يرى المحللون الاقتصاديون ان فوز رئيس الوزراء الماليزي للمرة الخامسة بعد ان حصل الائتلاف الحاكم الذي يتزعمه بأغلبية برلمانية كبيرة يعد مدعاة للسرور للعديد من الشركات التي ارتبطت مصالحها بالحكومة لفترة طويلة. وقد تنفست هذه الشركات الصعداء بعد سماع النتائج الأولية للانتخابات والتي أكدت فوز رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد بعد ان حكم البلاد لفترة وصلت الى ثمانية عشر عاما. فقد أمضت العديد من الشركات الكبرى في ماليزيا وقتا عصيبا في انتظار اعلان نتائج الانتخابات خوفا من وصول المعارضة الى كرسي الحكم, مما يعني بالغ الضرر لمصالح تلك الشركات. وقد حققت تلك الشركات مكاسب طائلة لسنوات عديدة بسبب ارتباطها بساسة الائتلاف الحاكم مستفيدين من سخاء الحكومة في شتى المجالات ابتداء من البنوك وحتى بناء الطرق. فعلى سبيل المثال منحت الحكومة الماليزية شركة رينونج حقوق بناء تشغيل وادارة وجمع الرسوم لأطول طريق في ماليزيا وهو الطريق السريع الذي يربط بين شرق البلاد وغربها. مثال آخر هو بنك (بوميبوترا ماليزيا) الذي تمكن من الحفاظ على موقفه من خلال التدفق المالي الذي كانت توجهه اليه شركة البترول الماليزية الوطنية (بتروليوم ناسيونال) . وقد كان الغرض من بناء البنك من الأساس ـ والذي أصبح ممتلكا جزئيا لشركة رينونج ـ هو تمويل المشروعات الخاصة بالاقلية الماليزية المعروفة باسم (المالاي) . ويرى المحللون ان الفرصة اصبحت سانحة الآن أمام هذه الشركات للحصول على مزيد من حقوق المشروعات مثل خط أنابيب المياه المقرر انشاؤه لنقل المياه المعالجة من ولاية باهانج الى سنغافورة بقيمة اجمالية 5.7 مليارات دولار. ويقول بروس جالي المدير الاقليمي لاستشارية المخاطر السياسية والاقتصادية في سنغافورة ان فوز الائتلاف الحاكم سوف يعمل على اقرار الأوضاع كسابق عهدها, لكن الحال كان سيتبدل ما اذا تمكنت المعارضة من ان تفسح لنفسها المجال وتنجح في الوصول الى ادارة شئون البلاد. ولكن المعارضة لم يكن لها أبدا هذا الثقل الذي يخشى جانبه على مدار العقود الثلاثة الماضية, حيث عانت من التشرذم والفرقة ولم يتوحد لواؤها تحت راية وزير المالية السابق أنور ابراهيم الذي بدا لفترة وكأنه الخليفة المنتظر لمهاتير محمد. الا ان رئيس الوزراء الماليزي لم يمهله الفرصة, حيث أوقفه وقدمه للمحاكمة, حيث صدر ضده حكم بالسجن لمدة ست سنوات بناء على اتهامات بالفساد. وقد ظهرت بوادر المؤشرات التي تدل على الثقة التامة في فرص اعادة انتخاب مهاتير قبيل بدء الانتخابات, حيث ارتفعت أسهم الشركات ذات الصلة بالحكومة, حيث ارتفعت على سبيل المثال أسهم شركة رينونج بنسبة 12% خلال الأسابيع السابقة للانتخابات. كما تم اختيار حليم سعد ـ الذي يحظى برعاية وزير المالية دايم زين الدين ـ لتولي ادارة الشركة. وهناك أمثلة عديدة للشركات الماليزية المرتبطة مصالحها بالحكومة الائتلافية أمثال شركة ماليزيان بلانتيشن وشركة صناعات الموارد التكنولوجية وكيجوراهارتا وشركة تايم للأعمال الهندسية. وقد حققت أسهم شركة تايم أداء فائقا وجاءت ضمن أفضل خمس شركات بسوق الأسهم خلال الاسبوعين الماضيين, ولكن يبقى ان نعلم ان الشركة التي تتبع رينونج ملايان المتحدة لها صلات