القصص عن أطفال لا تزيد أعمارهم على العاشرة, هاربين أو مخطوفين, مشوهين أو مغتصبين كثيرة جداً, إلى جانب فائض البلدان الفقيرة التي تجتاحها الحروب أو الكوارث الطبيعية, الذين ينتظرون دورهم ليباعوا في سوق (الرقيق الأبيض) والغريب ونحن نودع الألفية الثانية أن تكون أوروبا هي السوق الذي يتلقف هذا الفائض الرخيص, استمرارا لتجاربها التاريخية المؤسفة ووفاء لتقاليدها أثناء الثورة الصناعية الأولى . وقد دخل موضوع عمل الأطفال مرحلة جديدة من الاهتمام العالمي, فبجانب الاهتمام الذي وضع هذه الظاهرة على أجندة المنظمات غير الحكومية المختلفة, فإن وكالات الأمم المتحدة, بدأت توليه عناية خاصة بعد أن أكدت البيانات والاحصاءات ان الظاهرة لم تعد خاصة ببعض البلدان النامية والفقيرة, بل تحولت إلى ظاهرة عامة في كل البلدان, المتقدمة منها والنامية. استغاثة عربية هناك استغاثة أطلقتها الجامعة العربية لحماية قرابة عشرة ملايين طفل عربي دخلوا سوق العمل قبل السن القانونية, وتدعو الدراسة التي أعدتها الدكتورة ناهد رمزي بالمجلس العربي للطفولة والتنمية التابع للجامعة العربية, إلى وقف تسرب الأطفال إلى سوق العمل بالشكل الذي يؤثر على مسار خطط التنمية على المدى البعيد, وتطلق الدراسة تحذيرا من خطورة تشغيل الأطفال في أعمال غير قانونية, مؤكدة على ان عمل هؤلاء الأطفال يتم في غفلة من القانون, ويعملون في أعمال هامشية لا يتم تسجيلها بشكل رسمي, كما أنهم لا ينتمون إلى نقابة أو هيئة تعمل على حماية حقوقهم من سطوة أصحاب الأعمال, كما يحرمون من الضمان الاجتماعي, أو التأمين الصحي, ولا يحصلون غالباً على اجازات مدفوعة الأجر, ولا ينال بعضهم أجراً مقابل عمله إذا كانوا يعملون لحساب أهلهم, وفي كل الأحوال تضيع حقوق هؤلاء الأطفال لأنهم لا يملكون الحماية النقابية, ولا يستطيعون اللجوء الى السلطات الحكومية لرعاية مصالحهم أو حماية حقوقهم, لأنهم غالباً ما يكونون في حالة مخالفة للقانون. ورغم وجود إتفاقيات دولية تنظم تشغيل الأطفال, وتحدد السن القانونية بحيث لا يقل عن الخامسة عشرة, وفي إتفاقية أخرى الثانية عشرة, إلا أن معظم الدول العربية آثرت الأخذ باتفاقية أخرى تعطى الحق لكل دولة في تحديد سن التشغيل للأطفال وظروفه, وفق طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كل دولة! كما قدمت د. ناهد رمزي في دراستها التي تسعى لوضع استراتيجية عربية لتشغيل الأطفال بعض النماذج المثيرة لما يحدث في العالم العربي ففي مصر مثلا 4.1 ملايين طفل أقل من 14 عاما, وينظم القانون عمل الأطفال ما بين سن الثانية عشرة الى السادسة عشرة كما يحظر تشغيل الأطفال الأقل من 17 عاما في الأعمال الشاقة, أما في المغرب فتبلغ نسبة الأطفال في سوق العمل 1.15%, وفي الاردن بحوالي 9400 طفل, والقانون في سوريا يمنع تماما تشغيل الأطفال قبل الخامسة عشرة ومع أن القانون السوداني يحظر تشغيل الأطفال قبل الثانية عشرة, مع استثناء المدارس المهنية التابعة للدولة, إلا أن الظاهرة هناك مرتبطة بظروف الحرب الأهلية والصراعات الأهلية. وأشارت الدراسة الى