تحدثت الولايات المتحدة عن حصول تقدم في المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية المنعقد في سياتل, حول ابرز الملفات المتعلقة بالمفاوضات التجارية المستقبلية المتعددة الاطراف.وقالت ممثلة التجارة شارلين بارشيفسكي التي تترأس المؤتمر ان الوزراء توصلوا خلال اليومين الماضيين الى تقليص خلافاتهم حول التوصل الى تسوية بخصوص نص يتعلق بالزراعة. وقالت ان (درس مشروع النص الذي تقدمت به رئاسة مجموعة العمل حول الزراعة التي تتولاها سنغافورة, ستؤدي الى تقليص المزيد من هذه الخلافات) رافضة مع ذلك الدخول في تفاصيل المناقشات الجارية. واوضحت ان الوزراء واصلوا اجتماعاتهم من اجل تقييم الحالة العامة للمفاوضات ومناقشة وسائل حل الخلافات التي لا تزال قائمة. وأخذ الهدوء الحذر يخيم على مدينة سياتل الامريكية, وكانت المدينة قد شهدت خلال الساعات الماضية مظاهرات احتجاجية جديدة ضد مؤتمر منظمة التجارة العالمية, مما أدى الى اصابة وسط المدينة بالشلل التام بعد الانتشار الواسع لقوات الامن التى فرضت طوقا أمنيا. وكانت قوات الامن قد استخدمت قنابل الغاز من الرغم من فرض حالة الطوارئ على المدينة, وقد تم اعتقال أكثر من مائتى متظاهر فى الوقت الذي أنهى فيه مؤتمر منظمة التجارة العالمية يومه الثالث. وفي محاولة لتضييق حدة الخلاف بدأت الدول الصناعية حملة اغراءات في سياتل لاستمالة الدول الفقيرة لحملها على دعم اطلاق جولة جديدة من المفاوضات التجارية المتعددة الاطراف, بيد ان الدول النامية لم يرف لها جفن. فقد ابدت الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وبدعم من اليابان, استعدادها لجعل غالبية سلع الدول الاقل تقدما تستفيد من اعفاء من التعرفة الجمركية. وقال الامين العام لوزارة التجارة الماليزية عصمت كمال الدين خلال المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية, (علينا اولا ان نتأكد من ان الدول النامية قطفت الثمار الموعودة بها من خلال الاتفاقات التجارية القديمة في اطار جولة اوروجواي) . وتعتبر دولا نامية اخرى ان مصالحها مغبونة في الاتفاقات التجارية السابقة, لانها اضطرت الى فتح اسواقها من دون ان تتمكن في المقابل من النفاذ بشكل فعلي الى اسواق الدول الصناعية. وانتقد مندوبو الدول النامية ايضا عزم الدول الغنية على ادراج حقوق العمل الاساسية في جدول اعمال الجولة المقبلة من المفاوضات المتعددة الاطراف. وأيد الرئيس الامريكي بيل كلينتون فرض عقوبات تجارية على الدول التي لا تحترم حقوق العمل وتسمح بعمل الاطفال. واعتبر وزير التجارة التايلاندي سوباتشي بانيشباكدي الذي يفترض ان يصبح المدير العام لمنظمة التجارة العالمية العام ,2002 ان (العقوبات التجارية يجب الا تكون وسيلة لتعزيز تطبيق المعايير الاجتماعية) . واضاف امام المؤتمر (نحن بحاجة الى حوار حول التجارة والعمل (...) لكن هذا الحوار يجب ان يكون بطريقة غير رسمية بمشاركة منظمات مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة التجارة العالمية, لكن يجب الا يتم في اطار اجتماع تنظمه منظمة التجارة العالمية لتحديد معايير العمل الالزامية) . واضطرت الدول الصناعية الى تقديم تنازلات الى الدول النامية لجعلها تؤيد اطلاق جولة جديدة من المفاوضات التجارية معروفة باسم (جولة الالفية) يفترض ان تطلق