نشرت مجلة (ميد) الاسبوعية المعنية بالشئون المالية والتجارية في الشرق الاوسط تقريراً مفصلاً عن قضية التاجر الهندي مادهافن باتل, الذي هرب من الامارات وهو يدين بقروض حصل عليها من البنوك الاماراتية المحلية والاجنبية ولم يعثر له احد على اثر حتى الآن . وتناول التقرير القصة كاملة وكذلك الدروس المستفادة من القضية التي كبدت البنوك الاماراتية 245 مليون دولار امريكي وفيما يلي ما ورد في تقرير مجلة (ميد) : بعد هروب التاجر الهندي مادهافن باتل من الشارقة دون ان يسدد ما عليه من ديون والتي بلغت 245 مليون دولار امريكي ما زال قطاع البنوك في الامارات العربية المتحدة يعاني من أسوأ صدمة اثرت فيه لقد كان كل ما يحتاجه الامر هو مكالمة هاتفية مع باتل لكن الامر الآن بات صعباً ولا يمكن علاجه بهذا الشكل كان باتل يمتلك نحو 49% من اسهم مؤسسة سولو للصناعات وكانت هذه الاموال عبارة عن قروض اقترضها مادهافن باتل من نحو 20 بنكا خليجياً, واختفاء باتل يمثل مشكلة غير سهلة بالنسبة لها. في الامارات العربية المتحدة وحدها قدمت اكثر من عشر مؤسسات قروضاً قيمتها 131 مليون دولار امريكي للشركات التي يديرها باتل. وتم الآن الاستعانة بأكثر المحامين والمحققين والمحاسبين كفاءة لفك معضلة شبكة المصالح المعقدة ومتابعة الاصول التي كان يملكها باتل من اجل الحصول على الديون اوجزء منه لكن مكان باتل حالياً مجهول وهناك تقارير تقول انه في مكان ما بين البرازيل وبومباي لكنه كان من الطبيعي ان تحدث كارثة مادهافن باتل, الذي كان تاجراً, يبدو انه استطاع في العشرين عاماً الماضية انشاء امبراطورية مربحة جداً لتجارة المعادن في الامارات العربية المتحدة من خلال مؤسسة سولو للصناعات, التي تعمل في مجال تجارة المعادن وتضم تلك المؤسسة شركات زيبا للمعادن وسيمكنو لتجارة المعادن وكانت المؤسسة تجري صفقاتها عبر اوروبا وآسيا في تجارة السبائك المعدنية ومنها الالمنيوم والرصاص وبعض المعادن النفيسة, ورغم عدم شيوع صيت هذه المؤسسة الا ان اسهمها كانت مرتفعة, ويقول احد تجار المعادن (لقد كانت سمعة باتل نظيفة تماماً) ويضيف قوله انه كان شخصية محترمة ويتمتع بثقة كبيرة في هذه الصناعة وبين رجال الاعمال. وكان تسجيله في بورصة لندن للمعادن يزيد من الثقة فيه وكذلك حصلت مؤسسته على شهادة الأيزو ,9002 وبرغم الانخفاض في اسعار المعادن في عام 1997 والتقارير التي تواترت من الهند عن ان مشروعات أبيه صاحب شركة هامكو للتعدين والمعادن, التي كانت تعرف فيما سبق باسم شركة هندوستان لتصنيع السبائك تواجه صعوبات, ظلت سمعة مادهافن باتل نظيفة وجيدة. واستمرت البنوك في التعامل معه واقراضه وتعرض عليه التسهيلات المالية. حتى في اواخر العام الحالي, اقام فرع البنك الدولي في دبي احتفالاً بمناسبة مضاعفة قروضه لمؤسسة سولو (للمعادن) . ارباح جيدة لكن علينا ان نتذكر ان البنوك كانت تحقق ارباحاً من وراء قروضها لباتل فكان معروف عنه انه منتظم في السداد وكانت البنوك تتسابق لمنحه القروض. لكن اجراس الانذار بدأت تدق في الربيع الماضي في شهر فبراير تم حل شركة سوفيكوم الفرنسية, احد كبار العملاء