أن سوق العمل بدول الخليج يعاني من الظاهرة نفسها فهناك 83 ألف طفل يعملون في السعودية, و11 ألفا في سلطنة عمان, و4 الاف في الامارات, وألف طفل في البحرين.. وتحدد الدراسة العوامل الأساسية لدخول الأطفال سوق العمل كالتسرب من التعليم وضعف وتدهور الامكانات الاقتصادية, بالإضافة الى عوامل ثانوية أخرى كالتفكك الأسري, وطلاق الأمهات, ووفاة أحد الوالدين, والهجرة من الريف الى المدن كما أن أصحاب الأعمال يفضلون الأطفال لقلة أجورهم وعدم وجود روابط قانونية معهم.. إن الحكومات وحدها غير قادرة على القيام بهذه المهمة والمطلوب هو المشاركة الشعبية, والمنظمات غيرالحكومية, وأصحاب الأعمال, والمنظمات التطوعية, مع التأكيد على أهمية اشتراك الأطفال ومعرفة آرائهم.. وانتهت الدراسة الى أهمية العمل على وضع استراتيجية عربية لمواجهة مشكلة تشغيل الأطفال وتبنى خطة عربية لرعاية الطفولة وحمايتها وإعداد التدرج في حل المشكلة من أجل الوصول الى هدفين الأول حماية الطفل من العمل في سن صغيرة, والثانية حماية الطفل في العمل. عمل الأطفال.. والخصخصة وتضيف د. أمينة شفيق موضحة أن صاحب المشروع عادة ما يلجأ الى قوة عمل الأطفال تجنبا للمضايقات التي قد تنشأ بينه وبين العمال البالغين, كما أنهم يحصلون على أجور أقل من تلك التي يطالب بها البالغون. وأوضحت ان ظاهرة عمل الاطفال في سوق الدول العربية في حالة ازدياد مادامت السياسة الاقتصادية قد توجهت الى الخصخصة والى المشروعات الصغيرة ذات التقنية المنخفضة, فالمتوقع ان تزداد أعداد الاطفال المنخرطين في العمل بغض النظر عن ثراء هذه الدولة أو الضائقة التي تعيشها الأخرى. وأشارت د. أمين الى ان الزيادة في الدخل القومي وارتفاع نصيب الفرد منه شيء, ووضع واتباع السياسات التعليمية والاقتصادية والاجتماعية التي تحجب الطفولة عن سوق العمل شيء آخر, فثراء الدول لا يعني ثراء المواطنين, حيث توجد نتائج الفقر حتى في البلدان شديدة الثراء. أما الامير طلال بن عبدالعزيز رئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية فقد أوضح خلال الندوة التي عقدها المجلس العربي للطفولة بالقاهرة ـ مؤخرا ـ انه لزيادة فعالية مواجهة عمل الاطفال لابد من الاقرار بداية بأنها ظاهرة مجتمعية مركبة, وانه لمواجهة عمل الاطفال يتعين أخذ السياق المجتمعي للظاهرة في الاعتبار, ومكافحة سلبيات الظاهرة في هذا السياق, أي ان المطلوب هو حفز ودعم حركة مجتمعية ثلاثية الأبعاد تضم الحكومات والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص في مكافحة عمل الاطفال مع فهم دقيق للأدوات النسبية لكل منها. قلة المعلومات كما أوصى بضمان تعليم الفقراء, وأمانهم, بجانب التوجه لاجراء البحوث والدراسات حول حجم الظاهرة وطبيعتها وأسبابها, وخلق وعي عام بتلك الظاهرة والآثار السلبية المترتبة عليها, وذلك من خلال القنوات الفضائية العربية والتأكيد على ان تقوم الحكومات العربية بتنفيذ التشريعات والقوانين المرتبطة بعمل الاطفال ودعوة المنظمات الاقليمية وصناديق التمويل والجمعيات الأهلية لدعم برامج الحد من الظاهرة. ومن