خلال مؤتمر منظمة التجارة العالمية. وتتردد دول نامية كثيرة في دعم اطلاق جولة جديدة قبل ان تطبق اتفاقات جولة اوروجواي كليا. وتعتبر هذه الدول ان التحرير لا يزال بطيئا في قطاعات مثل النسيج والجلود. وترفض الدول الغنية حتى الان خفض التعرفة الجمركية على واردات افقر 40 دولة في العالم او فتح اسواقها بشكل اكبر على السلع النسيجية. ويدعو مشروع اعلان وزاري اعده الاتحاد الاوروبي وتدعمه اليابان الى اتخاذ (اجراءات ايجابية بغية التأكد من ان الدول النامية تستفيد ايضا من التبادل الحر) . ولا يشير النص الى رفع الحواجز الجمركية امام صادرات اقل الدول تطورا لكنه يدعو الى (احراز تقدم لتحقيق هذا الهدف) . وقال ديفيد براير مدير جمعية (اوكسفام) الخيرية, (اذا لم يتم اعتماد اجراءات لفتح الاسواق بطريقة اكبر, ستقضي الدول الغنية على اي امل بالتوصل الى اتفاق عادل للدول الفقيرة في العالم) . وصرح رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد أمس الخميس بأن أحداث الشغب العنيفة ضد منظمة التجارة العالمية ترجع إلى المخاوف من سيطرة القوى الاقتصادية القوية على العالم. وأضاف مهاتير أن التجارة العالمية لن تكون عادلة إلا إذا بدأ الاغنياء والاقوياء في الاستماع إلى آراء الفقراء وتفهم أبعاد المأزق الذي يعيشون فيه. ومضى مهاتير إلى القول (ان الناس يحتجون على منظمة التجارة العالمية, لان القوى الاقتصادية القوية تريد نشر مخالبها لكي تستولي على العالم بأسره بالمعنى الحرفي للكلمة وجعله يعمل تحت إمرة حفنة من الشركات القوية) . وقال مهاتير الذي دأب على تحذير الدول النامية من أخطار العولمة أنه يتعين على الدول القوية صاحبة النفوذ ألا تفرض آراءها على الدول الاضعف وأن تتوقع تغييرات بين عشية وضحاها. واستطرد مهاتير (إذا أرادت منظمة التجارة العالمية النجاح فإن عليها أن تضع في اعتبارها كافة آراء الاقتصاديات الاضعف وأن لا تفكر في الاتجار بالدول) . ووصف مهاتير الاعتقاد بأن قوى السوق تنظم الاقتصاديات بأنه (خيال) مشيرا إلى أن تجّار العملة الذي يحركهم الربح استطاعوا تحديد قيمة عملات دول بأسرها بل والعالم. وقال مهاتير (إنه خضوع واستسلام لحفنة أشخاص يسمون أنفسهم قوى السوق, وأن الحكومات المسئولة لا يمكن أن تخضع لمثل هؤلاء) . وفي الوقت الذي خاطب فيه الرئيس الامريكي بيل كلينتون الوفود المشاركة في قمة منظمة التجارة الدولية داعيا إلى المزيد من الانفتاح في المنظمة, سيطرت شرطة سياتل والجنود التابعون للحرس الوطني الامريكي على وسط المدينة حيث ألقي القبض على أكثر من 400 من المتظاهرين المناوئين للمنظمة. فبعد قيام حوالي 30.000 محتج بالتجمع في المنطقة القريبة من مقر انعقاد محادثات منظمة التجارة قام عدة آلاف فحسب بالتظاهر غير أن الشرطة تصدت لهم بحزم. فقد لجأت وحدات الشرطة المدرعة إلى استخدام الغاز المسيل للدموع وأساليب مكافحة الشغب لكبح مظاهرة الحشود كما ألقت القبض على العشرات من المنتمين إلى الجماعات المناوئة. وذكرت شرطة سياتل أنه تم القبض على حوالي 400 متظاهرا بعد القبض على 68 شخصا أثناء احتجاجات جماعية سابقة, وفرض حظر تجوال ليلي في أعقاب الاشتباكات العنيفة التي اندلعت بين الشرطة ومثيري الشغب. وقد أغلقت العديد من المحال التجارية والمطاعم والبارات أبوابها حتى نهاية الاسبوع