تعرقلت الجهود لاطلاق جولة جديدة من المحادثات حول التجارة العالمية في وقت متأخر من أمس الأول في أعقاب اختلاف البلدان الصناعية والبلدان النامية حول قضايا العمالة والقضايا البيئية فيما قال كبير المفاوضين الاوروبيين أن نجاح المحادثات يتطلب حدوث (معجزة) . فقد عمت الفوضى مفاوضات قمة منظمة التجارة داخل مركز المؤتمرات في سياتل بشكل لا يكاد يختلف عن المسيرات الاحتجاجية في شوارع المدينة خارج المركز, فيما قام أعضاء الوفود من البلدان الصغيرة بطرق أياديهم على المناضد بشدة وتعالت أصوات احتجاجاتهم على الاسلوب التي تجري به ممثلة التجارة الامريكية شارلين بارشيفسكي المفاوضات. وادعى أعضاء الوفود أنهم يحرمون من المشاركة في المفاوضات الهامة حول قضايا الزراعة والعمالة وإصلاح المنظمة, رغم زعم الولايات المتحدة أن العملية التفاوضية الجارية في إطار (مجموعات العمل) الرئيسية مفتوحة أمام كافة الوفود. وقال كليمنت روهي وزير خارجية جويانا (إننا نشك في أن هناك اتفاقات تجري وسنجد أنفسنا أمام أمر واقع في اللحظة الاخيرة) . وكان روهي قد أثار شرارة الاحتجاجات حينما طالب بالسماح بالاطلاع على ما يجري في أروقة المحادثات غير الرسمية حيث زعم أن وفود البلدان الصناعية يحرزون تقدما فيما يتعلق بالاتفاق على صيغة بدء جولة جديدة تستغرق ثلاثة أعوام من محادثات تحرير التجارة. وقال روهي أن البلدان الاصغر تسعى لتشكيل كتلة موحدة لمقاومة فرض قرار بعينه عليها. وأضاف وزير خارجية جويانا (لو اتحدت البلدان الافريقية والكاريبية وبلدان الباسيفيك معا فإن المجموع سيمثل بلدانا كثيرة) . وقال روهي للصحفيين (بالنسبة للكثيرين منا لم يعد الامر يتعلق بالقضايا في حد ذاتها بل بالعملية التي تسير عليها المفاوضات) . وقال أعضاء آخرون من الوفود المشاركة أن المفاوضات الداخلية تتسم بالتكتم البالغ وأضافوا أن حرس الامن أبعدوا الوزراء من الدومينيك وسورينام عندما حاولوا المشاركة في المحادثات المتعلقة بالزراعة. كما أدى تعثر المحادثات في القمة إلى فقدان المفوض التجاري الاوروبي بسكال لامي هدوءه حينما وصف مسلك بارشيفسكي في المفاوضات بأنه (أشبه بما كان يجري في العصور الوسطى) . وقال لامي في مؤتمر صحفي (هناك الكثير مما يجب فعله وليس أمامنا سوى وقت محدود جدا للقيام به) وبدت خيبة أمله واضحة في إجاباته المقتضبة على الصحفيين وحنقه بسبب تعطل أحد أجهزة الميكروفون. وقال لامي (لن ينجح أحد في الخروج بنتائج من خلال تلك العملية الفوضوية سوى بمعجزة) في أول تلميح من مسئول إلى احتمال فشل محادثات سياتل في الوصول إلى نتائجها المرجوة. غير أن بارشيفسكي زعمت أن الوفود المشاركة أحرزت (تقدما كبيرا) في المفاوضات التي جرت في إطار مجموعات العمل, والتي استمر بعضها في العمل طوال ساعات أمس دون توقف. إلا أن بارشيفسكي أخبرت الصحفيين أنها هددت (بصراحة بالغة) بتغيير العملية التي تسمح لجميع البلدان بالمشاركة في كافة المجموعات, والاتجاه بدلا من ذلك إلى العمل في إطار مجموعات صغيرة تعتمد على فرض الموافقة بالاجماع قبل اختتام القمة أمس الجمعة. ومن ناحية أخرى ارتفع عدد الاعتقالات خارج مركز المؤتمرات بالمدينة في غضون ثلاثة أيام من الاحتجاجات إلى 600 شخص. وقد تعرض المسئولون بالمدينة لانتقادات متزايدة للطريقة التي تعاملوا بها مع الاحتجاجات وفرض