في الوقت الذي دار حديث طويل حول قضايا الدفاع والأمن في منطقة المتوسط وأوروبا, فإن إحدى النتائج الرئيسية الواضحة لقمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا التي عقدت في اسطنبول مؤخرا, كانت زيادة حدة الصراع الدولي حول أي من خطوط أنابيب النفط والغاز ستتولى مهمة التصدير وما الذي ستصدره وإلى أي بلد وكيف سيتم ذلك . وفيما أصبح الآن حالة نموذجية للحرب الاقتصادية الدولية بين دول عدة, فقد سجلت الولايات المتحدة بعض النقاط الرئيسية. وكما خطط للقيام به, وقال البعض ان هذا كان في الواقع أحد الأسباب الرئيسية التي دفعته إلى القيام بهذه الرحلة, فقد تمكن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون من ترأس حفلين متلازمين. ففي الحفل الأول, حضر كلينتون المصادقة الرسمية على اتفاقية ثلاثية الأطراف بين أذربيجان وجورجيا وتركيا لصالح المشروع الذي يحظى باهتمام بالغ وهو خط أنابيب النفط من باكو - جيهان. وفي الحفل الآخر, كان حاضرا أيضا عندما وقعت تركيا وتركمانستان بروتوكولا لصالح تصدير الغاز التركماني إلى تركيا. وفي ظل حقيقة قيام الولايات المتحدة بالضغط بشدة في السنوات الأخيرة لصالح هذين المشروعين, فإن المسئولين الأمريكيين شعروا بالنشوة عمليا لما جرى. ومع ذلك, فقد أقروا انه في الوقت الراهن, فإن هذه الاتفاقيات يغلب عليها الطابع السياسي, وانه سيتعين العمل على التفاصيل الفعلية لها. فعلى سبيل المثال, بدا من الواضح انه مع توقيع الاتفاقية لصالح خط أنابيب باكو - جيهان, فإن الخطط الأخيرة التي نوقشت من أجل اعتماد طريق محتمل أرخص عبر أرمينيا, ينبغي ركنها جانبا في الوقت الراهن. وبسبب عدم الاستقرار السياسي في المنطقة, لم تكن أرمينيا وأذربيجان في وضع يسمح لهما بالتوقيع على اتفاقية سياسية ودبلوماسية بين الدولتين حول مسألة اقليم كارباخ والتي كان من شأنها أن تفتح الأراضي الأرمينية أمام خط الأنابيب. وتبعا لذلك, وحيث ان حالة عدم الاستقرار الاقليمي لا تزال قائمة في المنطقة, فإن مسألة ضمان سلامة خط الأنابيب ذاك أصبحت حادة تماما. لقد كان هناك أحاديث عن نشر وحدات خاصة من قوات الناتو لحمايته. وحيث ان هذا الاقتراح قد يثير ردود فعل سلبية واسعة النطاق في المنطقة وبالتالي التسبب بمزيد من عدم الاستقرار السياسي, فقد اقترح بدلا من ذلك بأن تقوم قوات من الولايات المتحدة والناتو بتقديم تدريب خاص لوحدات تركية - أذربيجانية مشتركة. إلا ان جورجيا التي تسعى لنيل العضوية في الناتو, طلبت هي الأخرى أن يتم ادراجها في برنامج التدريب. وقبل أن يتحقق ذلك, هناك حاجة لمعالجة المزيد من القضايا الحياتية الأخرى. فعلى سبيل المثال, أكدت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا على انها وفي حين قد تكون مستعدة للمساعدة في تمويل أو ضمان الاستثمارات الضرورية لبناء خط الأنابيب, فإنه لن يكون بمقدورها القيام بذلك طالما انه ليس هناك اتفاق رسمي بهذا الشأن. الآن وبعد أن تم هذا, فإن على واشنطن أن تفي بوعودها السابقة إلى حد ما. وتبقى معظم الدول المشاركة في هذا المشروع أصابعها موجهة إلى هذا الهدف. إن الكونجرس الأمريكي يقضي حاليا عطلة له. وحالما يعود