اكتسبت الشركات متعددة الجنسيات نفوذا واسعا في العالم منذ بداية التسعينات, ومع التحولات العالمية في اتجاه الاقتصاد الرأسمالي الحر, وفتح الاسواق امام منتجات الدول الاخرى بلا قيود بعد تطبيق اتفاقية الجات... ولكن التخوف القائم دائما داخل الدول التي تضم انشطة لشركات متعددة الجنسية هو سيطرة هذه الشركات على قرارات الحكومات وتوجيهها . وتغلغل النفوذ الاقتصادي في مراكز صنع القرار السياسي.. وهذا الهاجس من الممكن ان يتحقق نسبيا حسب قوة الدولة او ضعفها ووفقا لنفوذ الشركات متعددة الجنسية, لكن يبقى السؤال: هل يمكن للشركات متعددة الجنسية ان ترسم خريطة العالم السياسية في المستقلبل, وهل أصبحت هي صاحبة الكلمة الأولى قبل الحكومات؟ وترى بعض الدراسات ان توسع هذه الشركات ونموها وانتشارها سبب في تلاشي نفوذ الدول القومية وظهور قانون جديد تفرضه هذه الشركات ليس من خلال الحرب وأسلحة الدمار وانما من خلال حركة وموازين القوة الاقتصادية ومتطلبات الاسواق وشجعت هذه الشركات على ظهور التكتلات الاقتصادية الجديدة (النافتا) في أمريكا و(الآفتا) في أوروبا و(الآسيامي) في شرق اسيا, وسعى الجميع الى اللحاق بركب التجمع والتكامل من اجل تجنب عملية التهميش والخروج عن دائرة التقدم والتطور الاقتصادي الجارية على قدم وساق في كافة انحاء العالم وترعاه هذه الشركات الكبرى. من هنا, أصبحت الشركات متعددة الجنسية قوة هائلة تمارس عملها من خلال شبكة معقدة من الهياكل التنظيمية وتنخرط في عمليات انتاج عالمي, تتميز بتقسيمات حديثة للعمل فيما بين الشركات بالنسبة لكل وظيفة من وظائف هذه الشركات ويترتب على ذلك, انها تنشيء نظاما عالميا متكاملا للانتاج, يضع تحت ادارتها ما يناهز ثلث الانتاج العالمي للقطاع الخاص. ويرصد تقرير صادر (مؤخرا) عن الامم المتحدة قوة نفوذ هذه الشركات التي اصبحت من القوة والسطوة بحيث اصبحت كأنها تتمتع بالنفوذ والثروة والقدرة على ادارة الموارد بشكل يفوق امكانات الدول احيانا.. والشركات متعددة الجنسيات عالم كبير ومتنوع ويزداد اتساعا فمع بداية التسعينات, كان هناك 37 الف شركة متعددة الجنسيات في العالم, لها توابع في الخارج, تربو على 170 ألف فرع منها 24 ألف فرع في 14 دولة من دول الاقتصاديات المتقدمة الرئيسية بعد ان كانت 7 آلاف عام 1970, بل ان هذه الارقام تقل في حقيقة الامر عن عدد الشركات التي تعمل كشركات متعددة الجنسيات لسببين: أولا: صعوبة تطبيق المقاييس, وثانيا: لأن بعض الشركات تقوم بأنشطة متعددة الجنسيات وتمارس هيمنتها على الاصول الانتاجية الخارجية عن طريق مجموعة متباينة من الترتيبات غير المتعلقة بحقوق الملكية مثل: التعاقد من الباطن ـ أو منح الامتيازات ـ أو الترخيص, أو ما شابه ذلك عن طريق اقامة تحالفات استراتيجية, وان اكثر من 90% من الشركات متعددة الجنسيات توجد مقارها في الدول المتقدمة مع وجود نسبة عالية من التركيز من حيث حصة هذه الشركات في الاصول الاجنبية التي تهيمن عليها كبريات هذه الشركات. اضافة الى ذلك, فإن ما يقرب من 1% من الشركات الام متعددة الجنسيات تستحوذ على نصف الاستثمارات الاجنبية المباشرة او الاصول الاجمالية للفروع التابعة, وكانت اكبر مائة شركة متعددة الجنسيات تستحوذ على ما يقرب من 280 مليار دولار من اصول الاستثمارات الخارجية في العالم سنة 1995 أو ما يعادل 14% منها وكانت جملتها عام 1992 تريليوني دولار تقريبا تمخضت عن حجم مبيعات للفروع الاجنبية بلغ 5.5 تريليونات دولار. خدمات ومعلومات وقد اقترنت الزيادة السريعة في الاستثمارات الاجنبية المباشرة على امتداد العالم بتغيير واضح في التركيب القطاعي لهذه الاستثمارات من القطاع والصناعات التحويلية القائمة على التكنولوجيا المكثفة, الا ان عملية التوسع العالمي في الخدمات عن طريق الاستثمارات الاجنبية قد اصطدمت بعقبات قانونية ونتيجة لذلك فإن موجة الليبرالية التي جرت مؤخرا كان لها اثر ملحوظ بوجه خاص على خدمات الاستثمارات الاجنبية المباشرة ومن المرجح ان يستمر هذا الاثر خلال العقد المقبل, وان صناعة الخدمات الكبرى التي تقوم على كافة استخدام رؤوس الاموال (مثل المواصلات السلكية واللاسلكية والنقل الجوي) لم تفتح ابوابها امام الاستثمارات الاجنبية المباشرة الا مؤخرا مما يتيح فرصا جديدة امام الشركات