جانبه أكد الباحث د. نادر فرجاني ان المواجهة الفعالة للظاهرة تتحقق عن طريق ثلاث مهام مترابطة أولها توفير معلومات أفضل عن الظاهرة وثانيها تقوية جهود التوعية وثالثها زيادة فعالية السياسات والبرامج الهادفة لمقاومة الظاهرة. وأوضح الباحث ان المعلومات المتاحة كانت قاصرة عند قيامه بدراسة تستهدف مواجهة فعالة لهذه الظاهرة وأكد من خلال دراسته ان معدل مشاركة الاطفال في النشاط الاقتصادي أعلى بكثير في الريف عن الحضر وخاصة بين الاناث, بينما يقل الفارق في حالة عمل الاطفال خارج نطاق الاسرة خاصة في حالة الصبية, مما يعني ان الوزن النسبي لنمط الانتاج الرعوي والزراعي التقليدي يعد محددا هاما لانتشار عمل الاطفال. الأطفال.. والجات وقد هددت منظمة العمل الدولية بحرمان الصادرات المصرية من امتيازات الحماية التي تحصل عليها الدول النامية المثيلة, باعتبارها الدول الأولى بالرعاية وفقا لاتفاقية (الجات) حيث أن منظمة العمل الدولية قد منحت مصر مهلة حتى يونيو المقبل لتوفيق أوضاعها فيما يتعلق بتشغيل الأطفال وإلا أدرجت اسمها ضمن الدول الأسوأ استخداما للعمالة. وأكد أحمد العماوي وزير القوى العاملة والهجرة ان مصر تحفظت على بعض بنود الإعلان العالمي لحقوق العمال الذي طرحته الدول الصناعية الكبرى ورفضت التوقيع عليه في صورته الأولى, لانه كان يهدف إلى الربط بين حرية التجارة ومعايير ومستويات العمل الدولية. ميزة تنافسية وقال العماوي إن بعض الدول الصناعية هددت خلال مؤتمر العمل الدولي باتخاذ اجراءات عقابية ضد الدول النامية التي تعتمد على عمالة الأطفال بشكل رئيسي في بعض الصناعات بحجة ان هذا يتنافى مع معايير ومستويات العمل الدولية, لان استخدام الأطفال في العمل يؤدي إلى رخص أسعار بعض منتجات الدول النامية مقارنة بأسعار نفس السلع التي تنتجها الدول الصناعية المتقدمة وهو الأمر الذي يعطي الدول النامية ميزة تنافسية أفضل. وأوضح العماوي ان مصر وقعت على ست اتفاقيات خاصة بعمالة الأطفال, وبصدد التوقيع على الاتفاقية السابعة في مؤتمر العمل الدولي الذي سيعقد في جنيف في يونيو المقبل, حيث يتم التصويت عليها للمرة الثالثة لاقرارها في صورتها النهائية. وترجع هدى الميرغني مقررة لجنة العمل باتخاذ الصناعات المصرية أسباب رفض الحكومة التوقيع على هذه الاتفاقية إلى معارضة رجال الأعمال, بالاضافة إلى تعارض هذه الاتفاقية مع القوانين المصرية المعنية بتشغيل العمالة والأطفال, وحتى مع مشروع قانون العمل الموحد الذي أعدته الحكومة. وأوجه التعارض بين الاتفاقية الدولية, وهذه القوانين المصرية, بأن الأولى حددت سن الحدث في مادتها الثانية بأنه أقل عن 18 سنة, بينما القوانين المصرية تحدده بأقل من 16 سنة, ولذلك اشترطت المنظمة الدولية على الحكومة أن ترفع سن الحدث إلى 18 سنة من خلال تعديل البنود الخاصة بها بتلك القوانين, وهو ما ترفضه الحكومة باعتبار ان الاتفاقية الدولية لم تراع الظروف الاجتماعية للدول النامية. أحمد العماوي عمالة الأطفال ونماذج مثيرة لما يحدث في العالم العربي الظاهرة مرتبطة بظروف مجتمعية مركبه