بدأت علامات الانتعاش والتفاؤل تظهر في منطقة الشرق الأوسط منذ العام الماضي, وقد اكتسبت عملية الاصلاحات الاقتصادية قوة دفع في بعض الاقتصاديات الكبيرة في المنطقة (خاصة مصر التي تضم أكبر عدد من السكان في المنطقة). وفي الوقت نفسه يساهم النمو المنتعش في الامارات في معدل النمو السريع مع تقدم الاصلاحات الهيكلية في التجارة والاستثمار, لكن الأزمة في شرق آسيا أثرت على مستقبل المنطقة الاقتصادي خاصة بالنسبة لدول معينة, حيث تأثرت بعدة عوامل من اتجاهات عدة, ومن هذه العوامل: الانخفاض في حجم تجارة البترول (خاصة الدول التي تعتمد على البترول بشكل أساسي) وانخفاض معدل نمو الصادرات وتضاؤل تدفقات رؤوس الأموال. الدول المصدرة للبترول وتمر دول تصدير البترول بأسوأ الصدمات التجارية بتأثير الأزمة الآسيوية, ومن المتوقع ان يتباطأ النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط بناء على ذلك بعد ان وصل الى 2% خلال عام 1998 (مقابل 3.1% عام 1997) مع اعتدال نسبي في معدلات نمو العام الحالي. لكن الانعكاس في اتجاه النمو في الدول المصدرة للبترول خفت آثاره بسبب الانتعاش في شمال افريقيا (في أعقاب الجفاف الذي أصاب شمال افريقيا عام 1997) وسوف يساهم النمو الأقوى (3.8% عام 1998, مقابل 3.5% عام 1997) في الدول الأخرى مع تنوع العلاقات التجارية والتصديرية مع أوروبا, الا انه فيما يخص الدول التي نوعت صادراتها, فهناك مخاطر ضعف أسعار الصادرات وتقليص نصيبها من حصص الاسواق, حيث تواجه منافسة شديدة من دول شرق آسيا, خاصة في سلع مثل المنسوجات والملابس وما شابه. ولاتزال توقعات الانتعاش في المنطقة خاصة في دول الخليج والمشرق العربي معلقة على ارتفاع الطلب العالمي على الوقود واستقرار أسعار البترول. وقد خفضت منظمة الأوبك (الدول المصدرة للبترول) سقف الانتاج من أجل رفع الأسعار (لكن هذا سوف يخفض من معدل النمو في اجمالي الناتج المحلي في دول تصدير البترول). أهم التطورات في الدول المصدرة للبترول والتطور الرئيسي بالنسبة لدول انتاج وتصدير البترول في المنطقة ومنها البحرين وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية, هو الانخفاض بنسبة 27% من حجم التجارة, وهو ما يعادل 8.5% من اجمالي الناتج المحلي. وأدت الازمة الآسيوية الى انخفاض في أسعار البترول والى انخفاض عائدات التصدير في دول مجلس التعاون الخليجي بمقدار يزيد على 15 مليار دولار أمريكي وأدى ذلك الى انخفاض في الانفاق الحكومي وأنواع أخرى من الانفاق. وانخفض اجمالي الناتج المحلي بنسبة 2.5% في عام 1998. وقد تتجه تلك الدول الى الاقتراض الخارجي, لكن لديها القدرة على تمويل العجز في الحساب الجاري من الاحتياطيات. وتواجه الدول المنتجة للبترول ذات الكثافة السكانية المرتفعة مناخا مماثلا, لكن تنوع اقتصادياتها يعطيها قدرا أكبر من المرونة, فإن الانخفاض في حجم تجارتها بنسبة 24% عام 1998 بما يعادل 5% من اجمالي الناتج المحلي لديها يكفي لتخفيض معدل النمو في الجزائر وايران, لكنه لن يصل الى حد التأثير السلبي على اجمالي نواتجها. وقد تضطر هذه الدول, على عكس الدول المصدرة للبترول ذات الكثافة السكانية الخفيفة, الى تقليص الواردات أو استخدام الاحتياطي لأن قدرتها على تمويل عجز الحساب الجاري بديون جديدة محدودة. دول الاقتصاديات المتنوعة وقد استمر الأداء الاقتصادي في الدول ذات الاقتصاديات المتنوعة نسبيا في المنطقة مثل (مصر, الاردن, لبنان, المغرب, سوريا وتونس) متماسكا الى حد كبير خلال عام 1998, حيث حققت نموا تراوح بين 3.5 و4%. لكن العجز في الحسابات الجارية اتسع الى حد كبير, فإن الانخفاض البسيط في حجم التجارة بين (0.5 و1.5%) يعادل أقل من 0.5% من اجمالي الناتج المحلي لهذه الدول ينبغي ان يُعالج من خلال الزيادة بنسبة 3 ـ 3.5% في حجم الصادرات, مع تحسن أوضاع الجفاف في دول المغرب. لكن أثر انخفاض أسعار البترول سوف ينتشر في المنطقة بسبب انخفاض تحويلات العاملين في الخارج وتقليص بعض المساعدات في أحيان معينة, وانخفاض حجم التجارة الاقليمية بين دول المنطقة. وسوف ينعكس أثر الأزمة المالية الآسيوية على المنطقة في شكل ضعف القدرة على الوصول الى محافظ استثمارية. وقد طرقت دول مثل مصر ولبنان