتبرنا ان معدل النمو يعادل 10%, من التوقعات فهذا يعني خلق وظائف تتجاوز نصف مليون, وعوائد مالية تعادل 60 مليار دولار, في العام الجاري. ونظرا للطلب العالمي على هذه الوظائف, فان فجوات الاجور بين العاملين في قطاع المعلومات, والقطاعات الاخرى, في ازدياد, ربما يصل الى الضعف, كما ان العمالة في قطاع المعلومات تنمو بمعدلات تفوق تلك التي في القطاعات الاخرى, كما ان طلب على العاملين في هذا القطاع والاجور العالية, يستقطب العمالة من الدول النامية. وتذكر دراسة لمؤسسة البيانات العالمية, ان الموارد المالية المجنية من معاملات التجارية الالكترونية, سوف تصل الى 400 مليون دولار في عام ,2002 وكذلك, فان المشتركين في خدمة الانترنت سوف يصلون الى حوالي 320 مليون مشترك. وقد واكب انتشار او تحديث المشروعات الاستثمارية, او تطوير قطاعات المجتمع في مجتمعات الدول النامية اقتناء اغلب التكنولوجيا, او المعرفة التكنولوجية من دول متقدمة, بصورة خاصة, الامر الذي جعل من هذه المجتمعات بؤرة لتدفق التكنولوجيا, تضم خليطا غير متجانس. وترى الدراسة ان الصناعات المعرفية اصبحت وسيلة التكتلات الدولية والاقتصاديات الكبيرة للمضي قدما في التحول الى ما يسمى بالاقتصاد المعرفي, الذي اصبح سمة بارزة من سمات القرن الواحد والعشرين. وينظر الى ما حدث من تطور في هذه الصناعة على انه مقدمة لموجات هائلة من التحولات التي يصعب التنبؤ بها, في ظل التطورات المتلاحقة لنظم المعلومات والاتصال, كما اصبح معدل نمو الصناعات المعرفية, والوزن النسبي لمساهمتها في الناتج المحلي الاجتماعي الاجمالي, هو المؤشر الاهم للتطور الاقتصادي, والرفاه الاجتماعي, وتحسن الظروف المعيشية. لذا, فزيادة الاهتمام بتنمية وتطوير الجوانب المعرفية, من: بحث علمي وتعليم وتدريب, اصبحت ضرورة لا خيار فيها, ولا تراجع عنها ولا تباطؤ في تنفيذها, حتى يمكن مسايرة التحولات الجديدة, وعدم التخلف عن ركب الحضارة والتقدم في حقبة تكنولوجيا المعلومات والاتصال والعولمة, لذا كان يجب ان يكون عنوان الورقة.واذا اردنا تقييم الوضع الحالي للصناعات المعرفية في مجلس التعاون الخليجي, والذي يتطابق اولا يختلف كثيرا عن الوضع العربي العام, فلابد ان يكون ذلك من خلال تقييم مدة وفرة, وجودة مدخلات هذه الصناعة والتحديات التي تواجهها. وتأتي القدرات التكنولوجية, وحجم الانفاق على برامج البحث العلمي والتطوير, ومدى توفر انظمة واليات تطبيق الاساليب العلمية والتكنولوجية بصورة مناسبة في مقدمات المؤشرات التي يجب تناولها. وتؤكد الدراسة ان تاسيس صناعة معرفية في دول مجلس التعاون الخليجي, تستوجب متطلبات ومستلزمات مجسدة وغير مجسدة, وقد ياتي توفرها من خلال دولة من هذه الدول بمفردها, وانما يزداد الامر سهولة عند التوجه نحو صيغة جماعية للتعاون. وفي هذا المقام يتجلى دور منظمة الخليج للاستشارات الصناعية, والامانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي, لاخذ زمام المبادرة, وعلينا ان ندرك امرا هاما لامناص منه, وهو ان الدول (او الشركات) المالكة للمعرفة التكنولوجية, قد لا تطلق عنان بيع وتصدير هذه التقنيات بسهولة ويسر, وذلك لصعوبة فصل بيع المعرفة التكنولوجية عن السياسة والدوافع السياسية والعلاقات الدولية, اذ انه غطاء يخفي واقع القوة الاقتصادية ودوافعها لدى الدول الصناعية, وهو, لا مراء ايضا, مصدر اساسي لسوء التكيف والخطأ, وعدم الحياد في سياسة نقل وتصدير المعرفة التكنولوجية.