كلمة (أيزو) باختصار تشير إلى المنظمة العالمية للتوحيد القياسي, ومقرها سويسرا, وهي عبارة عن تجمع لهيئات التوحيد القياسي على مستوى الدول منوط باصدار مواصفات قياسية دولية يلزم لاصدارها موافقة 75% من أعضاء المنظمة على الأقل.. ولذا فقد أصبح الأيزو البوابة السحرية لأسواق العالم العربي المغلقة في وجه الشركات العربية خاصة وأن السباق محموم مع الزمن, فمع حلول عام 2001 ستنتهي المهلة التي حددتها منظمة التجارة العالمية (الجات) والتي تلزم الدول النامية, ومن بينها مصر بتطبيق معايير الجودة الشاملة على جميع منتجاتها وبالتالي لن تستطيع أي شركة التعامل مع شركات أوروبية أو أمريكية أو عربية أو حتى شركات جنوب شرق آسيا إلا إذا حصلت على شهادة (الأيزو) . حول مدى تأثير شهادة الجودة العالمية (الأيزو) على حركة الاقتصاد والتجارة العالمية وكيف يمكن الحصول عليها, انقسم الخبراء ما بين مؤيد يؤكد أهميتها في الترويج للصادرات ومعارض يرفض ما يتردد عن انها تساهم في الترويج للصادرات وانها تعني جواز مرور للصناعات والمنتجات حتى ولو كانت غير جيدة وذلك لانه من السهل الحصول عليها بطريقة غير سليمة. الأيزو العربية يقول د. حمدي عبدالعظيم عميد مركز البحوث والاستشارات الاقتصادية بأكاديمية السادات بالقاهرة: ولدت فكرة الأيزو في المؤتمر الدولي الذي عقد بسويسرا, وتم بموجبه انشاء منظمة للمواصفات القياسية الدولية تمنح شهادة الجودة للشركات التي تطبق نظام الإدارة بالجودة الشاملة, وهو مدخل متكامل لمراجعة نظم العمل في الشركة أو المؤسسة والتأكد من ان اجراءات ونماذج العمل تسير وفق حد أدنى من الجودة بمعنى ان المسألة لا تتمثل في المنتج النهائي ومدى جودته بمثل ما تتمثل في جودة كل النظم الداخلية للشركة والتي تنعكس بالضرورة على جودة المنتج النهائي. ويشير د. حمدي عبدالعظيم إلى ان دول أوروبا قد بدأت بالفعل تطبيق نظام الجودة الشاملة, كما بدأت هذه المؤسسة في منح شهادة الجودة للشركات المصرية مع انضمام مصر لاتفاقية الجات حيث تقوم المؤسسة الأجنبية التي تمنح هذه الشهادات بمراجعة النظم والاجراءات داخل الشركة وبالتالي اصدار الشهادة التي تؤكد اتباع مستوى الجودة المطلوب بما يتيح لهذه المؤسسة الأجنبية أن تتعرف على كل المعلومات عن الأفراد ونظم الانتاج ونظم الشراء ونظم التسويق ونظم الصيانة. ومما لا شك فيه ان الأمر يؤدي لفتح الشركة أمام المراجع الخارجي فتحا كاملا يستطيع من خلاله أن يحصل على جميع المعلومات. ويؤكد ان الدول العربية بها بيوت خبرة قادرة على تقديم المساعدة للشركات المختلفة من أجل تحسين الجودة بها, ولكن تبقى مشكلة اعتراف الدول الأجنبية بهذه الشهادات التي يمكن أن تمنحها بيوت الخبرة العربية. ويعود د. عبدالعظيم فيقول: لو ان هناك تنسيقا على مستوى دول العالم الثالث في هذا المجال فإن مركزها الدولي سيكون أقوى. ويطالب الخبير الاقتصادي بالانتباه لهذه القضية ومعالجتها بشكل سياسي لانه لا توجد شركة تقوم بالتصدير لدول أوروبا أو أمريكا أو دول العالم المتقدمة بصفة عامة ولا بد أن يكون لديها هذه الشهادة, فهي إذن تمثل مشكلة بالنسبة للشركات العربية ولا بد أن تلعب الحكومات العربية دورا في حل هذه المشكلة. ويضيف د. حمدي: ان الخطورة ليست في نقل المعلومات فقط ولكن الخطورة الأكبر والأشد هي ان دول الاتحاد الأوروبي تستخدم نظام الأيزو لفرض قيود على وارداتها من الدول النامية دون أن تصطدم بتحرير التجارة وفي نفس الوقت فإن الدول المتقدمة تضع قيدا آخر من الباب الخلفي يتمثل في فكرة الحصول على شهادة الأيزو. وبذلك تحوم الشبهات بالفعل حول هذه المؤسسات الأجنبية التي تمنح الأيزو نتيجة للأسلوب الذي تتبعه هذه المؤسسات في منح الشهادة وما تشترطه من الحصول على أسرار هذه الشركات من حيث الانتاج وعدد العاملين بها ومصادر تمويلها وغير ذلك من أسرار الصناعة بحجة التأكد من انتاج الشركة. التجسس الطبيعي ويرى د.