يوم الثلاثاء الموافق 30 نوفمبر من العام 99م انتهى العمل باتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي وهو ما يجعل المغرب أمام استحقاقات جديدة في استغلال موارده السمكية, وبقدر ما يفتح انتهاء الاتفاق للمغرب آفاقاً رحبة في السيطرة على شواطئه الممتد بنحو 3500 كيلو متر فإنه يضع تحديات جديدة أمام هذا القطاع نظراً لأن الأسطول المغربي سيعوض الأسطول الأوروبي في تزويد السوق الأوروبية بالثروة السمكية كما انه يضع علاقة الشراكة الأوروبية المغربية على المحك لاسيما ان هذا الملف ظل مهيمنا على هذه العلاقة منذ انضمام اسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986م. ونلقي الضوء على خلفيات وآفاق ملف الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي الذي تشكل فيه أسبانيا قطب الرحى منذ استقلال المغرب. ثمة معادلة بديهية تقول بأن علاقات المغرب مع الاتحاد الأوروبي تمر عبر مدريد نظرا لأن أسبانيا تشكل الممر الرئيسي للصادرات المغربية للاتحاد الأوروبي ونظرا لتشابه منتجاتها الزراعية مع المنتجات المغربية مما لذلك من آثار في استفادة إسبانيا بين الحماية الأوروبية للمنتجات الفلاحية لدول الاتحاد, كما ان هناك أكثر من 85% من سفن صيد الاتحاد الأوروبي هي سفن أسبانية فمن مجموع 470 سفينة صيد أكثر من أربعمائة سفينة صيد هي ؤسبانية, وهو ما يجعل قضية الاتفاق بشأن الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي قضية إسبانية بدرجة أساسية من خلال الحضور الإسباني في هذا الملف. يتأكد الحضور الأسباني منذ السنوات اللاحقة لاستقلال المغرب, فإذا كان المغرب قد ظل خلال السنوات الاثنتي عشرة التالية للاستقلال بعيداً عن أي التزام مع طرف آخر بشأن الصيد البحري فإنه في عام 1969م قد أبرم أول اتفاق مع إسبانيا, وكان هذا الاتفاق ينص في بنده الرابع عشر على أن يسري العمل به لمدة عشر سنوات غير ان المغرب لم يستطع تحمل تبعاته فاضطر إلى إلغائه بعد أكثر من سنتين وأعلن ايقاف العمل به في 31 ديسمبر 1971م والعمل على عقد اتفاق جديد وصدر على اثره ظهير 1973 الذي حدد السيادة المغربية على مياهه الاقليمية وحدد منطقة الصيد الخالصة في 70 ميلاً بحرياً. ونتج عن هذا الاجراء المغربي توترا في العلاقات بين البلدين عقب ذلك بدأ الجانبان في عام 1973 خوض مباحثات انتهت في ديسمبر من العام 1973م وتوصل الطرفان الى حل توفيقي قبل البدء في التحضير لاتفاق جديد غير ان قضية الصحراء بدأت تبرز على السطح وتترك إسبانيا الفرصة دون أن تخصص حيزاً خاصا للصيد البحري عند ابرام الاتفاقية الثلاثية الخاصة بالأقاليم الصحراوية وقد استمرت المفاوضات بين الجانبين ابتداء من فبراير 1976م وحتى فبراير 1977م, ونتج عن ذلك الخروج باتفاق ينص على تشكيل لجنة مختلطة لدراسة وسائل حماية الثروات السمكية المغربية ونقل 40% مما تصطاده البواخر الاسبانية الى ملكية السلطات المغربية. غير ان المغرب لم يصادق عليه ومن ثم تم التوقيع على اتفاقيات متتالية في 29 يونيو 1978م وفي 29 ديسمبر 1979م والاتفاقية الانتقالية في ابريل 1981م وابتداء من يوليو 1983م