للانعقاد, ستكون الولايات المتحدة في خضم الحملة الرئاسية الأمريكية, وقد لا تكون المعارضة الجمهورية التي تهيمن على الكونجرس في مزاج يسمح لها بمساعدة الإدارة الديمقراطية على الايفاء بوعودها, خصوصا وان هذا قد يعني منجما ماليا كبيرا لشركات النفط الأمريكية وتلك المرتبطة بالنفط, وقد يكون لهذا عواقب انتخابية ايجابية على الديمقراطيين. وبالتالي, فإن الكونجرس قد يختار فقط تأجيل المسألة. لقد قيل في الواقع, ان هذا هو آخر الأسباب الذي يجعل شركة بي بي - أموكو التي تدير كونسورتيوم أيوك الذي من المفترض أن يستخدم خط أنابيب باكو - جيهان والتي يقال بأنها وافقت على المشروع بتردد كبير بسبب تكلفته يجعلها تحتفظ بالعديد من الخيارات الأخرى مفتوحة على مصراعيها وهناك وضع مماثل قائم مع اتحاد شركات الغاز الذي تقوده شركة بي اس جي والذي من المفترض أن يقوم بتصدير منتجاته من تركمانستان إلى تركيا. وعلى نحو حذر, فإن كونسورتيوم بي اس جي المؤلف من شركات جنرال الكتريك وبيشتيل وشيل لا يتوقع أن يكون بمقدوره وضع ميزانية مالية لمشروعه قبل نهاية عام 2000. وبالاضافة إلى ذلك, فإن المشروع يواجه بعض المعوقات الفنية التي عليه تجاوزها, حيث ان روسيا وإيران تعارضان بشدة أي مشروع لمد خط أنابيب للغاز تحت الماء في بحر قزوين وحجتهما في ذلك هي ان هذا المشروع ستكون له تأثيرات بيئية سلبية. وبالفعل, فإن بحر قزوين ليس مجرد منطقة لنشاط استخراج النفط والغاز وإنما يظل أيضا مصدرا هاما للغذاء. وباختصار, وبصرف النظر عن مدى كون الأمر درامتيكيا, فإن الولايات المتحدة كسبت بالفعل معركة نفسية مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء, لكنها لم تكسب حتى الآن الحرب على خطوط الأنابيب. بل على العكس من ذلك, يتوقع لهذه المعركة أن تستمر لبعض الوقت في المستقبل. ولقد تأكد هذا الأمر, في واقع الحال, في أعقاب انتهاء مؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مباشرة عندما قررت روسيا المضي قدما في هجوم واسع النطاق على عدة جبهات في آن واحد, في محاولة لطي المشاريع الأمريكية في المنطقة. لقد كان المسئولون الروس, بالتأكيد, وعبر تصريحات قاسية تذكرنا بأيام الحرب الباردة, متشددين في شجبهم للمشروعات التي صادقت عليها الولايات المتحدة. ونتيجة لذلك, لم تتردد موسكو في اللجوء إلى سياسة العصا والجزرة التقليدية في محاولتها لاقناع تركيا ودول القوقاز بتغيير رأيها. ومن قبيل المفارقة, فإن (العصا) تم تقديمها من خلال الأحداث الجارية في الشيشان مع تلويح موسكو بالتهديد بالانتقام من تلك الدول التي تسمح بارسال الامدادات العسكرية إلى المنطقة. وربما تكون روسيا قد أدانت في الآونة الأخيرة العديد من الدول في آسيا أو الشرق الأوسط, ولكن من الواضح أن لديها القليل من وسائل الضغط عليها. ولا تعتزم, بأي حال, القيام بشيء ذي أهمية حيال ذلك. وبدلا من ذلك, فإن الروس ركزوا ضغوطهم على تلك الدول التي تهم حقا فيما يتعلق بمصالحها في مجال الطاقة, وأهمها تركيا وأذربيجان. فعلى سبيل المثال, أرسلت موسكو, مع انتهاء أعمال قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا, فيشيسلاف تروبنيكوف, رئيس وكالة