لشركات سولو في اوروبا, وبالتالي تعطلت طلبات التصدير التي كان المفترض ان تصدرها مؤسسة سولو اليها. وجاءت بعد ذلك تقارير عن صعوبات مالية تواجه احد العملاء الآخرين في اوروبا لمؤسسة سولو في الوقت الذي نشرت الصحف على صدر صفحاتها الاولى في الهند اخبار الصعوبات المالية التي تواجه مؤسسة هامكو المملوكة لوالد مادهافن باتل وتوالت المكالمات الهاتفية الى بنك الامارات المركزي تعرب عن قلقها بشأن التكهنات حول عمليات باتل منذ يوم 3 مايو العام الحالي عندما صدر بيان عن الهيئة التنظيمية وذكر البيان 13 مصرفاً في الامارات اقرضت مؤسسة سولو, المعرضة للخسائر وان مادهافن باتل, قد هرب من البلاد واضاف البيان ان البنوك المتورطة في العملية, وهي اربعة بنوك محلية وخمسة اجنبية لها فروع في الامارات, لديها احتياطيات لتغطية الخسائر الناتجة عن ديون سولو المعدومة. وقال احدهم (ليس من المسئولية ان يذكر البيان كلمة هرب) انه في لندن يعد لاجتماع مع ممثلي البنوك من اجل وضع خطة انقاذ لا شك ان هناك مشكلة لكنها ليست كارثة انها ليست عملية نصب نعتقد ان هناك حلاً لقد اهتم باتل بنفسه بأن يرسل تطمينات وفي يوم 4 مايو نشرت وكالة جلف نيوز في دبي مقابلة مع باتل ادعى فيها ان المشكلات عارضة ومؤقتة وتحدث عن عودته الى الامارات في غضون أيام, وقد كان هذا التصريح بداية تورط البنك المركزي في الموضوع فقد نظم البنك المركزي, الذي يقوم بدور المنسق في العملية, اجتماعاً يوم 5 مايو مع ممثلي مجموعة من البنوك, اتفقوا خلاله على تعيين فريق من المحامين والمحاسبين وبعد يومين توجه ممثلو البنوك المعنية الى لندن لعقد اجتماعات مع باتل, ورغم ان مصرفين من المصارف المعنية على الاقل طالبت باتخاذ اجراءات صارمة وفعالة ضد باتل, كان الرأي العام هو عدم اثارة الشكوك في باتل ويقول احد ممثلي البنوك الاجنبية حضر اجتماعاً بين ممثلي البنوك المعنية وباتل (المشكلة انه اتضح بعد ذلك ان القضية كبيرة جداً ومعقدة, حتى ان غالبية البنوك اعتبرت انه لا يمكن حلها الا بطريقة ودية) . وفي يوم 12 مايو ادلى باتل بآخر تصريحاته للصحافة المحلية وكرر التأكيد مرة اخرى على نيته العودة الى الامارات, لكنه قال انه قد يتأخر بسبب الاجتماعات التي يعقدها في لندن ولم تكن البنوك المعنية مقتنعة بذلك, فهم يعرفون انه مع مرور الوقت ترتفع الفاتورة التي تسجل خسارتهم حيث يضطرون الى دفع خطابات الضمان والنوايا, واصبحت الضغوط لا تطاق وبدأ الدائنون يشعرون بحجم المشكلة الحقيقي وبدأت البنوك تتصل ببعضها لأول مرة ولم يستريحوا بالطبع لما سمعوه من البنوك الاخرى. الا ان قضية باتل سوف يكون لها اثر كبير على قطاع المصارف في الامارات ومن الجوانب الهامة في هذه القضية انه يتعين على البنوك ان تجري اتصالات ببعضها وهناك شك فيما اذا كانت البنوك تبادلت المعلومات مع بعضها قبل مايو الماضي, فكان من المحتم ان تدق اجراس الانذار قبل هذا التاريخ بفترة اطول كثيراً. كما ان القضية بالكامل تلقي الضوء على اهمية توخي الحذر بشأن العملاء مهما كان يبدو عليهم من حسن السلوك والثقة فيبدو ان التحقق الدوري لم يكن موجوداً بالمرة