مما لا شك فيه أن العولمة لها أثر مباشر في سياسة الدولة المالية والنقدية, وكذلك أنظمتها الضريبية فالعديد من الدول العربية أصدرت نظماً ضريبية لمواجهة الانخفاض في مواردها المالية وزيادة أعباء الانفاق الحكومي ولممارسة سيادتها من خلال النظام الضريبي الملزم, ولكن هذا لا ينسجم والمباديء الأساسية التي تقوم عليها العولمة , فإذا كانت الضريبة والتعرفة الجمركية على وجه التحديد أكثر أدوات السياسة التجارية أهمية بين التبادلات الدولية, ووسيلة حمائية تتخذها الدول النامية, فإن النظام الاقتصادي العالمي الجديد يسعى الى خلخلة الهياكل الضريبية, والنتائج إذن مرهقة لاقتصادات الدول النامية على المديين المتوسط والبعيد, بينما المستفيد الأول من فتح الأسواق وإلغاء التعرفة الجمركية هي الاقتصادات المتقدمة. يقول د. سعيد عبد الخالق مدير التشريعات الاقتصادية بوزارة الاقتصاد المصري: السياسة الجمركية لأية دولة تهدف أساساً إلى حماية صناعاتها المحلية وليس لتوليد إيرادات وخاصة بالنسبة إلى الدول الصناعية المتقدمة, ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال انخفضت أهمية, وعلى العكس تماماً فإن الضرائب الجمركية في العديد من الدول النامية تمثل مصدراً أساسياً للدخل القومي, فقد وصلت إلى أكثر من 30% من حصيلة الايرادات الضريبية في 47 دولة نامية خلال الفترة من 1969-1971 وتتميز النظم الضريبية بهذه البلدان بارتفاع النصيب النسبي لحصيلة الضرائب المفروضة على قطاع التجارة الخارجية من جملة الموارد الحكومية التي تشمل الضرائب على الواردات والضرائب على التصدير و الضرائب على الصرف الاجنبي, ويكمن السبب وراء هذا التوجه في هذه الدول إلى تعاظم أهمية قطاع التجارة الخارجية نظراً لتزايد عوائده الضريبية للخزانة العامة, وسهولة تحصيل الضريية على التجارة الخارجية, كما هو الحال في الضريبة على الاستهلاك بسبب اندماجها في الثمن دون وعي من المستهلك والقدرة على مراقبتها بدقة لارتباطها المباشر بواقعة منشأ الضريبة كعبور الحدود الاقليمية استيراداً أو تصديراً, الأمر الذي يقلل من احتمالات التهرب منها. هذا بالاضافة إلى أن انتهاج سياسة نمو طويلة الأجل في كثير من البلدان العربية في الوقت الحاضر يتطلب الانفتاح الاقتصادي والدخول في فلك العولمة والحد من التدخل الحكومي ولكن يصطدم هذا الطموح مع العوائق الجمركية التي تفرضها العديد من هذه الدول, ففي حين تبلغ نسبة متوسط التعرفات الجمركية في الدول الأفريقية 27% نجده في دول شرقي آسيا 15% ويصل متوسط شمول الحواجز غير الجمركية إلى أكثر من عدة أضعاف متوسطة في مجموع البلدان النامية الأسرع نمواً.. وبالنسبة للدول العربية وما تعنيه العولمة من أنها جملة أمور بعضها جيد وبعضها الآخر لايزيدها إلا سوءاً وانتكاساً, فالاتفاقية العامة للتجارة والتعرفات الجمركية (الجات) أو تحرير تجارة السلع والخدمات وحرية انتقال رؤوس الأموال بجميع صورها تساعد هذه الدول في الحصول على منافع تنموية كالتقنيات الحديثة نسبياً والمساعدات الانتاجية والدعم المالي من خلال برامج تعزيز الواردات وإعادة التصدير مما يؤدي إلى تحسين مزايا أو أفضليات اقتصادية كمساعدات رسمية من الهيئات الدولية. انعدام الحماية الجمركية بينما يرى د. منير هندي استاذ الادارة المالية بجامعة القاهرة على الجانب الأخر أن الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفات الجمركية - الجات أو تحرير تجارة السلع والخدمات وحرية انتقال رؤوس الأموال بجميع صورها تؤدي إلى زيادة الاعتماد التجاري على الاستيراد وضعف أو انعدام الحماية الجمركية على الصناعات المحلية علاوة على اضمحلال أو تدهور المتحصلات الضريبية المترتبة على تخفيض أو إلغاء التعرفة الجمركية والضريبة النوعية على البضائع والخدمات المستوردة بل إن البعض يرى أن نهاية هذه التبعية التجارية مؤلمة تزيد من اللامساواة فيما بين الدول وأيضاً في داخل الدولة الواحدة بدلاً من أن تسعى إلى الحد من عدم العدالة الضريبية. ويضيف د. منيرهندي أن مثل هذا التحرير يؤدي في نهاية المطاف إلى تغيير في هيكل النظام الضريبي لهذه الدول نحو الضرائب على المبيعات أو الضرائب على الدخول عوضاً عن الضرائب النوعية والتعرفة الجمركية بموجب الالتزام بتلك الاتفاقية.. ولا تملك هذه الدول إلا أن تسعى إلى إنشاء مناطق حرة تمارس فيها الحرية التامة في الإنتاج والاستهلاك بعيداً عن الأنظمة الضريبية وبالتالي تحقيق الحرية المطلوبة بالاتفاقية وإعفاء الدول العربية من ضرورة منح اعفاءات ضريبية أو إمتيازات خاصة وبالذات لسلعها المحلية هذا على المدى المتوسط نسبياً. تقلبات