الاستخبارات المضادة الروسية إلى تركيا للالتقاء بسنكال أتاساجون, رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية التركي. وأفادت الأنباء بأن الاجتماع كان وديا. وقد تم الاعداد لهذا الاجتماع في وقت سابق عندما أخبر الرئيس الروسي بوريس يلتسين الرئيس التركي سليمان ديميريل على هامش اجتماع القمة لمؤتمر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا, بأن روسيا لديها أدلة على وجود (معسكرات تدريب) في تركيا, وان موسكو ترغب بتبادل المعلومات حول هذه المسألة. وبالتالي, عندما اجتمع قادة وكالة الاستخبارات المضادة الروسية وقادة جهاز الاستخبارات الخارجية التركي, جرى تبادل للمعلومات بين الطرفين. إلا ان الأمر لم يستغرق طويلا حتى أخذت المحادثات تركز على مقايضة أوسع نطاقا. ففي حين قدم الروس معلومات حول ما اعتقدوا بأنها شبكات دعم للشيشان في تركيا, فإن الأتراك قاموا بالشيء نفسه من حيث اعطائهم للروس معلوماتهم الخاصة حول شبكات دعم للأكراد في روسيا. وخلاصة القول, فإن تركيا قد تفكر باتخاذ اجراءات صارمة ضد الشبكات الشيشانية إذا ما أوقفت روسيا دعمها للعناصر الكردية التي لا يزال يمثل نشاطها تهديدا للانشاء المحتمل لخط أنابيب باكو - جيهان. وبتوازي مع ذلك, تم توجيه الدعوة للرئيس الأذربيجاني حيدر علييف للالتقاء برئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر الماضي. ولم يتم الاعلان سوى عن قليل مما دار بالفعل بين الرجلين. إلا انه من المعروف ان الروس وجهوا الاتهام للأذربيجان بالتدخل في الشيشان واستغلوا أي دليل قد يكون أو لا يكون بحوزتهم كابتزاز لباكو, ومهددين بعمليات انتقام جدية. وفي الواقع انه ليس هناك من ساذج أو مغفل. فالحرب المستمرة في الشيشان لا يجري استخدامها إلا كذريعة ومجرد ذكرها إنما هو أسلوب رمزي في التعبير عن عدم رضى موسكو في خيارات تركيا وأذربيجان في مجال الطاقة. إلا انه ونظرا لوجود حرب حقيقية في الشيشان, فإن هذا يوجد المبرر القانوني الدولي لروسيا كي تبدي ردة فعلها. ومن جهة أخرى, إذا تراجعت كلتا الدولتان عن خططهما الحالية المتعلقة بالطاقة, فإن موسكو ستسارع إلى نسيان كل ما يتعلق بتدخلاتهما المزعومة. ومهما تكن القضية, ففي مثل هذا النوع من الحرب الاقتصادية, ينبغي استخدام شتى الوسائل المتاحة, وهذا الأمر يثبت أيضا ان الدبلوماسيين الروس لا يزال لديهم الذكاء الكافي لقلب الأمور لصالحهم, بحيث يعملون على تحويل حالة (ضعف) , أي الشيشان, إلى (ربح اضافي) , حيث ان هذا يعطيهم تبريرا مقبولا لفرض الضغط على الجيران. إلا انه وكما يدرك الروس تمام الادراك, فإن سياسة التهديدات لن تؤدي بهم إلى أي مكان, ما لم تكن مصحوبة باقتراحات وبدائل جبرية. وفي الآونة الأخيرة, ذهبت موسكو إلى حد بعيد في محاولتها ايجاد حوافز اقليمية. أحد هذه الحوافز كان يهدف إلى اعطاء زخم جديد لعملية البناء النهائية لخط الأنابيب الذي يربط حقل تبخيز النفطي. بميناء نوفوروسيسك الروسي والذي من المقرر أن يقوم ببنائه كونسورتيوم خط أنابيب قزوين الدولي الذي يضم شيفرون أويل وشركة النفط الوطنية العمانية وكازاخستان وروسيا. ومن أجل أن ينتهي العمل فيه في أكتوبر عام 