لاتزال منطقة شرق آسيا في حركة للأمام فالشركات والحكومات من سنغافورة وكوريا الجنوبية الى مناطق التكنولوجيا الحرة في شانغهاي (الصين) وهوتشى منه (فيتنام) تبحث عن التكنولوجيا التي تساعد على خلق موجة جديدة من النمو الاقتصادي. وسوف تحقق آسيا نوعاً من النمو والتوسع المدفوع بالتكنولوجيا الفائقة بكل المقاييس. فالانفاق الرأسمالي على هذه التكنولوجيا في تصاعد مستمر وهناك استثمارات كبيرة في مجال احدث أنواع التكنولوجيا من الحاسب الآلي الى معدات صناعة أشباه الموصلات. وتقدر مؤسسة سالمون سميث بارني ان الانفاق على الآلات والمعدات في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان سوف يقفز بنسبة 50% خلال العام الجاري. وتعد منطقة شرق آسيا نفسها لقفزة اقتصادية جديدة بدأت بالطفرة المدفوعة بالانترنت في هونج كونج في قطاع الخدمات الى فورة التصنيع في مجال التكنولوجيا الفائقة من تايوان وكوريا. عوائق في الطريق برغم ذلك فان هناك بعض العوائق التي تعترض تحقيق هذه الأهداف فقطاع الشركات لايزال مثقلاً بالديون والانظمة المالية لاتزال في مرحلة انتقالية في الاصلاحات التي تجري بها بسرعات مختلفة من بلد لآخر في المنطقة, ولاتزال الشركات أيضا لم تأخذ بعد مظهر وروح عصر التكنولوجيا الفائقة في بعض الحالات. أقرب مثال على ذلك هو شركة سايبريورت في هونج كونج, وهي شركة تنمية عقارية ترتدى ثوب شركة تكنولوجيا فائقة. ولابد لمنطقة شرق آسيا ان تأخذ بجدية خلق اجواء مواتية للصناعات والأعمال تترك من خلفها الاجواء السابقة للاقتصاد القديم وطراز الأعمال التقليدي حتى تصبح قوية بدرجة تسمح لها بتحقيق نمو مستدام في عالم جديد يقوم على تحطيم الحواجز التجارية وتغيرات تكنولوجية هائلة. وتتجه آسيا نحو ذلك بقوة تتضح من المليارات التي تنفقها أو تنوى ان تنفقها سنغافورة وكوريا وتايوان وكذلك الشركات أو المجموعات الكبيرة, خاصة في مجال الأبحاث الوراثية وغيرها من العلوم المتقدمة, مما يشير الى تقدير واهتمام كبيرين بالعلوم الأساسية. وتزداد الميزانيات المرصودة لهذه المجالات من التكنولوجيا الحيوية الى هندسة الالياف البصرية والابحاث الاقليمية والتنمية. في كوريا الجنوبية مثلاً ارتفعت ميزانية الابحاث والتطوير من 9.1% من اجمالي الناتج المحلي من عقد من الزمان الى 7.2% ومن المقرر ان تصل هذه النسبة الى 3% من اجمالي الناتج المحلي بحلول عام ,2005 بينما تصل هذه النسبة الى 2.3% في اليابان, وهو فارق ليس كبيراً. وقد تبنت آسيا حتى الآن الاقتصاد القائم على التكنولوجيا لكن هذا لم ينعكس بشكل كبير على الاحصاءات الخارجة من هناك. الحقيقة انه من ناحية التكنولوجيا الحيوية والالكترونيات المتقدمة لم تلعب الخامات دوراً كبيراً في قفزة الانتعاشة الاقتصادية الآسيوية. فلاتزال انشطة اقتصادية تقليدية مثل الصلب والبتروكيماويات وبدرجة أقل شرائح الذاكرة ومعدات الحاسب الآلي الأقل تطوراً تلعب دوراً كبيراً في اقتصادات وانتعاش كوريا وماليزيا وتايلاند وسنغافورة, لكن هناك قدراً كبيراً من القدرة التنافسية الجديدة يعتمد على انخفاض العملات