في حالة باتل فقد اكتشفت البنوك ان بعض وثائق الشحن لم تكن حتى مختومة من شركة الشحن وفي الوقت نفسه فإن مكالمة هاتفية الى مكتب درء المخاطر في البنك المركزي, الذي يجمع المعلومات عن القروض التي يحصل عليها العملاء والافراد, كانت ستوفر الكثير من المعلومات وكشف حقيقة شركات باتل. كانت كل هذه الخطوات ستوفر نوعاً من العون, لكن المشكلة ان كثيراً من الناس لم يلاحظوا ان نشاط باتل يمتد لأكثر من شركة, وفق ما يقول احد المسئولين الحكوميين ويضيف انه كان هناك اعتقاد سائد بأن نشاط باتل الأساسي هو التصنيع, لكن الناتج مقارنة بين العمليات والاصول الثابتة يشير الى ان النشاط عبارة عن تجارة, وتجارة لسلع ذات قيمة مضافة ضعيفة ومخاطر عالية, كل هذا يعرفك بحقيقة العميل. وفي الامارات العربية المتحدة, من الواضح ان الخسائر سوف تتراوح بين 48 و49 مليون دولار وما زالت البنوك في انتظار اخبار من البنك المركزي حول كيفية معالجة الخسائر وهي تتوقع ان يتغاضى البنك المركزي عن القضية وان يسمح للبنوك بأن تحاول السداد على عامين او ثلاثة اعوام وليس دفعة واحدة, وهو ما يعني ان يكون من الضروري ضخ رؤوس اموال جديدة. ولا شك ان بنوك الامارات تستطيع تجاوز الازمة الناتجة عن قضية باتل, حيث تصل اصولها الاجمالية الى 55041 مليون دولار وتحقق ارباحاً سنوية تبلغ 1253 مليون دولار واجمالي رؤوس اموال 7357 مليون دولار لكن القضية تثير التساؤلات بالنسبة للبنوك الاجنبية العاملة في الامارات, هل الطبيعة التنافسية في السوق المحلية والمخاطر المصاحبة لها, وما لها من علاقة مع العدد الكبير من غير المواطنين في البلاد, توفر المبررات الكافية للاستمرار في العمل في السوق الاماراتية؟ في الاشهر الاخيرة اضطرت الفروع الرئيسية للبنوك العالمية الى مراجعة حسابات فروعها الصغيرة او الاقليمية من اجل كشف احتمالات الخسائر, التي تعادل في بعض الحالات ارباح عامين او ثلاثة من فروعها الوطنية في الدولة الأم وحتى الآن لم يتخذ اي بنك في الامارات خطوة الانسحاب من السوق, بل قامت باعادة النظر في سياسة الاقراض كما يقول احد كبار المصرفيين المحليين ويضيف ان قضية باتل ليست حادثة منعزلة في حد ذاتها فنحن نلاحظ ان الاقراض للتجار ورجال الاعمال من غير المواطنين في قطاعات معينة يكتنفه مخاطرات كبيرة جداً وهي مسألة لا تنطبق على الجميع, فهناك الكثير من العملاء الممتازين من الاجانب او غير المواطنين, لكننا لن ننخرط في اعمال الوساطة, بعد ضياع ما يقرب من مليار درهم. وقد اتخذ البنك المركزي اجراءاته ايضاً, فقد اصدر تعميمات الى البنوك يطلب منها ان تحقق بشكل دقيق في حسابات العملاء الاجانب غير المواطنين الذين يحتمل ان يشكلوا مخاطر كبيرة او خسائر محتملة ولم تصدر عن اي بنك اي اشارات على وجود هذه الاحتمالات. وفي الوقت الذي تتجمع فيه الاتربة على الخردة في مؤسسة باتل ترسل رسالة الى قطاع المصارف الاماراتية بأن قضية باتل يجب ان تكون جرس انذار ليفوق الجميع ويصحو من نومه ويقول احد المصرفيين في لهجة فلسفية, ان قطاع البنوك كان في حاجة الى صدمة بهذا الحجم من اجل تغيير الممارسات الحالية.