أكدت المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في تقرير لها أن القطاع المصرفي العربي يواجه عدة مخاطر مع دخول الألفية الثالثة, خاصة في مواجهة التغيرات والتطورات التي آل إليها التحرير الاقتصادي العالمي وصراع التكتلات الاقتصادية, مما يستوجب على هذا القطاع ورؤسائه النهوض به ودمجه في قطاع مصرفي عربي شامل يكون قادرا على مواجهة هذه التطورات ومتوافقا مع إتفاقية الجات ـ خاصة وإن العواقب وخيمة. وجاء بالتقرير أن المصارف العربية ينبغي أن تتوجه الى نظام المصرف الشامل والى التطورات المتلاحقة في كافة المجالات التي شهدها العالم, وتعاظم دور المصارف, ويشير في هذا الصدد الى أن عقد التسعينيات شهد تطورات مذهلة في كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والمالية وتراوحت بين انهيار المنظمة الاشتراكية وتبني دولها لآلية السوق وسياسات التحرير الاقتصادي, وبروز التكتلات الاقتصادية العملاقة وتنامي وتنوع دور الأسواق المالية وزيادة ترابطها. من جهة اخرى تضاعف حجم التدفقات الاستثمارية خلال نفس الفترة, مما ساهم في لجوء الشركات متعددة الجنسيات الى أسواق المالية العالمية للحصول على احتياجاتها المالية وإدارة إحتياطياتها النقدية, وقد أدت هذه التطورات المتسارعة الى حدوث تغيرات جذرية في هذه الأسواق ومؤسساتها ووظائفها.. وقد كان من نتائج هذه المستجدات أيضا أن تعاظم دور المصارف العربية واتسع نطاق الخدمات التي تقدمها ليس فقط في مجال الخدمات المالية المتعلقة بالأنشطة المصرفية التقليدية فحسب, بل تعدى ذلك إلى الأنشطة المرتبطة بالأوراق المالية, خاصة بعد انتشار ظاهرتي التدويل والتكامل بين هذه الأسواق واتساع عمليات التوريق. وبمرور الوقت أصبحت المصارف الكبرى في الدول الصناعية تمارس خليطا فريدا من النشاط المصرفي والاستثماري عرف في أوروبا الغربية بمفهوم الصيرفة الشاملة وفي اليابان بمفهوم الشركات التابعة وأصبحت الصيرفة الاستثمارية العامل المساعد في تطوير أسواق المال بشقيها النقدي والاستثماري ووفقا للتقرير تقوم فكرة المصرف الشامل على مبدأ التنويع. فالمصرف الشامل هو الذي يقوم بوظائف المصرف التقليدية (الوساطة المالية والائتمان) - وغير التقليدية (المبادلات والخيارات والعقود الآجلة والخدمات المصرفية الخاصة) فضلا عن الوظائف الاستثمارية الأخرى (التوريق وإدارة المحافظ وإدارة عمليات الاندماج والتملك والتأجير المالي). وتتمثل أهم مزايا المصرف الشامل في الاستفادة من ميزة الحجم الكبير وتحقيق الوفورات في التكاليف, تقليل المخاطر الائتمانية عن طريق التنويع القطاعي لمحفظة القروض والاستثمارات والتنويع الجغرافي لمكونات هذه القروض والاستثمارات, الاستفادة من ميزة التنويع بصورة مزدوجة تنمية الموارد من كافة القطاعات وتقديم القروض لكافة القطاعات, امكانية تحقيق الاستقرار في حركة الودائع من جهة وتقليل مخاطر الاستثمار من جهة أخرى, توافر امكانية الدخول إلى الأسواق المالية والتعامل بالأسهم والسندات بيعا وشراء, توافر امكانية توظيف السيولة الفائضة في مجالات التنمية في القطاعات المختلفة. من جانب آخر هناك عدد من الشروط التي يجب توافرها, ومجموعة من الضوابط التي يجب مراعاتها, لكي يتسنى لأي مصرف تقليدي أن يتحول إلى مصرف شامل من أهمها تطوير التشريعات والقوانين واللوائح التي تنظم العمل المصرفي, ووجود كوادر مصرفية قادرة على قيادة أنشطة المصرف الشامل والقيام بحملات ترويجية واعلامية مكثفة حول أهمية المصرف الشامل وفوائده للاقتصاد القومي والعملاء. اعادة الهيكلة التنظيمية وحول أساليب التحويل إلى المصارف الشاملة يؤكد التقرير ان هناك ثلاث طرق لايجاد مصرف شامل, أولها تحويل مصرف سواء كان متخصصا أو تجاريا قائما بالفعل إلى بنك شامل, ثانيهما انشاء مصرف شامل جديد أما الطريقة الثالثة فهي الأخذ بالأسلوبين السابقين معا. ونورد فيما يلي أهم ملامح هذه الأساليب الثلاثة: تحويل مصرف قائم الى مصرف شامل.. لعل هذا الاسلوب هو الأسلوب