وطيدة رازاليخ حمزة أحد قادة الحزب الحاكم السابق وكذلك شركة (تكنولوجي ريسورسيز) وهي شركة عاملة في مجال التليفون النقال ويرأسها تاج الدين راملي أحد أصدقاء رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد. وتقول فيونا ليونج وهي باحثة اقتصادية متخصصة ان فوز الائتلاف الحاكم مرة اخرى سوف يؤدي الى مزيد من الرخاء, فالمستثمرون يفضلون اجواء الاستقرار حيث يجنحوا دائما الى الابتعاد عن المغامرة التي يمكن ان يتسبب فيها مقدم عنصر جديد الى الحكم. ولكن يجب على المستثمرين ان يوجهوا انظارهم الآن الى أساسيات العمل في الشركة وينصرفوا عن تركيز اهتمامهم على الاشخاص الذين تربطهم مصالح تلك الشركات, هكذا يرى شونج يون شو مدير مركز آسيا المحدود لادارة الاصول بسنغافورة حيث يقول: ان القواعد التي تحكم قدرة الأسهم على المنافسة هي قواعد السوق وهذه هي الحقيقة التي تبقى في مواجهة واقع متغير. وكان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد قد فاز أمس الثلاثاء بالانتخابات التي واجه فيها معارضة قوية يسيطر عليها الاصوليون الاسلاميون. وحقق ائتلاف الجبهة الوطنية المؤلف من 14 حزبا ويرأسه مهاتير هدفه بالفوز بأغلبية الثلثين اللازمة لتعديل الدستور ويعد ذلك نقطة مهمة للمضي قدما في سياسات مهاتير المتعلقة بتنمية الاقتصاد. وقالت اللجنة الانتخابية ان ائتلاف الجبهة الوطنية حصل على 148 مقعدا من مقاعد البرلمان المؤلف من 193 مقعدا في اكثر انتخابات تشهد تنافسا في البلاد منذ 30 عاما فقد نجحت المعارضة ايضا في مضاعفة عدد المقاعد التي حصلت عليها في انتخابات عام 1995 اذ حصلت على 27 مقعدا مقارنة مع 13 مقعدا عام 1995. وكانت الجبهة الوطنية قد حصلت على 162 مقعدا في انتخابات عام 1995. وصرح مهاتير في مؤتمر صحفي بعد الفوز (من الواضح ان الجبهة الوطنية ما زالت الحزب الذي يختاره شعب ماليزيا) . وفقدت منظمة الملايو الوطنية المتحدة التي يرأسها مهاتير نفوذها للحزب الاسلامي الماليزي في تحول يرجعه محللون الى الغضب من اقالة مهاتير لنائبه السابق انور ابراهيم وسجنه. وبعد ان حققت بورصة ماليزيا مكاسب عند الفتح انخفضت بشدة بعد ساعتين من التعاملات, وقال سماسرة ان البورصة تنتظر اعلان مهاتير لوزارته الجديدة. وفازت عزيزة وان اسماعيل زوجة انور ابراهيم في السباق السياسي الذي خاضته في دائرة زوجها الانتخابية سابقا في ولاية بينانج, الا ان حزب كياديلان الوطني الذي ترأسه حصل على بضعة مقاعد فقط متأخرا وراء شريكه المعارض الحزب الاسلامي الماليزي. وانتزع الحزب الاسلامي الماليزي الفوز في ولاية كيلانتان وفي ولاية تيرينانجو الغنية بالنفط والغاز من ائتلاف مهاتير في تحول للولاء في المناطق التي يقطنها شعب الملايو. كان رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد هو البطل الأول في قصة الكارثة الاقتصادية التي ضربت جنوب شرق آسيا مؤخرا. فقد ألقى مهاتير بتبعة مشاكله على عدة جبهات حيث أرجع هذه المشكلات الى تلاعب العناصر اليهودية بالسوق, كما رفض النصائح التي اسداها صندوق النقد الدولي اقتناعا منه أن هذه النصائح ماهي الا جزء من المخطط الغربي لاعادة احتلال آسيا. في بداية الازمة ـ بدا موقف رئيس الوزراء الماليزي