من نحو عقد من الزمان تفاقمت الثروة اليابانية بشكل كبير, فخلال فترة الثمانينات ارتفعت المدخرات الخاصة الى ما يعادل 11 مليار دولار امريكي. واليوم تسجل اليابان رقما قياسيا آخر لكنه في حجم الدين. من المتوقع ان يصل دين الحكومات اليابانية الى 650مليار ين ياباني او بنسبة 130% من اجمالي الناتج المحلي, وهو أعلى معدل بين الدول الصناعية المتقدمة, ويصل الى ضعف نسبته في اليابان مقارنة بعقد مضى, قبل ان تنزل اليابان في منحدر تراجع النمو الاقتصادي. وقد تكون النتيجة المحتملة لذلك هو ان يسود قلق في الاسواق المالية. وقد رفعت وزارة المالية قيمة السندات الحكومية من 1400 مليار ين ياباني الى 1600 مليار ين من اجل تمويل الدين الحكومي غير ان سوق السندات مشبعة تقريبا, وبلغت نسبة الفائدة عليها 1.85% وهو أقل معدل بين الدول الصناعية السبع الكبرى. ويشير ذلك الى ان الطلب قد يتواكب مع العرض المتزايد من سندات الدين وان المستثمرين لا يزالون يعتبرون السندات اليابانية منخفضة المخاطر. وهذا الاحتمال قد يكون مريحا بالنسبة لاقتصاد اعتاد تواتر الانباء السيئة خلال السنوات القليلة الماضية, كما ان الدول الصناعية الكبرى الاخرى قد ترحب بذلك في ضوء ان الدين الياباني يصل الآن الى 10% من اجمالي الناتج المحلي العالمي واي هزة في سوق السندات اليابانية قد تسبب عدم استقرار في الاسواق العالمية. لكن الى متى يمكن ان تستمر هذه الاحتمالات, فقد بلغت نسبة الدين في دول اخرى مثل ايطاليا 130% من اجمالي الناتج المحلي, لكنها تمثل ذروة المشكلة بالنسبة لها. أما بالنسبة لليابان فإن الامر يفوق حدود المشكلة كثيرا اذا تضافر مع المناخ التراجعي في النمو الاقتصادي وانخفاض معدله وتزايد نسبة السكان المسنين. وتقول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان نسبة الدين الياباني من اجمالي النا تج المحلي قد تصل الى 150% بحلول عام 2004. ويعتقد خبراء اقتصاد ومنهم ديفيد اشر بالمعهد الأمريكي للمشروعات وهي هيئة بحثية, ان النسبة قد تصل الى 220%. وحتى اذا افترضنا الا تتخطى النسبة 150%, فإن التاريخ يثبت ان الدول التي بلغت هذه النسبة لم تخرج من هذا المأزق بلا خسائر من انخفاض في العملة وارتفاع في معدل التضخم او ازمة اقتصادية طاحنة. ويقول ديفيد اشر ان اليابان قد تجاوزت كل حدود السياسات المالية بكل المعايير التقليدية وان كل الدول الأخرى التي مرت بحالات مشابهة تعرضت لازمة تمويل قاسية. فما الذي يجعل الحالة اليابانية شديدة الخصوصية بحيث لا تتأثر الاسواق بهذا الكم الهائل من الديون الحكومية السبب هو ان اليابان تتمتع بأعلى معدل مدخرات خاصة في العالم. وهذا يعنى انها الدولة الأولى في العالم التي تستطيع تمويل ديونها من مصادر داخلية. والأجانب يملكون نسبة 5% فقط من سندات الدين, وهي نسبة منخفضة جدا بالنسبة للدول الصناعية الكبرى الاخرى فما دام اصحاب المدخرات في اليابان يستمرون ف شراء السندات فإن ديناً بنسبة 130% او حتى 200% من اجمالي الناتج المحلي لن يسبب ازمة. لكن اذا تغير هذا الوضع تكون العواقب وخيمة. ويقول بعض المحللين ان القضية هي مدى ثقة الناس في حكومتهم, فالامر يتعلق بالدرجة الأولى بالثقة. فالمستثمرون ليس أمامهم خيارات كبيرة لوضع اموالهم فيها في ظل حالة الكساد النسبي. والاسهم تعتبر عالية المخاطر في ظل الانخفاض الكبير الذي بدأ في البورصات من اواخر الثمانينات, ولا يستطيع كثير من المستثمرين في الوقت نفسه التوجه الى اسواق خارجية في ضوء ارتفاع الين امام