الأكفأ والأيسر, لأن وجود مصرف متخصص أو تجاري يعني ان هناك بنية قائمة تحتاج الى القليل من التطوير, الا ان أهم الشروط التي يجب توافرها في هذه الحالة ان يكون المصرف كبيرا من حيث الحجم وقابلا للنمو ويتمتع بالانتشار الجغرافي محليا وعالميا, فضلا عن وجود الكوادر البشرية المؤهلة, وقد يأخذ التحول من مصرف عادي الى مصرف شامل بعض الوقت, لأن التدرج في التحول هو الضمان الوحيد لنجاح التجربة, ونعني بالتدرج هنا ادخال خدمات المصرف الشامل تدريجيا لضمان استيعاب الفكرة وتقنيات تنفيذها لتقديم خدمات المصرف الشامل بكل معايير الدقة والفاعلية, كما يتطلب هذا الاسلوب ضرورة اعادة الهيكلة التنظيمية والنظم القانونية, فضلا عن متابعة عملية التحويل, وذلك باخضاعها لبرنامج مخطط ومدروس.. وعن انشاء مصرف شامل جديد فإنه يستدعي انشاء مثل هذا المصرف البدء من الصفر, بمعنى ان تكون الفكرة قائمة أساسا على خلق كيان مصرفي جديد كليا, ويتطلب هذا الأمر بدءا من ان تكون فرص نجاح المصرف الشامل مضمونة, لأن انشاء مثل هذا المصرف يحتاج الى موارد مالية وبشرية وتقنية عالية, لأن الخدمات المصرفية الشاملة ذات طبيعة خاصة بحيث يتطلب لنجاح الفكرة البدء من القاعدة واختيار وتدريب الكوادر البشرية والقيام بالحملات التسويقية والترويجية المناسبة للخدمات التي يقدمها المصرف الشامل. وأخيرا عن الأخذ بالاسلوبين السابقين معا.. يمكن القول ان الأسلوبين السابقين ليسا بديلين إذ من الممكن ان يكونا مكملين, الأخذ بهما معا, وذلك بأخذ مزاياهما بانشاء كيان مصرفي جديد تتوافر فيه القدرات والامكانات والخبرات التي تضمن نجاحه, ويكون في ذات الوقت قابلا للنمو والانتشار محليا وعالميا.. وقد تتطلب عملية النمو والتطوير والتوسع الدخول في عمليات اندماج وتملك مصارف صغيرة ومتوسطة الحجم والدخول في مشاركات مع بنوك اخرى ذات حجم مماثل ربما تكون هدفا للاندماج أو التملك مستقبلا. ومن واقع ان القطاع المصرفي العربي يعد قطاعا متواضعا من حيث الحجم والامكانات التقنية والبشرية وعمق الأسواق مقارنة مع القطاع المصرفي في التكتلات الاقتصادية الأخرى .. يؤكد التقرير ان أغلب المصارف العربية ذات طابع محلي أي انها ليست منتشرة خارجيا بالقدر الذي يسمح لها بالمنافسة عالميا في مواجهة التحديات العالمية المتمثلة في اجراءات تحرير الخدمات المالية وعولمتها .. كما ان القطاع المصرفي العربي يعتبر ذا طابع تقليدي إذ يقوم بأعمال مصرفية عادية دون ان يتمكن حتى الآن من الارتقاء بسوق رأس المال العربي, ودون ان ينجح بالقدر الكافي في إيجاد آليات التمويل المطلوبة لإحداث التنمية الاقتصادية لمعالجة الاختلالات الرئيسية التي تعاني منها الاقتصادات العربية. حماية مؤقتة ان هذه الطبيعة المحلية والاقليمية للمصارف العربية ليست كلها مساوئ فطبيعة الأسواق المحلية والحماية المتوافرة من قبل السلطات للمصارف العربية المتمثلة في عدم فتح الأسواق العربية أمام المنافسة, وهي بلاشك حماية مؤقتة لا تنسجم مع متطلبات العولمة وتحرير الأسواق المالية, تخلق ميزة نسبية لهذه المصارف وتضع أمامها فرصة سانحة للانتشار والتوسع الاقليمي وذلك بانتهاج سياسات الاندماج والتملك وتعميق الأسواق. ومن ثم يمكن لها ان تقوم بمحاولات التواجد عالمياً عن طريق الدخول في مخالفات وشراكات مع مؤسسات مالية ومصارف أجنبية ذات ثقل عالمي لاكتساب المزيد من الخبرة, ودعوة المؤسسة الى قيام المصارف العربية بوظائف المصارف الشاملة لايجب تفسيرها على انها دعوة لمباشرة كل هذه الوظائف والمهام في وقت واحد, فالقضية كما عرضنا تحتاج الى استعدادات مالية وتقنية وبشرية ومعنوية كبيرة إلا ان ما يتوافر لدى المصارف العربية من امكانيات مالية ومن فرص الاندماج والتوسع فضلاً عن البيئة الخصبة للعمل المصرفي الاقليمي من شأنه أن يمكن هذا القطاع من تجاوز مخاطر بعض وظائف المصارف الشاملة وخلق قاعدة مصرفية قوية قابلة للتكيف مع متطلبات العولمة وتحرير الأسواق المالية. (وكالة الصحافة العربية)