تم التوصل الى اتفاق شامل مدته أربع سنوات همه في الأساس تقليص كثافة الصيد البحري في المياه الاقليمية المغربية, وقد تضمن الاتفاق الزام إسبانيا بتقديم مجموعة من القروض على شكل خدمات ومواد أساسية أسبانية, وقبل انتهاء الاتفاقية في عام 1987م بدأت جولة جديدة من المفاوضات لكن هذه المرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي نظرا لانضمام إسبانيا للاتحاد الأوروبي في يناير عام 1986م. وأمام تعذر الوصول الى اتفاق تم تمديد الاتفاق السابق لمدة خمسة أشهر وكان ذلك بمثابة نقطة تحول لملف الصيد البحري إذ انتقل من الاطار الثنائي الى اطار الاتحاد الأوروبي والمغرب. وبعد مفاوضات عسيرة تم التوصل في نهاية المطاف وفي 26 مايو 1988 إلى اتفاقية مدتها أربع سنوات تنتهي يوم 29 نوفمبر 1992م . وعند انتهائها تم التوصل إلى اتفاق آخر ينتهي في 30 ابريل من العام 1995م وهو التاريخ الذي أعقبه الدخول في مفاوضات من خلال سبع جولات صاحبها توترات اجتماعية في اسبانيا من قبل الصيادين الاسبانيين وفي هذا الخضم المشحون بالتوترات توصل المغرب مع الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق جديد في 26 فبراير من العام 1996م مدته أربع سنوات انتهت في 30 نوفمبر من العام الجاري 1999م. هذا الاتفاق الأخير إذا كان قد أطلق أضرارا كبيرة في الثروة السمكية المغربية من جراء الاصطياد العشوائي الذي كانت تلحقه السفن الاسبانية بالمياه الاقليمية المغربية فإنه قد تضمن التنصيص إلى الرفع من مساهمات التعويض المقدمة للمغرب إلا ان الكثير من الملاحظين كانو يرون في هذه التعويضات مبررا كافيا. والآثار المترتبة على مستقبل الثروة الحيوانية أسبابا كافية لعدم المضي في ابرام اتفاق جديد وهو ما تسنى للمغرب من خلال تنصيص هذا الاتفاق على كونه آخر اتفاق مع الاتحاد الأوروبي وهو ما يفسر من خلال سياسات مركبة دون أن تطرأ مشاكل باستثناء تذمر المغرب من كثافة الصيد وخرق بعض شروطه وتطلعه إلى نهاية العمل به. ويفهم في هذا الاطار مغزى تصريح وزير الصيد البحري التهامي الخياري عندما قال في معرض تعليقه على انتهاء هذا الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي (أضرنا الاتحاد الأوروبي بأمرين اثنين أولا انه رغم الحيف الذي كان في الاتفاقية فإن المغرب كبلد متحضر سيطبقها كما هي وفعلا طبقت الاتفاقية ولكن في الوقت نفسه أخبرناهم بأننا سنطبق الجانب الثاني من الاتفاقية الا وهو ان هذه هي آخر اتفاقية) من هنا تبرز أهمية التحول في مضمار الصيد البحري المغربي والاستحقاقات المتمخضة عنه للمغرب التي يتطلع إليها المغاربة. وطبقا للخبراء الاقتصاديين فإن المغرب باستعادته سيطرته على قطاع الصيد البحري دون مشاركة الأسطول الأوروبي سيحقق فوائد جمة ستمكن من ارتفاع القيمة المضافة لهذا القطاع من 8.7 مليارات درهم سنة 1999م إلي عشرة ملايين درهم عام 2000 بنسبة زيادة تبلغ 29% وهذه الزيادة مرشحة لان تبلغ في أفق عام 2003 إلى عشرة مليار درهم وبمعدل نمو سنوي يبلغ 11% خلال الفترة الممتدة من 1998-2003. وحسب هؤلاء الخبراء فإن بلوغ هذه النسبة تبقى رهينة