حظر تجوال مدة 24 ساعة في محيط مقر انعقاد المفاوضات. وكان الالاف من المحتجين قد تجمعوا في وقت متأخر أمس الأول عند سجن كينج كاونتي مطالبين بإطلاق المعتقلين داخل السجن. وكان اتحاد الحريات المدنية الامريكي قد رفع دعوى ضد المدينة في وقت سابق زاعما أن عملية قمع المحتجين تتعارض مع حقوق المواطنين في حرية التعبير والتجمهر. وفي تطور آخر غادر الرئيس الامريكي بيل كلينتون سياتل أمس الأول بعد التوقيع على معاهدة في إطار منظمة العمل الدولية تحظر الكثير من أشكال عمالة الاطفال. وبذلك تعد الولايات المتحدة ثاني بلد يصادق على المعاهدة. وداخل مركز المؤتمرات فشلت الجهود المبذولة من جانب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وكندا واليابان لفتح أسواقها أمام الصادرات من أفقر شركات العالم حينما أحجمت الولايات المتحدة عن ذلك. وكانت أوروبا ترغب في استثناء بعض المنتجات مثل الموز في الوقت الذي لم ترغب فيه الولايات المتحدة في تضمين المنسوجات في البرنامج المقترح لفتح الاسواق. غير أن هذا الاقتراح الخاص بفتح الاسواق أمام منتجات الشركات الافقر كان ضروريا بالنسبة للجهود المبذولة من جانب البلدان الصناعية لاعطاء البلدان النامية فرصة أكبر للمشاركة في المنظومة التجارية العالمية في الوقت الذي يتم فيه القبول بمطالب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة بربط التجارة بمستويات العمل والمعايير البيئية. وقال لامي (إن المواقف التي يتعين علينا التوفيق بينها تتمثل ببساطة في المواقف بين الاغنياء والفقراء) . ومن بين تلك المواقف التنازلات التي تقدم للبلدان النامية حول سرعة تنفيذ الاتفاقات التجارية السابقة. ويذكر أن الاتحاد الاوروبي أكثر استعدادا للقبول بالمزيد من التنازلات فيما يتعلق بهذا الموضوع, من الولايات المتحدة التي تعارض غالبا التمديد فيما يتعلق بخفض التعريفات المتفق عليه في جولة أوروجواي السابقة للمحادثات. غير أن لامي أضاف قائلا أن الهوة الرئيسية بين الاغنياء والفقراء تتعلق (بمخاوفنا إزاء القضايا المطروحة مؤخرا فيما يتعلق بالبيئة والعمالة .. ومخاوفهم من أن تكون تلك أساليب لفرض الحمائية) . وقال لامي أن البلدان الصناعية لا تتفق تماما فيما بينها فيما يتعلق بقضية العمالة: حيث يعارض الاتحاد الاوروبي رغبة الولايات المتحدة في تضمين عقوبات تجارية ضد البلدان التي لا تحسن من مستويات العمل لديها. ومن جانب آخر لا تزال الخلافات قائمة بين الولايات المتحدة وأوروبا فيما يتعلق بالقضايا الزراعية, حيث تسعى واشنطن لوضع نهاية سريعة للدعم الذي تقدمه البلدان الاوروبية لصادراتها الزراعية بينما تتشكك في إصرار الاتحاد الاوروبي على الربط بين الجدل الدائر حول القطاع الزراعي و(قضايا لا تتعلق بالتجارة) مثل السلامة الغذائية وصحة الحيوان. وقد أثار الجمود في المفاوضات التجارية في سياتل انتقادات من جانب مجموعة أوكسفام الدولية لتقديم المساعدات والتي انتقدت حكومات الدول الصناعية (لتباطئها) في فتح أسواقها أمام البلدان النامية. وقال مدير المجموعة ديفيد براير (بدون التراجع عن دعم الصادرات الزراعية والسماح بانفتاح الاسواق بشكل أكبر أمام كافة المنتجات, فإن البلدان الغنية ستقضي على أي أمل في أن تتمخض محادثات سياتل عن أية صفقة تكون عادلة بالنسبة للبلدان الافقر في العالم) .