2001 لتصدير ما يصل إلى 560 ألف برميل في اليوم, اضافة إلى خط الأنابيب الموجودة حاليا, تم مد الجزء الأول منه في 17 نوفمبر الماضي. ومع ذلك, وكما اشتكى الشركاء الأجانب لدى الروس, فإن الانتهاء من العمل قد أعيق بفعل قوانين الضرائب المتعددة التي تفرضها روسيا, والتي ستواجه الكونسورتيوم حالما يعبر من كازاخستان إلى روسيا. وبالتالي, اجتمع فلاديمير بوتين مع جميع الشركاء الأجانب في الثاني من ديسمبر الجاري, وأكد في الاجتماع على التزام روسيا بانجاز المشروع, والتزامها كذلك بازالة جميع المعوقات المالية والضرائبية أمام تحقيقه. وفي الوقت نفسه, أعلن بوتين انه وبالرغم من الأزمة الجارية في الشيشان, فإن روسيا تمضي قدما في بناء خط أنابيب جانبي لاتاحة المجال أمام النفط الأذربيجاني للوصول إلى تفوروسيسك, كما ان هذا الخط الجانبي يمكن في نهاية الأمر ربطه بخط أنابيب كونسورتيوم قزوين الدولي, مما يزيد من كمية النفط الذي تستطيع أذربيجان تصديره عبر نفوروسيسك. وفي هذه المرحلة, فإن هذا الترتيب لا يروق للأذربيجان أو الأتراك. إلا انه, مع مضي كونسورتيوم خط أنابيب قزوين الدولي قدما بعمله على أن يكون الخط في الخدمة الفعلية في غضون أقل من عامين, فإن عملية الربط مع خط أنابيب كونسورتيوم قزوين الدولي قد يبدو جذابا في حينه للأذربيجان, خاصة وان خط أنابيب باكو - جيهان لا يمكن توقع دخوله حيز الخدمة الفعلية قبل عام 2003 على أقل تقدير. وهذا أيضا يثير نقطة هامة وهي انه بصرف النظر عن الألعاب الدبلوماسية والجيوسياسية, فإن الوقت يظل عاملا حاسما. ومهما تكن الأفضليات, فإن من ينجح فعليا في تجميع بعض شبكات أنابيب النفط والغاز الجديدة قبل منافسيه, سيكون في وضع جيد جدا يؤهله للفوز بتلك المعركة ومن الواضح ان هذا يعني أيضا انه من المتوقع أن تستخدم الأطراف ذات العلاقة العديد من الخدع والحيل القذرة. وفي غضون ذلك, يعتبر (عامل الوقت) السبب أيضا وراء قرار روسيا في 22 نوفمبر الماضي أي بعد أقل من أربعة أيام على اجتماع قمة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا اعطاء زخم مفاجئ والتسريع في خطط سابقة لصالح بناء خط أنابيب الغاز بين روسيا وتركيا والمعروف باسم (بلوستريم) . وإذا أمكن بناء خط أنابيب (بلوستريم) بوقت قصير نسبيا, فإن هذا سيعني اعلان وفاة لمشروع أنابيب الغاز الذي يربط تركمانستان بتركيا والذي يقوده كونسورتيوم بي اس جي. وقد تحتاج تركيا إلى الكثير من امدادات الطاقة في السنوات المقبلة, ولكن لن يكون هناك مجال لخطوط أنابيب مكلفة جدا لنقل الغاز. وبحلول 22 نوفمبر, نجحت شركة جازبروم الروسية, المقاول الرئيسي في المشروع, بصياغة اتفاقية مع شركات ايطالية وفرنسية ويابانية ستشارك في المشروع. وفي اليوم التالي, 23 نوفمبر, أكد الجانبان في الكونسورتيوم الدولي الذي يعمل في مشروع (بلوستريم) وهما جازبروم وشركة (إيني) الايطالية على تعاونهما. ومهما تكن الخطوات مهمة, فإنها لم تكن كافية. فقبل ذلك ببضعة أسابيع فقط, كان رئيس الوزراء التركي بولنت أجاويد في موسكو للبحث في مستقبل مشروع (بلوستريم) , لكن الطرفان فشلا في المصادقة على اتفاقية رسمية. وكانت الحجة التي ذهبت إليها