الآسيوية وهي ميزة نسبية لن تنتهي على المدى القريب. وان آجلا أو عاجلاً سوف تعود الصناعات التقليدية الى دائرة تكدس المعروض وانخفاض الاسعار. وصعود الصين بسوقها المحلية العملاقة وتوفر ملايين المهندسين وقوة الجذب التي تمثلها بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات هو أحد عوامل كثيرة سوف تشكل ضغطاً على النمور المتعبة حتى تستطيع الحصول على مصادر استثمارية اخرى. لكن الخبر السعيد بالنسبة للمنطقة هو انها مستعدة حالياً لشق طريق جديد في عالم التكنولوجيا لأن الانهيار في شركات التجارة الالكترونية عقب أزمة 1997المالية قد أدى الى تغيير في عقلية الأعمال التجارية. ويقول دونالد هانا الخبير الاقتصادي في سالمون سميث بارني في هونج كونج انه يتوقع ان تساهم دورة تكنولوجيا المعلومات بشكل كبير في اقتصادات وأسواق آسيا وذلك بعد مرور فترة طويلة الآن من نضوب الموارد المالية لشركات الانترنت الجديدة التي ازدهرت في الفترة الماضية. اتجاه جديد مع انهيار الحواجز التجارية أمام تحرير التجارة العالمية تفهم الشركات المصنعة الان ان التقليد لم يعد يجدى نفعاً حالياً ويقول تشانج سيون جونج رئيس معهد أبحاث الالكترونيات والاتصالات في كوريا لابد لهذه الشركات ان تخرج بمنتجات خاصة بها تحمل اسمها وعلاماتها التجارية. ويضيف ان شركات التكنولوجيا الفائقة الصغيرة في كوريا تساهم بنسبة 8.4% فقط من اجمالي الناتج المحلي لكن المسئولين يتوقعون ان ترتفع هذه النسبة الى 18% أو ما يعادل 130 مليار دولار بحلول عام 2005 وأن يعمل في هذا القطاع 2.1 مليون شخص. ويتضح التغير في الاتجاه وظهور اتجاه جديد بين الحكومات الآسيوية التي كانت تتبنى الحمائية التجارية فيما سبق. كوريا الجنوبية مثلاً فتحت أسواقها للهاتف الثابت وشبكات الاتصالات اللاسلكية. وقد ادى ذلك الى اطلاق موجة من الاستثمارات في الاتصالات خفضت التكلفة بشكل كبير وشجعت الشركات على إدخال الموجات الواسعة السريعة. كما ادى أيضا الى انطلاق أكبر موجة في العالم من انتشار استخدام الهواتف المتحركة والانترنت. هناك الان هواتف متحركة في أيدى نصف سكان كوريا الجنوبية البالغ عددهم 47 مليون نسمة و4.16 مليون شخص منهم يستخدمون الانترنت. وهناك نحو ثلاثة ملايين أسرة لديها اتصالات عن طريق الموجات الواسعة السريعة لاستخدام الانترنت من خلالها. ولن تختفى ثقافة التكنولوجيا الفائقة والانترنت من مجال الأعمال في المنطقة الآسيوية, حتى لو تناقصت الاموال والاستثمارات. وقد شعر المهندسون الذين تم تسريحهم في مدن في شرق آسيا من سول الى شانغهاي بأهمية انشاء شركات انترنت جديدة وأثرها عليهم. ويقول توماس لويس مستشار منطقة آسيا باسفيك لمجموعة بوسطن للاستشارات ان طفرة شركات الانترنت هزت مفهوم المؤسسة وطريقة تفكير الناس بشأن مستقبلهم العملي. والأكثر من ذلك ان المستثمرين في المشروعات الجديدة يقولون ان هناك كثيراً من الأموال مستعدة لتمويل أفكار جديدة. ولذلك فان أفضل رجال الأعمال المستثمرين في التكنولوجيا الفائقة الذين كانوا يتجهون الى كاليفورنيا أو نيويورك لتنفيذ مشروعاتهم وابتكاراتهم أصبحوا الآن يظلون داخل بلادهم وينفذونها فيها. وهناك بعض القطاعات الان في وضع يشبه وضع وادي السليكون من حيث إمكانية تحقيق انجازات حقيقية كبيرة الاستخدام المكثف للهاتف المتحرك في كوريا واليابان والصين يعني انه يمكن شراء أحدث هاتف متحرك بأحدث المواصفات والوظائف مقابل مئتي دولار فقط. وتطلق الأسواق المحلية بالونات اختبار لاستقدام التكنولوجيا الفائقة وتمثل تربة خصبة لنمو هذه التكنولوجيا. ويمكن ان تنافس شرق آسيا قريباً المنطقة الاسكندنافية كمصدر للاجهزة اللاسلكية متعددة الوسائق وأشباه الموصلات والبرمجيات والبطاريات التي تدير هذه الاجهزة. وقد أصبحت شركات الالكترونيات الكورية والتايوانية بالفعل قواعد انتاجية كبيرة للشاشات البللورية السائلة التي أصبحت تدخل في كل شيء من الحاسب الآلي الشخصي والهاتف المتحرك الى لوحات عدادات السيارات, وقد تكون فاقت اليابان من حيث الحجم, وتلاحق هذه الشركات وبسرعة كبيرة الأجيال الجديدة من الشاشات المصنوعة من مواد مرنة. ويعني الاستثمار في تصنيع اجهزة تستخدم الموجات الواسعة السريعة في انحاء المنطقة ان هذه الشركات يمكن ان تلعب دوراً كبيراً في انتاج المعدات التي تستخدم في شبكات الألياف الزجاجية. الديون المعدومة هناك أيضا احتمالات كبيرة للنمو من خلال تمكين شركات الانتاج الضخم القديم وتحقيق تقدم جديد عن طريق الاستفادة من التكنولوجيا. ويفصح جيمس هايبرين رئيس مجموعة الفكر الاستراتيجي في هونج كونج, الشركات ذات الملكية العائلية ان تستغل الخبرة التكنولوجية المتاحة لها من اجل تحقيق مزيد من الأرباح. هناك مثال على ذلك هو شركة كام يوين في هونج كونج التي تنتج الأطر المعدنية للساعات من 30 عاماً, وقد غيرت اتجاهها حالياً لانتاج أطر معدنية لأجهزة الاتصالات عالية التقنية وتعتزم انتاج المعدات الجراحية أيضا. ويقول هايبرين ان القدرة على الحصول على التكنولوجيا واستخدامها بطريقة أكثر فاعلية هي الوسيلة لتحسين الانتاج وزيادة نسبة النمو. وسوف يكون الفائزون في سباق التكنولوجيا في آسيا هي الدول التي تتمتع بقواعد هندسية قوية ومستويات تعليمية مرتفعة وبنسبة اتصالات متقدمة ومؤسسات وشركات لديها قدرة تنافسية عالية في السوق العالمية, وتشمل هذه الاقتصاديات تايوان وهونج كونج وكوريا وسنغافورة وتزداد هذه القدرات تدريجياً في الصين. لكن هناك سؤال لايزال قائماً هو كيف سيكون وضع بقية اقتصاديات المنطقة, حيث المستويات التعليمية منخفضة فالشخص العادي في تايلاند يحصل على 5.6 أعوام من التعليم في المتوسط. وتضاعف معدل الخروج من التعليم في اندونيسيا بين الفقراء الى 258% منذ الازمة الاقتصادية الاسيوية, وتختلف نسبة انتشار استخدام الانترنت وامتلاك الحاسب الآلي الشخصي في هذه الدول الجنوب شرق آسيوية عن كوريا واليابان. كما ان الشركات والقطاعات المالية فيها تعاني من نسبة مرتفعة من الديون المعدومة مما يعني انها غير قادرة على شراء معدات وتكنولوجيا جديدة مطلوبة لكي تواصل سباقها مع المنافسين من أصحاب المواقف المالية الأفضل في آسيا. لكنه اذا