والمغرب أسواق المال الخارجية قبل الأزمة الآسيوية عام 1997 وحصلت على تمويل طويل الأجل مقداره 1.5 مليار دولار تقريبا, وهذا الرقم يمثل زيادة بنسبة 80% مقابل عام 1996 وبنسبة 130% مقابل العام السابق له. وقد ساهمت هذه التمويلات في تخفيف أثر الأزمة الآسيوية التي وقعت عام 1998. كما تقلصت ايضا اهتمامات المؤسسات الاجنبية بأسواق الأسهم, مما أدى الى انخفاض مؤشرات المساهمات المالية الاجنبية لمصر والاردن والمغرب وتونس. الأسواق المالية كما تأثرت أيضا الأسواق المالية بشكل أقل ولكن بصورة أكثر شيوعا, فغالبية بنوك المنطقة لا تتمتع بوسادة حماية من الاستثمارات الاجنبية الخالصة, الا ان قليلا من البنوك عليها التزامات خارجية كبيرة. ولا تتجه مخاطر الاقتصاد الكلي الى احداث أزمة مصرفية. فالاقتصاديات في الشرق الأوسط وشمال افريقيا على عكس دول شرق آسيا, لا تعاني نموا داخليا كبيرا في القروض المحلية ولا ارتفاعا في معدلات التضخم. وليس هناك أدلة قوية على حدوث طفرة في مجال العقارات باستثناء لبنان. والأكثر من ذلك ان العجز في الميزانيات وموازين المدفوعات تحت سيطرة أكبر بفضل جهود التضامن المالي والتعديلات الهيكلية. وليس من المتوقع حدوث مشكلات في دول الخليج لأن غالبية البنوك هناك كبيرة وذات رؤوس أموال ضخمة ولاتزال تحقق أرباحا. وظلت البنوك الخليجية تحافظ على أداء جيد حتى نهاية العام 1997 مع اعتمادها على أسواق البترول. وقال بنك التسويات الدولي ان اجمالي ارباح البنوك الخليجية حقق نموا من 1995 حتى 1997 مع ارتفاع اسعار البترول. وفي نهاية تلك الفترة كان رصيد الأصول الخالصة لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ايجابيا باستثناء دولة قطر. ومع انخفاض أسعار البترول يمكن ان ينخفض صافي الأصول, لكن البنوك في دول اخرى في المنطقة تعرضت لهزات بسبب عدم الشفافية وعدم كفاية الاستثمارات المالية وسيطرة الدولة عليها. بعد زوال الازمة الآسيوية وبمجرد انقشاع أثر الازمة الآسيوية, عاد النمو في الشرق الأوسط وشمال افريقيا الى الانتعاش. ويتوقع ان يصل متوسط معدل النمو خلال العقد المقبل الى 3.4% سنويا, وهو تحسن كبير بالمقارنة بمعدل نمو 2.6% عام 1997/1998. ومن المتوقع ان يطال التحسن الدول ذات الاقتصاديات المتنوعة مثل مصر والاردن ولبنان والمغرب وسوريا وتونس, التي يُتوقع ان يصل معدلها الى 4.4% خلال العقد المقبل, وقد يصل الى 5% في منتصف تلك الفترة. واذا تحقق هذا المعدل من النمو, فسوف يتحسن نصيب الفرد من الدخل (مع تزايد توفير الوظائف) غير ان هذه التوقعات تتوقف على الاصلاحات المالية المستقبلية. أما بالنسبة للدول البترولية فإن غياب الاصلاحات الفعالة قد يجعل معدلات النمو أقل من متوسط الأعوام العشرة الماضية (مع ارتفاع عجز الميزانيات) ونصيب الفرد من الدخل قد ينخفض في كل هذه الدول. وبالنسبة لمجموعة الدول المصدرة ذات الاقتصاديات المتنوعة, سوف تعتمد توقعات تحقيق نمو أفضل على نجاح تعزيز السياسات الاقتصادية الداخلية والعالمية مثل (الخصخصة). ولابد من علاج مشكلات مثل انخفاض الانتاجية وارتفاع معدل البطالة. وسوف تتطلب الحلول قرارات بتقليص دور الدولة وزيادة دور القطاع الخاص في التنمية, بما في ذلك تقليص أحجام القطاعات العامة الكبيرة وتخفيف الانفاق الحكومي. تنفق دول المنطقة 9.8% من اجمالي الناتج المحلي على أجور الموظفين في القطاع العام, وهو ما يصل الى الضعف تقريبا مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وآسيا وامريكا اللاتينية. ومن الصعب تخيل نمو قوي وديناميكي في المنطقة دون تقدم حقيقي في عملية السلام في الشرق الأوسط والقضاء على النزاعات المدنية في الوطن العربي. كما انه من المهم ان تتكيف الدول ذات الاقتصاديات المتنوعة مع العولمة والاقتصاد العالمي في ضوء الأزمة المالية الآسيوية, وأهم خطوة لتحقيق ذلك هي تنفيذ الاصلاحات حتى يستطيع المنتجون المحليون التنافس في الصادرات الى الاتحاد الاوروبي من خلال مبادرة أوروبا ـ المتوسط. النسبة بين الديون الخارجية والأصول في البنوك العربية عام 1997 مصر, ايران, العراق, الاردن, الكويت, لبنان, ليبيا, سلطنة عمان, قطر, السعودية, سوريا, الامارات, اليمن, الجزائر, المغرب, تونس