السلطات الروسية تتلخص في انه وفي حين انهم مهتمون حقا بمشروع (بلوستريم) الذي يعتبر أرخص وأسرع من مشروع بي اس جي, فإنه لم يكن بمقدورهم الزام أنفسهم به حتى يكون بحوزتهم ضمانات صارمة بأن خطط الحكومة الروسية ستحظى بموافقة البرلمان الروسي. ويشير هذا بشكل خاص إلى ضمانات تشريعية بأن تحظى الشركات الأجنبية بحوافز ضرائبية كافية لكي يمضي العمل قدما ولكي تكون امدادات الغاز أرخص بكثير من غيرها. ومنذ عام ,1997 عندما تمت صياغة المشروع لأول مرة, لم تف السلطات بذلك الوعد. إلا انه, وقبل أن يستطيع البرلمان الروسي القيام بذلك, يتعين على شركة جازبروم أن تحصل على تصديق على المشروع من شركائها المحتملين. وبحلول 25 نوفمبر, حصلت جازبروم على تلك المصادقة. وفي 28 نوفمبر عقدت الحكومة الروسية جلسة استثنائية برئاسة رئيس الوزراء للمراجعة والمصادقة الرسمية على اتحاد جازبروم مع شركائها الأجانب. وفي 29 نوفمبر, قامت الحكومة رسميا بابلاغ الدوما أي البرلمان الروسي بمشروعها طالبة من أعضاء الدوما المصادقة على المشروع ومنح الشركات الأجنبية المشاركة فيه اعفاء من الضرائب تصل قيمته إلى 8.1 مليار دولار. وهذا لم يكن بالطلب السهل, حيث ان الدوما سبق له أن رفض مثل هذا العرض عندما كان الأمر يتعلق بمشاريع أخرى. وعلى الرغم من ذلك, التأم مجلس الدوما في الأول من ديسمبر لدراسة المشروع الذي صودق عليه في النهاية بأغلبية ساحقة بلغت 346 صوتا وبمعارضة خمسة أصوات فقط. ولم تكن المصادقة على المشروع تحتاج سوى لـ 226 صوتا. وقد عكس هذا الحشد غير المتوقع بوضوح القلق العام في أوساط جميع الأحزاب السياسية من أهمية المشروع للمصلحة القومية الأساسية لروسيا. وهذا الأمر يضع الأتراك الآن في وضع مميز فمن وجهة نظر اقتصادية ومالية محضة, من الواضح انهم في وضع يؤهلهم للاستفادة من المنافسة بين الروس والتركمان فيما يتعلق بمن يستطيع تسليم الغاز إلى تركيا قبل الآخر وبأسعار أرخص. وعلاوة على ذلك, فإن تركيا بحاجة إلى المشروع. فبسبب التأثير المشترك للزلازل الأخيرة التي أصابت بعضا من محطات توليد الطاقة الكهربائية والشتاء القاسي الذي يجتاح روسيا وأوكرانيا, الأمر الذي دفع بجازبروم إلى تخفيض ارسالياتها من الغاز من 945 مليون متر مكعب في اليوم إلى 700 مليون متر مكعب في اليوم - بسبب هذا كله, اضطرت السلطات التركية إلى اتخاذ قرار بتخفيض امدادات الطاقة الكهربائية إلى أنقرة بمعدل ساعتين يوميا. ووفقا للاتفاقية الأولية الموقعة بين شركة بوتاس التركية وشركة جازبروم الروسية في عام ,1997 فإن مشروع (بلوستريم) سيعني التسليم الثابت لـ 16 مليار متر مكعب في السنة لمدة 25 عاما. ونظرا للتكلفة المنخفضة نسبيا التي تتحملها تركيا في شراء الغاز الروسي, فإن أنقرة لا يمكنها هكذا ببساطة أن تقول (لا) للعروض الروسية الأخيرة. ومع ذلك, لا مجال لاخفاء حقيقة أن الأتراك توقعوا أن يرفض الدوما الروسي الاقتراح الذي قدمته الحكومة الروسية, مما يمنح مجالا لتركيا كي ترفض مشروع (بلوستريم) لصالح مشروع بي اس جي الذي ترعاه الولايات المتحدة. وبالطبع, فإن رفض تركيا الآن لمشروع بي اس جي قد يضع واشنطن وأنقرة مجددا على طرفي نقيض في وقت