الدولار واليورو. وبالتالي استثمرت البنوك 32 مليار ين ياباني في السندات الحكومية العام الماضي في الوقت الذي خفضت فيه قروضها للشركات بمقدار 34 مليار ين ياباني. لكن اذا بدأ الاقتصاد في التحسن قد تتدفق الأموال على الاسهم مرة اخرى وتبدأ البنوك في زيادة القروض. او اذا خاف المستثمرون ان يرتفع سعر الين الياباني, قد ينقلون الاستثمارات الى الخارج. ومرة اخرى اذا نشبت ازمة سياسية قد يبدأ المستثمرون المحليون في التساؤل عما اذا كانت الحكومة تستطيع رد كل هذه الأموال التي اقترضتها. ويصر المتفائلون امثال وزير المالية على ان الحكومة تستطيع ذلك. ويقول ان هناك ثلاثة اسباب تجعل الوضع في اليابان في حدود الامان مقارنة بما وصلت اليه حالات اخرى على مدى التاريخ. اولا ان الدين الخالص, ونسبته 45% (من اجمالي الناتج المحلي) يعتبر منخفضا بالنسبة لبقية الدول الصناعية السبع الكبرى لأن الحكومة لديها قدر كبير من الأصول, وتشمل هذه الأصول السندات الحكومية التي تشتريها المؤسسات. وثانيا: ان اليابان لديها الفرصة لخفض الديون, فالضريبة كنسبة من اجمالي الناتج المحلي منخفضة والانفاق العام مرتفع مقارنة بمتوسط الانفاق في الدول الاعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وثالثا: مع بداية الانتعاش الاقتصادي في اليابان سوف تستطيع البلاد الخروج من دائرة الديون, كما فعلت الولايات المتحدة خلال العقد الماضي. ويقول ان احتمالات نمو الاقتصاد الياباني لا تزال كبيرة وأن الاصلاحات الماضية والمقبلة سوف تؤتي ثمارها. هذه الأراء تقنع بعض خبراء الاقتصاد بما فيهم وكالة ستاندارد آند بور لتقييم ملاءة الدول والتي تقول انه ليس هناك من سبب يدعو للذعر بشأن الدين. لكن هناك اخرين ليسوا بهذه القناعة, مثل مؤسسة مودي التي خفضت ترتيب اليابان من حيث الملاءة مرتين. ويشك كثير من خبراء الاقتصاد في ان الحكومة بالغت في تقدير اصولها وبالغت كثيرا في التقليل من حجم مسئولياتها, وان الدين, الحقيقي قد يكون اكبر من الذي تشير اليه الأرقام. ويرى كثير من خبراء الاقتصاد ان افضل وسيلة لخفض الدين هي تخفيض الانفاق العام المبالغ فيه. لكن نصف ميزانية اليابان البالغة 85 الف ميار ين ياباني تنفق على الضمان الصحي والاجتماعي. ورغم انخفاض عائدات الضرائب, فليس هناك رغبة سياسية في رفع الضرائب, لاسيما وانه تم رفع ضريبة الاستهلاك من 3% الى 5% عام 1997. وقال احد قادة الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم اذا حاولنا رفع ضريبة الاستهلاك بنسبة 2% حاليا فسوف يفقد كثير من القادة السياسيين مناصبهم. ويمكن الرد ايضا على ثقة وزير المالية في احتمال الانتعاش الاقتصادي الياباني. فغالبية خبراء الاقتصاد يتوقعون ان تسجل اليابان نموا اقتصاديا بنسبة 2% العام الجاري وتكلفة خدمة الدين في ارتفاع. ويشير ذلك الى ان اليابان في حاجة الى نمو اقتصادي اسرع او ارتفاع في معدل التضخم حتى تخرج من مأزق الدين. وقالت مؤسسة مودي ان النمو بنسبة 2% غير كاف. حتى الآن يتجاهل المستثمرون المحليون هذه المخاطر, لكنه مع ارتفاع عبء الدين زادت الاثار الاقتصادية السلبية لأي ارتفاعات مستقبلية. والجانب الذي يثير القلق في المدخرات اليابانية هو ان الحكومة لا تواجه ضغوطا خارجية كما حدث للدول الآسيوية الاخرى مع صندوق النقد الدولي في التسعينات او ضغوط الصندوق على بريطانيا في السبعينيات, او الضغوط التي مارسها الاتحاد الأوروبي على ايطاليا خلال العقد الماضي ولابد ان يأتي الضغط على اليابان من الداخل.