محسن الخضيري (الخبير الاقتصادي) ان التجسس عبر الأيزو يعد شيئا طبيعيا في اطار التجسس الاقتصادي والذي لا يتم إلا من خلال غطاء أو ستار تقوم بممارسته الدول أو المؤسسات أو البنوك أو الأفراد والأيزو ما هي إلا جائزة مثلها مثل جائزة الكوكب الذهبي أو تلك التي يمنحها نادي الإدارة وهذه الجوائز تمنحها المؤسسات الأجنبية للشركات, كما انها تقدم أيضا العديد من الاستشارات مجانا لهذه الشركات, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هذه المؤسسات الأجنبية تقدم لنا خبراتها وتقنيتها هكذا أم لابد أن يكون هناك مقابل وأن تكون لهذه المؤسسات أهداف تسعى إليها لتحقيقها؟! أما د. حسن عبيد أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة فيقول: ليس مستبعدا أن تكون الأيزو إحدى واجهات التجسس الاقتصادي لذا يجب أن نأخذ الحذر الشديد ولكن هذا لا يمنع أن تكون الأيزو ضمن العلامات الأساسية في اتفاقية الجات التي قبلنا بها, لانها تعني منح شهادة المستوى العام الذي على أساسه تتحدد جودة السلعة, ولذا يجب على الشركات, التي ترغب في الحصول على الأيزو أن تقدم المعلومات النهائية عن مواصفات السلعة لكن الخطورة تكون في تقديم هذه الشركات للمعلومات التفصيلية التي قد تتضمن براءة الاختراع أو حجم الانتاج أو تركيبة فنية معينة وهذا لا شأن للأيزو به, ولذا فلا بد من وجود مؤسسات وطنية تبين لرجال الأعمال وأصحاب الصناعات ما يجب أن يقدموه لكي يحصلوا على الأيزو. رقابة مريبة المختصون ورجال الأعمال سجلوا شهادتهم حول مخاطر هذه الفوضى على الاقتصاد بصورة عامة على الشركات التي تلهث وراءها بدون وعي ولو كان الطريق إليها غير مشروع. د, خلاف عبدالجابر عميد كلية الحقوق السابق لجامعة القاهرة وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للاقتصاد والاحصاء والتشريع يقول: كما هي العادة في الدول العربية تجاه كل جديد.. نلهث وراء الحصول على هذه الشهادة (الأيزو) للتمكن من تصدير سلعنا للأسواق الخارجية وكان من الواجب ألا تصدر هذه الشهادة إلا من مكاتب وبيوت خبرة لها رصيد عال من الخبرة, لكن البعض اعتبر اصدارها عملية تجارية وبالتالي حصلوا عليها وهم غير مؤهلين مما أدى إلى هذه النظرة المريبة إلى الشهادات الممنوحة لبعض الشركات العربية. ويضيف د. خلاف: انه ما دامت هناك بعض جهات غير مؤهلة تتولى اصدار هذه الشهادات في مقابل مادي فمن الضروري أن يكون الحزم والصرامة هما أساس العمل في السوق العربية مثلما واجهت الحكومات العربية الكثير من أمور التسيب التي كانت تحد من الاستثمار بقرارات سريعة وفورية. ضمان الجودة ومن ناحية أخرى يؤكد د. عبدالباسط السباعي الرئيس السابق لهيئة التوحيد القياسي ان عدد الشركات المصرية الحاصلة على شهادة الأيزو 9000 ضئيل للغاية وانها لم تتعد 350 شركة صناعية بينما يبلغ عدد الشركات الاسرائيلية الحاصلة عليها حوالي 1500 شركة, مشيرا إلى ان الحصول على الأيزو يمر بمرحلتين الأولى تطبيق المواصفات والثانية مرحلة منح الشهادة نفسها من خلال مكتب خاص حيادي يتبع مكتب الاعتماد بمنظمة الأيزو. ويضيف د. السباعي: ان هذا النظام لا يؤدي إلى جودة المنتج لكنه يؤدي إلى ضمان استمرارية الجودة فمن الممكن سحب شهادة الأيزو عن الشركات التي حصلت عليها بعد مرور ثلاث سنوات, وذلك في حالة انتفاء أحد عناصر ضمان استمرارية الجودة.. وفي هذه الحالة يقوم مكتب منح الشهادة باعطاء الشركة المخالفة مهلة للتغلب على الأخطاء الإدارية واصلاحها وإلا تسحب الشهادة مرة أخرى. وهناك 50 شركة اسرائيلية تم بالفعل سحب شهادة الأيزو منها لانتفاء بعض عناصر الجودة. ويؤكد ان الدول المتقدمة تسعى بكل طاقاتها للإسهام في حصول شركات الدول النامية على شهادات الأيزو, وذلك لان مصلحة الدول المتقدمة أن تظل تتعامل مع تلك الشركات نظرا لما