تحتاج تركيا للدعم الأمريكي في العديد من القضايا المختلفة. وقد تعرضت الزيارة الأخيرة التي قام بها بولنت أجاويد إلى أمريكا في أوائل أكتوبر إلى التشويش بفعل تلك الأزمة, حيث كان الأمريكيون يتوقعون أن يرفض الأتراك على نحو واضح مشروع (بلوستريم) . وقد اعتبر أجاويد في حينه انه من غير الحكمة القيام بذلك في مرحلة مبكرة كهذه. والمخرج الوحيد أمام الأتراك قد يكون القبول بالعروض الروسية بشروط عدة, أحدها هو انه إذا أخفقت روسيا في الايفاء بأي موعد محدد, فإن تركيا لن يكون أمامها خيار سوى التحول إلى الخيار التركماني. وفي الوقت الراهن, يبدو ان مشروع (بلوستريم) , مع ذلك, يتمتع بأفضلية على مشروع بي اس جي. وفي ظل وجود جازبروم و(ايني) كمقاولين رئيسيين, فإن المشروع يتجه حاليا لضم شركة (بويجيس أوفشور) الفرنسية, التي سيتم التعاقد معها لانشاء محطة لضغط الغاز بتكلفة 250 مليون دولار في بيريجوفايا. وسيضم المشروع فيما بعد شركة (سيبيم) الايطالية للقيام بعمليات الانشاء الفعلية لخط أنابيب للغاز تحت الماء على عمق 2150 مترا, وبحيث تتعاون (سيبيم) مع شركات ميتسوي وايتوشو وسوميتومو اليابانية التي من المتوقع أن تقوم بتزويد جزء من الأنابيب. وبينما تمت المصادقة على الاتفاقيات بين جميع هذه الشركات, فإن الاتفاقية المالية قد وضعت هي الأخرى. ويتوقع أن تجمع كل من ايني وجازبروم 200 مليون دولار للمشروع. ومن أجل القيام بذلك, تكتلت العديد من مصادر التمويل لتقدم خدماتها. فعلى سبيل المثال, أبدت شركة (ميتي) اليابانية استعدادها لتقديم ضمانة لما يصل إلى 450 مليون دولار, وستقوم وكالة هيرميس الألمانية بتقديم ضمانة بـ 400 مليون دولار أخرى بينما تلعب شركة مانسمان الألمانية دورا في عملية الانشاء. وعلاوة على ذلك, سيقوم كل من بنكا كوميرشيال وميديوكريديتو سنترال الايطاليين وبدعم من شركة سيس الايطالية, بتقديم تمويل بقيمة 800 مليون بالتعاون مع بنك (دبليو دي ال بي) الألماني. وفعليا, فإن حصة كبيرة من تمويل المشروع, الذي يتوقع أن تبلغ تكلفته الاجمالية 9.2 مليار دولار, بدءا من مد خطوط الأنابيب إلى بناء محطة الضغط, قد تم تأمينها. وهذا يفوق كثيرا ما حققه مشروع بي اس جي في هذه المرحلة. ووفقا لأقوال الروس وشركائهم الأجانب, فإن 50% من المشروع ينبغي أن يكون جاهزا للعمل بحلول فريق عام 2001 قبل أن يكون جاهزا للعمل 100% في السنة اللاحقة. ولكن من الواضح أن الكثير من الغموض يظل ماثلا إن لم يكن لشيء فللأخطار السياسية المتصاعدة في روسيا. وعلى الرغم من ذلك, من الواضح أنه وبصرف النظر عن الأزمة السياسية المستشرية في روسيا في السنوات الأخيرة, فإن شركة جازبروم نجحت بالفعل في المضي قدما بخط أنابيب غاز جديد, تم تدشينه في الثالث من ديسمبر الحالي, يربط روسيا برومانيا كخطوة أولى نحو خطوط اضافية إلى المجر والنمسا. وخلاصة القول, فإنه عندما يتعلق الحديث بامدادات الطاقة, فإن حبل النجاة الروسي الأعظم والقضايا السياسية الداخلية, لا يعد لها أية أهمية, وقد يؤدي هذا بدوره إلى تمييل أنقرة لصالح دعم مشروع (بلوستريم) وقد يحدث هذا في الأسابيع المقبلة, لكن لن يكون بالتأكيد, نهاية القصة. تيري لاليفيه