في الصادرات بينما يري نبيل منصور الوزير المفوض التجاري لادارة الدول العربية بجهاز التمثيل التجاري, أن ذلك على المدي الطويل يؤدي إلى تقلبات في الصادرات والضرائب المفروضة عليها نتيجة للتغيير في الطلب العالمي على المنتجات الأولية وذلك بحكم مفعول قانون إنجل للاستهلاك ومؤداه تناقص الانتاج على الاستهلاك مقابل ارتفاع مطرد بمستوى المعيشة, والتغيير في التقنيات وثورة المعلومات التكنولوجية, يضاف إلى هذا ارتفاع الميل المتوسط للاستيراد في الدول العربية والتبعية الاقتصادية للخارج مما يشوه البنيان الإنتاجي فيها مع تزايد ما يسمى بالاستهلاك الترفي. وقد حققت دول الاتحاد الأوروبي وبعض دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية تقدماً واسعاً في مجال الإصلاح الاقتصادي وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وبرامج الخصخصة على الاطلاق من خلال أشكال متعددة من التحالفات والمحاور الاقتصادية وبرامج حماية التجارة الخارجية مما يساعد على ارتفاع أعداد المؤسسات متعددة الجنسيات التي أسمهت بشكل مباشر في إحداث تغييرات بنيوية وإدارية وقانونية ُفي كيانها مما ساعد بدوره في انتشار العولمة. ويتساءل نبيل منصور: هل تستطيع كل الدول النامية بما فيها الدول العربية إيجاد مثل هذه المناطق وبالتكلفة الاقتصادية والإجتماعية الباهظة وغير الممكنة للعديد منها خاصة في ظل غياب أو ضعف السوق المحلية؟ وهل تستطيع كل هذه الدول الدخول في تحالفات استراتيجية اقتصادية أو محاور تقوم على المصالح المشتركة؟ وهل تستطيع كل دولة اتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية استثماراتها العالمية في عالم متقلب ومتنام وآخذ بالتعقيد التبادلي؟ الإجابة بالتأكيد هي النفي, ناهيك عن أن إنشاء مناطق للتجارة الحرة أو إدخال تشريعات للحماية أو توقيع اتفاقيات منافع متبادلة لا يحل المشكلة الرئيسية التي تواجه الدول النامية بما فيها الدول العربية من خلال برنامج العولمة والاصلاحات الاقتصادية المترتبة عليها والمنافسة الشديدة التي ستتعرض لها منتجاتها ومؤسساتها المحلية, وفي جميع الأحوال فإن العولمة ليست أمرا حيوياً حيث تستطيع أية دولة أن تختار عدم الانضمام إلىها ولكن الثمن سيكون باهظاً ولنا نماذج في عدد من الدول التي سلكت هذا الخيار مثل بورما وكوريا الشمالية والعراق وليبيا وإيران. منافسة الأسواق العالمية ويرصد د. فاروق شقوير (الخبير الاقتصادي العربي) بعداً آخر ناجم عن تأثير العولمة على النظام الضريبي في الدول العربية مؤداه أن العولمة بانفتاحها الاقتصادي قد تتسبب في كثير من المعاناة لفئات المجتمع ذات الدخول المحدودة أو التي تعيش على المساعدات الحكومية وهي لاشك فئة كبيرة إن لم تكن الأكبر خاصة في الدول النامية والفقيرة.. فالدولة تهتم بمخاوف الناس وتسعى إلى التخفيف من معاناتهم من خلال برامج تقديم المساعدات المختلفة محلياً وخارجياً وهو أمر لا تعرفه الأسواق العالمية, ومن المؤكد أن التوسع في تطبيق الانفتاح الاقتصادي يقود إلى فقدان الدولة القدرة على تحديد الهياكل الضربية ومعدلاتها لاسيما في البلدان الصغيرة كما أنه يساعد على التهرب الضريبي خاصة من قبل الشركات والأفراد على السواء نتيجة لحرية انتقال رؤوس الأموال والعوائد المصاحبة له. ونظراً لسوء تنفيذ القواعد والنظم الضريبية وفرض معدلات ضريبية مرتفعة على أوعية ضريبية ضيقة فقد أوجد هذا دافعاً لكثير من القطاعات الخاضعة للضريبة للتهرب منها ومن هنا لجأت العديد من الدول العربية إلى إيجاد صيغ ضريبية منافسة تقلل من احتمالات الهرب, الأمر الذي يؤدي بدوره إلى التأثير على متوسط مستوى الضريبة بها. ويتوقع (شقوير) أن تشهد بعص هذه الدول تركيزاً على ضريبة دخول الأفراد وما يتبعه من سياسات الإنفاق الإجتماعي باعتباره عاملاً مهما في هجرة الأيدي العاملة, كما أنه من المنطقي أن تدفع العولمة نحو التقارب في الانظمة الضريبية تدريجياً من خلال التنسيق الضريبي أو المنافسة الضريبية, ولعل أخطر ما يمكن أن تتسبب به العولمة على النظم الضريبية هو أن توجد نوعاً من التعارض بين الاعتبارات الضريبية والسياسات الضريبية المفروضة بالبلد الواحد مع إثارة عدم تحقيق معدل الضريبة الأمثل.. ويعبر الاقتصاديون وخبراء المالية العامة عن هذه الحالة بانعدام المرونة في الحصيلة الضريبية المتأتية من قطاع التجارة الخارجية, وفي النهاية يؤدي كل ما تقدم إلى إحداث تأثير سلبي مباشر على التوازن المالي للدولة بسبب الانخفاض في الحصيلة الضريبية على الصادرات وحركة الواردات أو تدهور القدرة التصديرية للدولة مع تقلب أسعار الصرف نحو الأسـوأ.