سخيفا ويدعو للسخرية. ولكن مع مرور الوقت بدا ان مهاتير محمد لم يجانبه الصواب في تقديره للموقف وبات من الصعب ان تصبح رؤاه مسارا للسخرية وذلك لسبب واحد هو أن الكارثة كانت في الواقع أسوأ بكثير مما كان يبدو عليه الأمر. وبات من الواضح لأي شخص ذي عقل متفتح وواع ان السياسات والنصائح التي قدمها صندوق النقد الدولي لم تكن على قدر كبير من الصواب. من ناحية اخرى ـ وعلى الرغم من ان المؤامرة التي تخيلها مهاتير محمد لم تكن واقعية (وذلك لإدراكي لقدرات تلك العناصر التي أشار اليها بالاتهام وعدم قدرتها على حياكة مؤامرة كهذه), فإن بعض رؤوس الاموال قد ساهمت بالفعل في التلاعب بأسواق هونج كونج خلال صيف عام 1998, وفي ذلك الحين بدأت أراجع رؤيتي وتقديري لابعاد الازمة الآسيوية. فحجم انتشار (العدوى) على الخريطة الدولية وسرعة انتقال الازمة من بلد الى آخر من تلك الدول التي تربطها علاقات تجارية اقتصادية مع الضحايا الحقيقيين للكارثة كل ذلك اقنعني بان منتقدي صندوق النقد الدولي امثال جيفري شاس كانوا على حق في نقدهم وتصميمهم على أن الأمر لم يكن يتعلق بأسس اقتصادية قدر ارتباطه بنبوءة يؤدي تحققها مع انهيار الاقتصاد وحدوث حالة من التخبط في الاسواق حيث يخدم ذلك كله في اثبات اهمية الأخذ بنصائح الصندوق. ولكنني توصلت في النهاية الى رأي يقول بأن تهديد الحركة الاسرع للاموال سوف يمنع الاقتصاديات الآسيوية الدخول في دوامة جديدة من الكساد. فزيادة المصروف العام وخفض معدلات الفائدة ضروريان لانعاش الاسواق مرة أخرى ودفع النمو الاقتصادي. وهنا وجدت نفسي اقف موقف المدافع ولو بشكل مؤقت عن الرأي القائل بفرض محاظير على سحب رؤوس الاموال من المناطق المنكوبة اقتصاديا حيث يمكن فرض (حظر) إذا جاز التعبير على حركة رأس المال كجزء من خطة شاملة للانتعاش الاقتصادي. والان فقد ظهر أنه في الوقت الذي اعلنت فيه عن آرائي بهذا الخصوص كان مهاتير محمد ومستشاروه يعملون في الخفاء على وضع خطة تتبنى رأياً بخصوص هذا الحظر. ووفقا الى ما نما الى علمي فإن الحكومة الماليزية قد أخذت برأيي الذي لعب دوراً صغيرا في القرار والاستراتيجية الماليزية بهذا الصدد.. وفي الواقع فقد كان القلق يساور مستشاري محمد من غياب اي تأييد اقتصادي دولي لرؤاهم ولكن مع ظهور آرائي في المقال الذي نشر لي في مجلة (فورتشن) الاقتصادية الدولية المتخصصة, سكنت كل الشكوك. وبالطبع فان ماليزيا كانت سوف تواصل خطتها لا محالة بغض النظر عن آرائي ولكنني وجدت نفسي في موضع المؤيد بين امرة صغيرة من الخبراء الاجانب الذين شاركوني هذه القناعة. كيف تمكنت ماليزيا من النجاة؟ عندما فرضت الحكومة الماليزية الرقابة على رؤوس الاموال, تعالت اصوات المحلليين الغربيين بنبوءات عن انهيار الاقتصاد وزيادة التضخم بمعدلات هائلة وظهور السوق السوداء, ولكن كل ذلك لم يحدث وقد اثبتت المؤشرات الاقتصادية التي صدرت قبل وصولي الى ماليزيا بيومين, ان حالة الانتعاش الاقتصادي في البلاد قد سجلت معدلات طيبة ومبشرة. حيث اتخذ التطبيق الفعلي للحظر منهجا منطقيا اختياريا دقيقاً وتزامن ذلك مع تبني بعض الاصلاحات الاقتصادية الهامة مثل تلك الخاصة بالنظام البنكي الذي اخذ في النمو السريع في اعقاب تطبيق هذه