توفره لها من مزايا انخفاض الاسعار وتسويقها لمنتجات الدول المتقدمة داخل الأسواق المحلية, ولذلك خصص الاتحاد الأوروبي مبلغ مليار جنيه لتحديث الصناعة المصرية وذلك على مدار ثلاث سنوات, كما خصصت مبادرة مبارك - آل جور معونة أمريكية قدرها 12 مليون دولار لنفس الغرض. تجديد التكنولوجيا ويؤكد من جانبه ممدوح ثابت مكي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات ورئيس غرفة صناعة الجلود ان القرن المقبل لن يبقى فيه إلا الأقوى والأجود ومن هنا تأتي أهمية الأيزو كقضية مصيرية لكل منتج صناعي في المنطقة العربية يريد أن يبقى, مشيرا إلى ان الأيزو ترفع من معدلات الكفاءة الانتاجية فضلا عن انها تؤدي في النهاية إلى تخفيض تكلفة المنتج الأخير. ويحذر مكي من ان الشركات الأوروبية ستضع شروط حماية البيئة والانتاج النظيف عند عقدها للصفقات مع الشركات الأخرى تلك الشروط تضمنها نظام الأيزو. ويرجع د. نظمي فتح الله العضو الاستشاري بوفد مصرفي منظمة الأيزو العالمية تدهور وضعف الصادرات المصرية إلى تخلف الصناعات الوطنية واعتمادها على تكنولوجيا لم تعد موجودة في جميع دول العالم. ويضيف: انه لا مناص للشركات المصرية سوى العمل الجاد للحصول على الأيزو, مؤكدا ان الشركات العالمية في المستقبل ستفضل العمل مع الجهة التي لديها نظام إداري يتفق مع منظومة معترف بها دوليا فإذا تقدمت شركتان للحصول على توكيل لشركة أجنبية فالأفضلية بالضرورة ستكون للشركة التي تطبق معايير الجودة الشاملة (الأيزو) . ويشير د. فتح الله إلى ان الدراسات التي يتم اجراؤها في أوروبا بعد ادخال نظام الجودة الشاملة أكدت ان هناك وفرة في التكلفة تتراوح ما بين 20% إلى 25% في حين ان الدراسات المتعلقة بالشرق الأوسط تؤكد ان شركاتنا تستطيع أن توفر 50% من تكلفة منتجاتها في حالة تطبيق نظام الجودة الشاملة (الأيزو) . المنافسة شرسة أما المهندس عادل الموزي وكيل اتحاد الصناعات المصرية ورئيس الشركة القابضة للصناعات الكيماوية فيحذر من انه مع حلول عام 2001 فإن الشركات الأوروبية والأمريكية لن تتعامل إلا مع الشركات الحاصلة على (الأيزو) . إن الصناعات العربية ستواجه منافسة شرسة ليست فقط بالخارج بل في داخل الأسواق المحلية. ويؤكد الموزي انه فشل في اقناع الـ 20 شركة التابعة لشركته القابضة في الصناعات الكيماوية ولم ينجح إلا في اقناع أربع شركات منها فقط, بينما على مستوى القطاع الخاص فإنه لم تحصل على شهادة الأيزو إلا 350 منشأة فقط من أصل 16 ألف منشأة صناعية بمصر أي بنسبة 2.20% فقط والـ 16 ألف منشأة صناعية 96% منها تعمل في الصناعات الصغيرة والوسيطة بينما 4% فقط تعمل في الصناعات الثقيلة وهذا أمر لا يبشر بالخير, خاصة ونحن في سباق مع الزمن. وهكذا تتضح الصورة وتبقى مصداقية هذه الشهادة في مصر محل تساؤل.. أجابنا عليه د. علي النجار مستشار وزير الصناعة المصري لشئون التوحيد القياسي فقال عن الدور الذي تقوم به وزارة الصناعة وهيئة الرقابة على أنشطة المكاتب الاستشارية والهيئات المانحة لشهادة الأيزو في مصر: إن دور هيئة التوحيد القياسي انتهى الآن بعد انشاء المجلس الوطني للاعتماد الخاص باعتماد الجهات المانحة لشهادة الأيزو, وحسب معلوماتي فهو استعاف بمجلس الاعتماد البريطاني وخبراته في مرحلتي الهيكلة والتكوين ولن يقل خبرة أو كفاءة عن مجالس الاعتماد المماثلة. وأكد د.النجار ان الخوف من حدوث تجاوزات ومنح الشهادة بشكل تجاري هو الذي دعا الدولة لانشاء هذه الهيئة, ولا أعتقد ان هناك شركة مانحة - غير مشروعة - أو ان شركات دولية معتمدة يمكن أن تغامر بسمعتها ويقع في مثل هذا الخطأ, وتبقى المشكلة قائمة مع وجود فوضى في عملية منح هذه الشهادات التي سيكون لها تأثير سلبي على الاقتصاد الوطني والعربي وعلاقاته العالمية, إذا لم يتم التصدي لها بجدية وحسم. القاهرة - محمد جابر: من وكالة الصحافة العربية