قد يبدو عنوان الموضوع غريبا, الا انه مع ذلك يبقى هو العنوان الى التعبير عن حقيقة المرحلة التي قفز اليها المغرب في علاقاته مع الاتحاد الاوروبي, حيث ستدخل اتفاقية الشراكة الموقعة بين الطرفين عام 1995 حيز التنفيذ اعتبارا من يناير المقبل, ذلك ان المستقبل الجديد الذي لاح أمامه لم يعد هو مستقبل الأمس بعد ما أصبح مفتوحا بالكامل على أوروبا داخل محيط اقليمي أوسع ذو طبيعة دولية يجبره على التكيف بسرعة مع الوضع الناشىء الجديد, ويدعوه في الوقت نفسه الى الاحتفاظ بشخصيته الذاتية كي لا يذوب في مجتمع يتشكل من حوالي 30 دولة ونحو 700 مليون نسمة, ويحتكر 40 في المئة من التجارة العالمية تقريبا, ويسعى الى مزيد من الاستقطابات لبناء كتلة دولية أكثر قدرة على منافسة باقي التكتلات العملاقة في هذا العالم الذي يتجه بسرعة ليجعل من تكتل تجمعاته الدولية صيغة لمجتمع دولة المستقبل. فالمغرب الآن دولة أوروبية خارج القارة الاوروبية. صحيح انه ليس عضوا في الاتحاد الاوروبي, إذ ان اتفاقية الشراكة تنص على الاندماج الاقتصادي وليس الاندماج البشري, ولكنه عضو في معمعة التفاعل الاوروبي بنفس الشروط المطبقة على جميع الاعضاء, وأول هذه الشروط بناء المجتمع الديمقراطي, والالتزام بحقوق الانسان, وليكون المجتمع المدني الديمقراطي تعبيرا عن الوعي الجديد بالمستقبل الجديد الذي يجعل من البيئة الطبيعية والبيئة الانسانية وجهين لعملة واحدة, ولذلك فإن الهدف المشترك هو القضاء على المخدرات ومحو الارهاب وبناء علاقات مشتركة بين الشعوب تقوم على التعاون والسلم والتفاهم ونبذ الحروب والتوترات. وعلى الرغم من طغيان مظاهر المواجهة بين المغرب والاتحاد الاوروبي بسبب رفض المغرب تجديد اتفاقية الصيد البحري, فإن الادارة السياسية لكليهما ظلت حاضرة لتأطير مفاوضاتهما وقيادة لخدمة الأهداف العامة وأولها الحوار السياسي الذي يتصدر المبادىء التي تشكل اتفاقية الشراكة, وقد تزامن استئناف مفاوضات الشراكة مع اقتراب موعد بداية تصدير الخضروات المغربية التي خضعت في الماضي لتقليص كبير, وبذلك اتضح ان المغرب استخدم ملف الصيد للحصول على مكاسب أوسع في اتفاقية الشراكة, وحمل الطرف الاوروبي على احترام التزاماته في اتفاقية التعاون التي ستنتهي بدخول اتفاقية الشراكة حيز التطبيق استعدادا للدخول في مشروع التبادل التجاري الحر الذي ينشأ بين الطرفين على مراحل مع مطلع عام ,2010 وقد حصل المغرب فعلا على بعض المكاسب المهمة بخصوص حجم صادراته الزراعية الذي كان الطرف الأوروبي قد أصر على تقليصه مبررا ذلك بمقتضيات اتفاقية (الجات) . ان الارادة السياسية للطرفين التي تغلبت على كل مصاعب المفاوضات الشاقة والعسيرة والتي استمرت على مراحل متقطعة منذ نهاية عام ,1993 وخصوصا فيما يتعلق بالشراكة ستكون محط امتحانات أكثر عسرا في السنوات المقبلة خصوصا اثناء مراحل تطبيق مقتضيات اتفاق الشراكة الذي يلزم المغرب بتفكيك قوانينه الحمائية وفي مقدمتها الحقوق الجمركية وإعادة صياغتها بما يتناسب مع الاقتصاد المفتوح والاسواق المشروعة. وقد أكدت تقارير البنك الدولي هذه الحقيقة, في اشاراتها المتكررة الى ان الاطار الاقتصادي الدولي الموعود به من طرف اتفاقية (الجات) وآفاق التبادل الحر تمنح المغرب فرصا جديدة ولكنها تفرض ايضا تحديات جديدة. والتحديات الجديدة هي التي شرع المغرب فعلا في التمهيد لها من خلال التخطيط لرفع الحواجز التي تعترض دخول البضائع الاجنبية وفي مقدمتها الاوروبية الى أسواقه وتفكيك ترسانة الرسوم الجمركية خلال أربع سنوات ابتداء من مطلع عام ,1997 وفي هذا السياق تم الشروع بتفكيك الحقوق الجمركية على التجهيزات وقطع الغيار والادوات والمواد المستوردة, وتجري في هذه الاثناء اجتماعات موسعة ومتواصلة في وزارة الاقتصاد والمالية لوضع مخطط التفكيك واحكام عملية استغلال الفترة