أي لحين انتهاء قمة المنظمة المنعقدة في المدينة. في الوقت الذي فتحت فيه محال أخرى أبوابها بعد قيام أصحابها بتغطية النوافذ بألواح من الخشب لحمايتها من الكسر. وفي مركز المؤتمرات بالمدينة تمكنت الوفود التجارية المشاركة في القمة من اختتام يوم كامل من المحادثات والاستماع إلى الرئيس بيل كلينتون والامين العام للامم المتحدة كوفي عنان. وقال عمدة مدينة سياتل بول شل أن (وفود المنظمة تجتمع وتتناول القضايا الخاصة بالتجارة) . وقال شل أيضا ان إدارة المدينة قد تلقت مكالمات عديدة من الكثير من المواطنين الذين يهتمون بمظهر المدينة أثناء انعقاد القمة والذين عرضوا المساعدة في تنظيف وسط المدينة. وأضاف كلينتون في خطابه أمام الوفود المشاركة, قائلا (إنني مقتنع أنه يجب أن تنفتح منظمة التجارة العالمية والنظام التجاري الدولي على المزيد من الانتقاد العام والمزيد من المشاركة العامة, إنني سعيد لوجود مثل هذا الاهتمام المكثف بالاجتماع الذي نعقده, لان هذا يظهر أن الناس يعبئون حقا بهذا الامر الآن) . وقال كلينتون (انني أرحب بهؤلاء الذين جاءوا إلى هنا للتعبير عن مواقفهم سلميا لانني أود أن ينخرطوا في المناقشات الابعد مدى, وأما من جاءوا إلى هنا لتحطيم النوافذ والاضرار بالمحال الصغيرة أو منع الناس من التوجه إلى الاجتماعات أو حرمانهم من أن إبداء مواقفهم, فإنني أدينهم) . وفي برلين صرح المستشار الالماني جيرهارد شرويدر أنه يتفهم الاحتجاجات الجارية أثناء انعقاد قمة المنظمة غير انه يرفض قيام البعض بأعمال عنف. وقال شرويدر في حديث أجراه معه تلفزيون زد.دي.إف الالماني (يمكن فهم الاحتجاجات التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية, ليس من حيث الشكل - لذلك يجب شجب أعمال العنف بل كعلامة على رفض أعداد متزايدة من الناس للفجوة الاخذة في الاتساع بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية) . وقال شرويدر أن الاحتجاج يرجع في جزء منه إلى عدم فهم الناس للفرص التي تطرحها العولمة, غير أنه أضاف أن للعولمة أيضا جوانب سيئة, وقال المستشار الالماني (يجب أن تحدد السياسات ما يجب فعله لتقليل مساوئ العولمة) . وفي ردود أفعال أخرى على الاحتجاجات قال فولفرام شريتل رئيس قسم الاقتصاد الدولي بالمعهد الاقتصادي الالماني ببرلين أن السياسيين والعلما ء قد تجاهلوا قضايا مثل الدمار الذي تتعرض له البيئة وعمالة الاطفال وعلى ذلك يمكن أن تكون الاحتجاجات (بمثابة صدمة مطلوبة) . ومن المتوقع أن تركز المحادثات على القضايا المتعلقة بالجوانب الزراعية, بالنظر إلى الخلاف حول الدعم الذي تقدمه البلدان الاوروبية لصادراتها الزراعية ورغبة الولايات المتحدة في ضمان فتح الاسواق أمام الاغذية المعدلة وراثيا وهو الامر الذي ترفضه بلدان أخرى مثل الاتحاد الاوروبي واليابان. وقال المفوض التجاري للاتحاد الاوروبي باسكال لامي أن الاتحاد الاوروبي مستعد لخفض الدعم المقدم لصادراته الزراعية شريطة أن يتم التفاوض أيضا على أوجه الدعم الزراعي الاخرى من قبيل المعونة الامريكية العاجلة للمزارعين والمساعدات الغذائية للبلدان الاخرى. وقال وزير الزراعة الامريكي دان جليكمان أنه تم إحراز (تقدم كبير) فيما يتعلق بصيغة المسودة وأنه يمكن الانتهاء من البيان الخاص بالزراعة قبل اختتام الاجتماع المنعقد للقمة.