لاقت تصريحات الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي اهتماماً بالغاً من الشارع الاقتصادي في المملكة, حتى ان البعض وصفها بأنها العلاج المناسب الذي ينتظره الاقتصاد الوطني منذ فترة طويلة, وكان الأمير عبدالله بن عبدالعزيز قد اكد في خطاب له القاه بمناسبة زيارته الى المدينة المنورة يوم19اكتوبر الجاري على ان سياسة التخصيص تعتبر خياراً استراتيجياً لتشكيل واقع اقتصادي صلب في المملكة يقوم على تعزيز دور القطاع الخاص ومبادراته في تلبية احتياجات المجتمع. واضاف:(ان توسيع القاعدة الاقتصادية, وتنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الأهلي في المشاركة في عملية التنمية, يستدعي منا تحسين مناخ الاستثمار المحلي, ولا يكون ذلك الا بازالة معوقاته, لذلك سيكون النظام الضريبي لرأس المال الاجنبي الذي سيرى النور قريباً خطوة لتحفيز الاستثمار وازالة معوقاته, وهو امر سيعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على التفاعل الايجابي مع تحولات العصر وتحدياته, وهذا التوجه جعلنا نعيد النظر في نظام الكفيل ليكون متوافقاً مع متطلبات المرحلة بما يحقق المرونة والشفافية لهذا النظام ويحفظ في الوقت نفسه الحقوق لجميع الاطراف, وامتداداً لهذا التوجه سيأتي نظام تملك العقار لغير السعوديين ملبياً ومحققاً لتطلعات السوق المحلي وتفعيلاً لعملية العرض والطلب التي هي عماد الاقتصاد. واختتم ولي العهد السعودي تصريحاته بأن المسيرة التنموية للمملكة بحاجة ماسة لأساليب واقعية قادرة على تفعيل الخيارات والبدائل التي تحفظ للمملكة توازناً استراتيجياً امام عالم تقوده قوة متناهية التعقيد وبالغة الدقة في حسابات المصالح. وقد استقبلت الاوساط الاقتصادية هذه التصريحات بترحيب شديد, وتعدى هذا الترحيب مستويات المسئولين الاقتصاديين ورجال الاعمال الى رجل الشارع العادي سواء كان مواطناً او مقيماً, وسادت حالة من التفاؤل بين اوساط المقيمين الذين يصل عددهم في المملكة الى نحو 5 ملايين املا منهم في نظام جديد للكفالة يمنحهم مزيداً من الحقوق والمزايا في حين ظل رجال الاعمال والمستثمرون الذين هددوا قبل اسبوعين بنقل مصانعهم الى دول خليجية مجاورة في حالة ترقب, انتظارا لقانون الاستثمار الجديد الذي يدرس في مجلس الشورى منذ ما يقرب من ثلاث سنوات. نظام جديد للكفالة وعقب تصريحات ولي العهد صدر العديد من التصريحات للمسئولين في المملكة تؤكد على أهميتها, وكان أبرزها للأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية اثناء زيارته لهيئة التحقيق والادعاء العام حيث اكد ان نظام الكفالة الجديد سيحفظ للمواطن السعودي كافة حقوقه, كما يحافظ على حقوق المقيمين ايضاً.. اما عن تمليك العقارات والاراضي للمقيمين واكتفى وزير الداخلية السعودي بقوله للصحفيين (انتظروا وستعرفون كل التفاصيل قريباً) . وفي استطلاع اجرته (البيان) حول هذا الموضوع قال الدكتور نزيه نصيف أمين مدينة جدة الى ان المضامين التي جاء بها خطاب ولي العهد تعطي دلالة واضحة لتطلعات القيادة الى رفع وتعزيز الامكانيات الاقتصادية بما يحقق سبل العيش الكريم للمواطن, كما ان تصريحات ولي العهد السعودي ـ كما يرى نصيف ـ اظهرت الاهتمام الذي توليه المملكة للمقيمين بها وتعتبرهم ابناء لها دون تمييز حيث اشار الى السماح لهم بتملك العقارات ويأتي هذا النظام تلبية لتطلعات السوق الداخلية التي تعتبر العماد الاقتصادي للمملكة. ومن المنتظر ان تساهم هذه الخطوة في تنشيط سوق العقارات في المملكة لان الاجنبي عندما يشتري عقارا فإنه لن يحمله معه عند سفره, بل يبقى العقار ويتداول وينشط الاقتصاد وهذه خطوة جيدة ومتبعة في سائر بلاد العالم المتطور اقتصادياً. اما عن نظام رأس المال الاجنبي فأشار نصيف الى انه يرمي الى رفع قدرات الاقتصاد الوطني لمواجهة تحديات العصر وتحويلاته الاقتصادية وذلك عبر توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل من خلال تفعيل دور القطاع الخاص, والغاء كافة المعوقات امام المستثمر الاجنبي. آفاق جديدة للاستثمار وعن اهم القضايا التي اثارها خطاب ولي العهد السعودي اشاد د. بندر حجار استاذ الاقتصاد بجامعة الملك عبدالعزيز ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشورى الى ان ولي العهد قد اشار في تصريحاته الى ثلاث قضايا رئيسية هي: * تحسين مناخ الاستثمار المحلي. * نظام رأس المال الاجنبي. * مشاركة قطاع المقيمين في تفاعلات السوق الاقتصادية عبر السماح لهم بالاستثمار في القطاع العقاري وتملك الاراضي. وهذه القضايا الثلاث تمثل مرتكزات مهمة في العمل الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة حيث ان نظام الاستثمار المحلي يواجه بعض الصعوبات بسبب كثرة الاجراءات وعدم وجود حوافز تشجع المستثمرين على اقامة مشروعات اقتصادية تتسم بالعصرية والحداثة, في حين ظل نظام الاستثمار الاجنبي طوال السنوات الماضية يعاني قصوراً شديداً وادى الى محدودية الاستثمارات الاجنبية في المملكة بشكل كبير, كما ان النظم والقوانين الاقتصادية ظلت تعامل قطاع المقيمين على انهم جاءوا الى المملكة فقط ليعملوا ولم تعطهم فرصة لاستثمار مدخراتهم بطرق شرعية, وبالطبع مشاركة هذا القطاع في تفاعلات السوق يفتح مجالات جديدة للاستثمار في قطاع حيوي مثل قطاع العقارات الذي يعاني ركوداً منذ عدة سنوات بسبب كثرة المشروعات العقارية وندرة الطلب عليها. وعن اهم ملامح النظام الجديد لرأس المال الاجنبي والذي يدرس في اروقة مجلس الشورى منذ فترة طويلة فيتوقع ان تدور حول النقاط التالية: * الاعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات للمشروعات الصناعية والزراعية, وخمس سنوات للمشروعات الخدمية والمقاولات. * اعفاء التوسعات الرأسمالية للمشروعات الصناعية لمدة مماثلة للمشروعات الجديدة تبدأ من تاريخ تشغيل مشروع التوسعة. * الغاء شرط الشريك السعودي كشرط بالاعفاء الضريبي. * التمتع بالمزايا والحوافز التي تمنح للمشروعات الوطنية. وبالطبع لا بد وان يوافق هذا النظام تعديلات جذرية في اجراءات انشاء المشروعات الاستثمارية, وتعديلات في نظم الاقامة والتأشيرات المتعلقة برجال الاعمال والمستثمرين وربما العمالة. الشفافية ويرى د. احسان بو حليقة المحلل الاقتصادي والخبير المعلوماتي وعضو مجلس الشورى السعودي ان السياسات الاقتصادية الرئيسية المطلوبة لتصحيح الاوضاع الاقتصادية في المملكة اصبحت واضحة وتتمثل في تخفيض عجز الموازنة وتحرير التجارة وتسريع وتيرة الخصخصة, وتطوير البنية المالية, وزيادة الاستثمارات الاجنبية وجلب التقنية الحديثة وتطوير امكانيات القوى البشرية الوطنية للمساهمة بفاعلية في سوق العمل, لان السعودية في حاجة لتحقيق معدلات عالية في الناتج المحلي الاجمالي بنسب تتراوح بين 5 و6% سنوياً حتى تستطيع استيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل علماً بأن الزيادة السكانية في المملكة تصل الى 5.3% سنوياً. ويضيف بو حليقة لـ(البيان) ان تحقيق هذه التوجهات يتطلب ـ كما اشار ولي العهد في خطاب المدينة المنورة ـ الى ان نكون واقعيين, كما يتطلب حزماً من القوانين والنظم والاجراءات التي تتسم بالشفافية والعصرية, وقد بدأت هذه المرحلة بتشكيل المجلس الاقتصادي الاعلى, ثم بقرار فتح باب العمرة لمدة تسعة اشهر في العام واخيراً اشارة ولي العهد الى تعديلات نظام الكفالة وصدور نظام رأس المال الاجنبي خلال فترة وجيزة وهذا كله يساهم في احداث حراك اقتصادي سيؤدي خلال الفترة المقبلة الى تحسين المناخ الاستثماري العام في المملكة خاصة وان هناك تحركات اخرى على المستوى الاقليمي مثل انشاء منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى ومحاولات انشاء سوق عربية مشتركة, واتفاقيات تجارية ثنائية مع بعض البلدان الافريقية, هذا اضافة الى فاعلية المملكة في مجلس التعاون الخليجي وبالطبع كل هذا يلتقي ويصب في اتجاه التنمية الاقتصادية التي تنشدها المملكة. تنويع مصادر الدخل ويشير د. خالد كتبي رئيس مركز الاقتصاد الاسلامي بجامعة الملك عبدالعزيز الى ان هناك مؤشرات اقتصادية جيدة في الاقتصاد السعودي اهمها هو الالتفات الى اهمية تطوير دور الدولة في عملية التنمية بما يتواكب مع المستجدات المحلية والاقليمية والدولية, واشراك القطاع الخاص في مسئولية احداث التنمية وفي كافة مراحلها بداية من المشاركة في انشاء البنى التحتية ونهاية بمسئوليته في اعداد وتأهيل واستيعاب القوى البشرية الوطنية, ولا بديل امام المملكة الا تنويع مصادر الدخل كما اشار الامير عبدالله بن عبدالعزيز وذلك تجنباً للاهتزازات التي تحدث نتيجة تراجع اسعار النفط, ولعل الأزمة الاخيرة التي حدثت نتيجة انهيارات الاقتصاديات الآسيوية خير مثال على هذا واذا كان القطاع الخاص يساهم بنحو 45% من الناتج المحلي الاجمالي فإن الهدف الرئيسي الآن يجب ان يعمل على الارتقاء بهذه النسبة التي ما زالت متواضعة ولا تحقق الآمال العريضة المعقودة على القطاع الخاص في المملكة.. نساء ورجال ولم تخف د. نادية باعشن استاذة ادارة الاعمال والمشرفة على قطاع تدريب العمالة النسائية بالغرفة التجارية الصناعية بجدة سعادتها بمحتويات خطاب ولي العهد السعودي ووصفته بأنه يلخص ما نحتاج من قرارات لاحداث حالة التنمية التي ينشدها لا على المستوى الاقتصادي فحسب وانما على المستوى الاجتماعي والثقافي ايضاً فدائماً يشير ولي العهد الى ان التنمية لا تكون الا بتكاتف كافة فئات المجتمع رجال ونساء كما جاء في خطابه الاخير, والحقيقة ان المرأة لديها امكانيات هائلة يجب توظيفها لخدمة التنمية التي تنشدها المملكة خلال المرحلة المقبلة فهي تمثل نسبة 5.49% من عدد سكان المملكة بينما لا تمثل في مجتمع الاعمال سوى 3.4% حسب احصائية للغرفة التجارية الصناعية بالرياض عن عام 1997م, ومعظم السيدات يعملن في مجالات محددة المشاغل النسائية او تجارة مستحضرات التجميل, وما زالت المرأة في المملكة تبحث عن دور اوسع وموقع افضل في الحركة الاقتصادية في المملكة ليتعدى دورها مجالات التدريس والطب الى مجالات اخرى تستوعب ما لديها من قدرات وافكار ستصب في نهاية الامر في خدمة الاقتصاد الوطني. تأتي أهمية هذه التوجهات الاخيرة التي صرح بها ولي العهد السعودي والتي لاقت اصداء طيبة من الجميع في المملكة. التغيير ويؤكد د. محمد عبدالحميد بخاري نائب رئيس مجلس ادارة شركة الشرق للتجارة والملاحة المحدودة ان رجال الاعمال يشعرون بالتغيير الذي تنوي الدولة احداثه بما يحقق مصلحة المملكة ومصلحة رجال الاعمال والمستثمر الجميع متفائل بشأن المرحلة المقبلة خاصة بعد التصريحات المهمة للأمير عبدالله في المدينة وبعد التقدم الذي اجرته المملكة في مفاوضات (WTO) لكن في الوقت الحالي يطالب بخاري بمزيد من الشفافية في اعطاء المعلومات والبيانات الموثوق بها لرجال الاعمال والمستثمرين حتى يحدد كل واحد منهم توجهاته للمرحلة المقبلة. تهيئة مناخ الاستثمار ويصف د. صالح ملائكة الرئيس التنفيذي لقطاع الاموال بمجموعة (دلة البركة) المرحلة الحالية بأنها مرحلة تغيرات مهمة ومؤثرة تبدلت فيها المفاهيم السائدة عن طبيعة دور الدولة المعاصر في النشاط الاقتصادي,و وتغيرت فيها القناعات المتوارثة عن وظائفها التقليدية السائدة ومن جانب آخر يقول د. ملائكة:(حدثت ثورة ذهنية حول حدود نشاط القطاع الخاص ومجالات استثماراته, وتجاوزت الاطر التقليدية الى ما يشبه الثورة على القيود القديمة والحدود المعروفة وقد اثبتت التجارب الدولية ان دور الدولة في النشاط الاقتصادي انحصر في توفير وتهيئة المناخ الملائم لممارسة النشاط الاقتصادي, وفي احداث اصلاحات هيكلية وتوفير كل العوامل التي تصبغ على الاقتصاد المحلي صبغة الديناميكية والشفافية وهذا بالضبط ما يحدث في المملكة حالياً.