الاصلاحات. وبعد ايام قليلة من زيارتي لماليزيا خففت الحكومة من الحظر المفروض على حركة رؤوس الاموال لكن على الرغم من ذلك لم يتم تحويل مبالغ كبيرة بل كانت الحركة طبيعية على غير المتوقع. وفي الواقع فانني لم اخف بعض شكوكي من فرض حزام حظر شديد الصرامة في البلاد الامر الذي ادى الى خيبة امل ماليزية في تأييدي لهم. وفي الحقيقة: فانه في الوقت الذي اثبت فيه الانتعاش الماليزي ان المعارضة الهيستيرية للحظر كانت خاطئة لم يثبت هذا الانتعاش ايضا ان وجهة النظر المؤدية للحظر كانت صائبة 100%. فقد كان الانتعاش الاقتصادي ايضا عرف طريقه الى عدد من الدول الآسيوية الاخرى التي لم تطبق اي شكل من اشكال الحظر على حركة رؤوس الاموال بها مثل كوريا الجنوبية وتايلاند واندونيسيا حيث بدأ هذا الانتعاش في الوقت الذي قررت فيه ماليزيا تحدي الاعتقادات الاقتصادية السائدة وتبنى سياسة منهجية خاصة ومتفردة. وربما تكون ماليزيا قد تمكنت من تحقيق انتعاشا اقتصاديا بوتيرة اسرع من جاراتها ولكن ذلك لا يؤيد وجهة نظر مهاتير محمد الذي كان يرى انه في الوقت الذي تمكنت فيه بلاده من تحقيق هذا الانتعاش فان الدول الاخرى بالمنطقة مازالت ترزح تحت وطأة الكارثة. ولكن ماهي اذن الدروس المستفادة من الانتعاشة الماليزية؟ يجب ان نعلم ان تركيز مهاتير محمد الدائم على عنصر (المؤامرة) وتفسير الكارثة في ضوء هذه القناعة توجه غير دقيق أو صحيح. ونحن لانستطيع ان ننكر ان هناك بالفعل بعض العناصر القوية قد تعمد احيانا الى استغلال الاقتصاديات الاضعف في السوق ولكن ذلك ليس هو المبرر الاوحد لوضع المحاظير على حركة الاموال. وربما ادى التركيز الشديد على دور العنصر الاجنبي القوي الى تشجيع ماليزيا على الاحتفاظ بالحظر مفروضا لمدة غير قصيرة. وعلى الرغم من ذلك فقد اثبتت ماليزيا نقطة محددة وهي ان فرض الحظر على حركة رؤوس الاموال اثناء الازمات امر ممكن تحقيقه. فقبيل التجربة الماليزية كان الرأي السائد في الاوساط الاقتصادية ان حالات الانهيار النابعة من اسباب داخلية لايمكن للحكومة فيها الا ان تقوم باعادة جدولة الديون البنكية بشكل جزئي من اجمالي الحركة المالية المحتملة لرؤوس الاموال ومحاولة استعادة الثقة من خلال اظهار صورة واضحة للأداء القوي المتعافى. التقشف والاصلاح هما الكلمتان اللتان ينبغي ان تكونا في مقدمة الوصفة الاقتصادية للتعافي. والآن بات من الواضح امام الجميع ان الحظر ليس بالضرورة هو الحل الوحيد في حالات الازمات وفي اغلب الاحوال يمكن استعادة الثقة في القدرة الاقتصادية للبلد المضار دون الحاجة الى اتخاذ اجراءات اقتصادية صارمة حيث يمكن فقط ان تتعاون البنوك والجهات المقرضة الاخرى في تحمل العبء في محاولة لتخفيف وطأة هذه الازمة, ولكن التجربة الماليزية ايضا اثبتت انه من السخف الحكم على الحظر بانه اقل الطرق فاعلية للخروج من الازمات. وفي النهاية تبقى حقيقة واحدة بغض النظر عن تقويمنا لرئيس الوزراء مهاتير محمد فان ماليزيا قد نجحت في ان تقيل نفسها من عثرتها بفضل سياستها الاقتصادية ورؤيتها الخاصة, ولايمكن ان ننكر ان التوقعات بعدم انتهاء الازمة في ماليزيا وانغماسها فيها كانت كلها آراء سيطرت عليها احكام وايديولوجيات سياسية اكثر منها اقتصادية.