كانت اندونيسيا وتايلاند تبدوان الان في وضع أقل تنافسية فلايزال لديهما رجال الاعمال الذين يحاولون ايجاد مكان لهم في تكنولوجيا المعلومات العالمية. فقد بدأت فيتنام مثلاً بناء قاعدة للبرمجيات للشركات الاجنبية بناء على التعلم من تجربة طفرة صناعة البرمجيات في الهند. وأسست سيدة الاعمال الاندونيسية مارينا بوديمان مايسمى بمخيم بالي وهو عبارة عن مجموعة اكشاك تتصل بالانترنت وتطل على حقول الارز في هذه المدينة الاندونيسية, حيث ينتج مهندسو البرمجيات ما قيمته 10 ملايين دولار خلال العام الجاري. وتعتمد بوديمان على المناخ الملائم والأجور الأعلى من المتوسط السائد والأفراد المؤهلين لاستيعاب ثقافة وادي السليكون, أو حقل السليكون في هذه الحالة, في مدينة اشتهرت تقليدياً بشواطئها. وهناك حالة أخرى لكن من الصعب الحكم عليها هي ماليزيا حيث كان من المفترض ان يوفر مشروعها بتكلفة 3 مليارات دولار تحت اسم ممر الاوساط المتعددة العملاق الذي تفتق عنه ذهن رئيس الوزراء مهاتير محمد, طفرة اقتصادية جديدة من خلال ما يتوفر لها من مختبرات حديثة وشبكات آلياف ضوئية ومناطق حرة معفاة من الضرائب كلها تهدف الى جذب استثمارات في مجال البرمجيات والاوساط المتعددة. وقد جذب المشروع قليلا من الشركات الأجنبية ولذلك تحاول ماليزيا استغلال المواهب المحلية لاثراء هذا الاتجاه. وقد ادى هذا المشروع حتى الآن الى ميلاد 45 شركة انترنت جديدة من امثلتها الناجحة شركة فلير ستوديوز التي تقوم بتصميمات ثلاثية الأبعاد من الرسومات. ورغم ذلك لم يحقق المشروع حتى الآن الأهداف المرجوة منه. غير ان هذا لا ينبغي ان يحبط عزم آسيا فقد يدخل البحث عن تكنولوجيا منافسة وايجاد ثقافة اعمال تضمن للعمال ورجال الأعمال الاستفادة منها, مرحلة جديدة من النمو السريع. حقيقي انه يبدو ان أمام آسيا طريقاً طويلاً جدا قبل ان تحقق هذا الهدف اذا نظرنا اليها من بعيد لكن العملية قد بدأت بالفعل من خلال شركات الانترنت الجديدة ومجموعات الشركات المستنيرة ومختبرات البحث الذكية وانتشار استخدام الانترنت والهاتف المتحرك نسبيا. ويقول المثل الصيني المعروف ان رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. مستقبل التكنولوجيا في آسيا التكنولوجيا الحيوية: تخلفت شرق آسيا عن الغرب في العلوم الحيوية, لكن ثروة المنطقة من العقول وانخفاض التكلفة قد يجعلان من سنغافورة وتايوان والصين وكوريا مراكز عالمية لخروج اكتشافات في العلوم الوراثية والبنية الجزيئية وتحويلها الى منتجات تجارية. تطبيقات الانترنت الهوائية: تأمل شركات الالكترونيات في شرق آسيا ان تلعب دوراً على الساحة العالمية في مجال المنتجات الرقمية المتصلة بالانترنت. البرمجيات: تأمل شركات مثل اندونيسيا وفيتنام في أن تجعل من نفسها وكلاء لتطوير تطبيقات البرمجيات وخدمات الانترنت. الشرائح الالكترونية: تعتبر كوريا وتايوان وسنغافورة موردين رئيسيين لاشباه الموصلات وتأمل الآن في منافسة وادي السليكون كمنتجين لشرائح الاوساط المتعددة ذات الاستخدام واسع الانتشار والمربحة في ذات الوقت. إعداد: أشرف رفيق