بتوظيف استثمارات ضخمة قدرت خلال المخطط الخماسي 1999-2003 بحوالي سبعة ملايين درهم يساهم القطاع الخاص فيها بنسبة 70%. وأن هناك من يرى ان بلوغ هذا المستوى سينعكس سلبا على الوفرة المعتادة للأسماك في السوق المحلية نظرا لان الأسطول المغربي سيسعى إلى تعويض الفراغ الذي سيخلفه انسحاب الاسطول الأوروبي وسيعمد الصيادون المغاربة إلى توجيه منتوجاتهم صوب دول الاتحاد الأوروبي وهو ما يقضي بدوره اللجوء إلى اتخاذ تدابير واجراءات تحول دون حرمان السوق المغربية من حاجاته الضرورية للأسماك. على صعيد آخر لا يخفي البعض مخاوفهم من تعرض المغرب لضغوط الاتحاد الأوروبي خاصة ان هذا الأخير دخل مع المغرب في اتفاقية الشراكة الأرو-متوسطية. وهو ما من شأنه اعطاء تفسيرات لمفهوم هذه الشراكة قد تستدرج المغرب من جديد إلى التوقيع على اتفاق جديد أو للاتفاق على صيغ وأسس بديلة للتعاون في مجال الصيد البحري مستدلين بذلك على شواهد سابقة بدا من خلالها المغرب صارما في تبني بعض المواقف المتشددة حيال هذا الملف وانتهى الأمر في بعض الأحيان إلى مجانبة هذا التشدد والمضي في ابرام اتفاقيات جديدة وان بدت في بعض الأحيان ملطفة بالنسبة لسابقاتها. ويحاول أصحاب هذا الرأي استحضار المناورة الاسبانية التي غالبا ما كانت تلجأ إليها اسبانيا في محاولاتها لعرقلة الوحدة الترابية للمغرب اما بطريقة مباشرة من قبل الحكومة المركزية الاسبانية واما بطريقة غير مباشرة عبر الحكومات المحلية أو هيئات المجتمع المدني الاسباني الذي عمد غير مرة إلى اثارة بعض الجوانب المتعلقة بقضية الوحدة الترابية للمغرب وتوظيفها في الضغط عليه من أجل حيازة بعض المكاسب في مجال الصيد البحري الذي بقي عرضة للمساومات والابتزازات الأسبانية التي تمثلت في كثير من السوابق الاسبانية على اللعب بخلط الأوراق السياسية بالاقتصادية. غير ان ما يمكن ابرازه في هذا الصدد هو ان الجانب الاسباني قد يكون استنفد وسائل مناوراته المتعلقة بقضية الصحراء نظرا لان هذه القضية قد خرجت من دائرة المساومات السياسية لتدخل طورا جديدا منذ قبول اجراء الاستفتاء الأممي عليها ووقوف المغرب بموقف الطرف القوي في هذه المعادلة مما سيمكنه من الدفع في اتجاه تصفية الاستعمار الاسباني في مدينتي سبتة ومليلة الخاضعتان للسيطرة الاسبانية واللتان غالبا ما يجري اثارتهما من قبل السلطات المغربية بأسلوب هادئ كان آخرها ما اقترحه الملك الراحل الحسن الثاني قبل وفاته عندما اقترح تشكيل عملية تفكير مشتركة لتدارس كيفية عودتهما للوطن الأم مع حفظ ومراعاة المصالح الاسبانية فيهما. فهل ستلقي المدينتان المحتلتان بظلالهما على قضية الصيد البحري بعد انتهاء الاتفاق الأخير؟ ذلك ما قد يتبدى لنا خلال المستقبل لغير بعيد خاصة ان تفاعلات من هذا القبيل بدأت تلوح في الأفق من خلال الزيارات المرتقبة لبعض الأطراف المعنية في ملف الصيد البحري داخل الاتحاد الأوروبي ومن خلال ما قد يعتمل داخل اسبانيا من قبيل احتياجات المستفيدين من الصيد في المياه المغربية الذين يحققون عائدا سنويا يتجاوز المليار دولار حسب التقديرات الرسمية. عبدالكريم سلام الرباط