الممتدة الى نهاية عام 2000 لكي يشرع المغرب في عملية تفكيك ثانية وهي تخفيض الحقوق الجمركية بمعدل 10% سنويا الى مطلع 2009 عشية قيام منطقة التبادل الحر. وتفسير مفهوم التبادل الحر يتطلب العودة الى التذكير بالاولويات, ولعل أولى الأولويات هي التأكيد على ان المغرب يدخل هذه المرحلة وهو يستعد لها منذ مدة على المستوى الرسمي دون مشاركة شعبية واسعة تضمن له تحمل تكاليفها وانعكاساتها السلبية, وقد لمح أحد رجال الأعمال الى ذلك بالقول (انهم في أوروبا دخلوا الاتحاد وأصبحوا أعضاء فيه بعد استشارات شعبية سبقتها مناقشات واسعة, ولكن في بلادنا لا يشارك غير رجال الأعمال حتى الآن في الاعداد لضمان دخول المغرب الى منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الاوروبي, كما لو كانوا وحدهم المعنيين بالمنافسة المقبلة, رغم ان مسئولية المرحلة تقع على الجميع باعتبار تأثيراتها المتوقعة وغير المتوقعة. ومع ان المغرب يريد من وراء ذلك وضع المقاولات المحلية في مواجهة مع شروط اندماج اقتصاده في الاقتصاد الدولي الا ان الكلفة ستكون عالية جدا بالنسبة لخزينة الدولة بسبب الخسائر الناجمة عن الغاء رسوم الاستيراد, وهو ما دعا البنك الدولي الى توجيه تنبيه الى المغرب بقصد اصلاحه نظامه الضريبي لمواجهة الخسائر المحتملة, وقد بدأ المغرب عملية الاصلاح هذه بمصادقة البرلمان على ميثاق قانون استثمارات موحد يخفض الضريبة على الشركات من 6.39% الى 35% والضريبة على الدخل من 46% الى 5.41% بهدف تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي على العمل والتوسع, مما سيتيح في النهاية توسيع عدد الملزمين بأداء الضريبة لتعويض الخسائر الناجمة عن الغاء الرسوم الجمركية. وقد يكون هذا الوضع الجديد الذي يواجه الاقتصاد المغربي مع التطبيق الفعلي لاتفاقية الشراكة هو الذي دفع ببعض دول الاتحاد الاوروبي لانتقاد الموقف الالماني والهولندي والبلجيكي بخصوص اعتراض هذه الدول على زيادة بضعة أطنان الى الصادرات الزراعية المغربية التي اقترحت اللجنة الاوروبية احتفاظها بأسعار تفضيلية لدخول الأسواق الاوروبية, وكان مثيرا ان تتولى اسبانيا انتقاد موقف شركائها دفاعا عن المغرب, خصوصا وانها هي التي مارست ضغوطا قوية على دول الاتحاد خلال مفاوضات (الجات) لوضع قيود صارمة على دخول بعض الخضروات والفواكه الى السوق الاوروبية حماية لصادراتها, الا ان للمصالح لغة خاصة ولو كانت متناقضة احيانا, ذلك ان اسبانيا التي تتطلع الى توقيع اتفاقية صيد جديدة مع المغرب باتت تدرك الآن فقط ان من حق المغرب زيادة صادراته الزراعية. ومع اقتراب موعد استحقاقات يناير 2000, سيكون على المغرب الذي شرع في الاصلاحات السياسية والديمقراطية ان يربح رهان الاسراع بتطوير هذا النهج والارتقاء بقدراته الى مصاف شركائه الاوروبيين لأن هذا المطلب ليس مجرد شرط من شروط الشراكة فقط, بل لأنه ايضا اختيار داخلي يستجيب لمطامح المغاربة في ان يربحوا رهانات المستقبل, وفي مقدمتها التنمية المكثفة التي لا يمكنهم تحقيقها بغير التوفر على السلاح اللازم للفوز في معركة الاندماج الاقتصادي الذي يعتبر أخطر بنود اتفاقية الشراكة. ان هذا السلاح اللازم هو سلاح القدرة على مواجهة المنافسة الشرسة والطاحنة, وتحمل تبعات معركة التبادل التجاري داخل المنطقة الحرة, والصمود في وجه إعصار تدفق السلع والخدمات على السوق المحلية بلا قيود ولا حدود وبأسعار مغرية وجودة عالية, وفي الوقت نفسه وصول السلع والخدمات المغربية الى مستوى القدرة على غزو الاسواق الاوروبية ودخولها بنفس معايير الجودة والسعر ليكون لها موقع التفضيل لدى المستهلك الاوروبي, وليكون للمغرب بالتالي مصدر تمويلي دائم يعتمد فيه على تجارته وما يضيفه الى صادراته من قيمة اضافية تصنيعية قادرة على تجاوز شروط التنافس الحر. الرباط ـ رضا الاعرجي