متعددة القوميات.. ان النمو المستمر للاستثمارات الاجنبية المباشرة قد يسر حدوث التطورات الجارية في برامج السياسات, وعلى المستوى المتعدد الاطراف, تتضمن الامثلة ضمن ما تتضمنه الاخذ بالخطوط التوجيهية للبنك الدولي بشأن معاملة الاستثمارات الاجنبية المباشرة, وهي تقترح معايير عامة لمعاملة عادلة ومنصفة ومعاملة وطنية ومعاملة الدول الاولى بالرعاية, وتنسحب مثل هذه المعايير ـ من حيث المبدأ ـ على جميع انشطة المستثمرين الاجانب بدءا من اقامة المشروع في الخارج وانتهاء بالتصرف النهائي في نوع النشاط. التكيف والاستجابة ويشير التقرير الى ما تتميز به الشركات متعددة الجنسية من قدرة على التكيف والاستجابة والتكامل وقدرتها على الاسهام في التكامل الاقتصادي العالمي هي نتاج أمرين: ما تتسم به هذه الشركات من خصائص. وقدرة هذه الشركات على التكيف مع البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تعمل فيها, وهو الامر الذي ادى الى ان تلعب هذه الشركات دورا أكبر فأكبر في مسيرة التطور الاقتصادي العالمي والتحكم والتلاعب بمقدراته ويساعد على ذلك ان هذه الشركات تتطور استراتيجيا ـ بحكم ما تتمتع به من سرعة استجابة ومرونة ازاء مختلف الضغوط أو الفرص ـ بما في تلك التحسينات الجارية في تكنولوجيا المعلومات, وتماثل انماط الطلب في البلدان المختلفة, وشدة المنافسة, وفتح الأسواق أمام التجارة الدولية, والاستثمار الاجنبي المباشر.. ان الاستراتيجيات الجديدة تنطوي على تغييرات بارزة في كيفية تنظيم الانتاج عبر الحدود, مما ادى بالشركات الى توطين مجموعة واسعة من الانشطة المولدة للقيمة المضافة في الخارج. ويؤكد التقرير على ما تنطوي عليه استراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات بشكل متزايد, من صور اكثر تعقيدا من صور التكامل عبر الحدود, وفي ظل أبسط الاستراتيجيات, فإن الفروع التابعة تتمتع بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي عن الشركة الام, وسواء كانت فروعا منفردة, او فروعا متعددة على المستوى المحلي وتنخرط في الانتاج العالمي وحيث تسقط الحواجز التجارية, ومع تحسن تكنولوجيا الاتصالات, وزيادة حدة المنافسة الدولية, تلجأ الشركات الآن الى توجيه اجزاء من عمليات القيمة المضافة, الى الخارج, ثم انها تقوم بتقوية روابطها مع الفروع التابعة لها في الخارج, ومع الشركات المستقلة عنها التي تعمل بمثابة مقاول من الباطن, أو الحاصلة على تراخيص معينة.. الخ لممارسة انشطة محددة.. وقد بدأت كثير من الشركات متعددة الجنسيات تتعامل حاليا في جميع الانشطة, على امتداد السلسلة الانتاجية برمتها, على اعتبار انها انشطة يمكن ترشيحها لفرع من الفروع, أو اكثر, وهذا النهج الجديد ـ التكامل المعقد ـ قد غدا ممكنا, بسبب ما طرأ من تحسينات كبيرة على تكنولوجيا الاتصال, وتكنولوجيا المعلومات. بل ان التكامل المعقد, اصبح يمليه علينا الآن الاتجاه نحو التقاء الاسواق واندماجها, حيث نجد الآن المزيد من السلع التي تباع بنفس الاشكال او بأشكال متشابهة في عدد متزايد من الاسواق الوطنية. وبالاضافة الى ذلك نجد ان المنافسة ترغم الشركات على السعي نحو تحقيق وفورات في التكلفة, وتحقيق ارباح من جميع شرائح العملية الانتاجية. ونتيجة لذلك تقوم الشركات الآن بتنظيم مهام معينة قبل البحوث والتطوير والمشتريات والحسابات وإدخال ومعالجة البيانات, فضلا عن انشطة لانتاج سلع معينة, او لقيام خطوط انتاجية لسلع ما, مثل صناعة المكونات, والتجميع ـ بطريقة تستلزم قيام علاقات وثيقة بين الشركات الام والفروع التابعة لها في الخارج, أو بين الشركة الام والفروع والشركات التي ترتبط مع بعضها البعض عن طريق تحالفات. ويجرى الآن تقييم الأنشطة المستقلة التي تتم في مواقع مختلفة حول العالم. حسب مساهماتها في تحقيق اهداف الشركة ككل, بدلا من معيار ربحية الدول المضيفة. تنوع الانتاج ان مجمل نشاط تلك الشركات متعددة الجنسيات المنخرطة في عمليات تكامل معقد, يخلق نظاما للانتاج العالمي المتكامل على مستوى الدول, ونجد في اليابان والولايات المتحدة, ان ما يتراوح بين ربع وثلث الاصول الانتاحية للقطاع الخاص يندرج تحت الادارة المشتركة للشركات متعددة الجنسيات التي تتبع نظام الانتاج المتكامل. وأما عن العالم ككل فإن هذه النسبة قد تبلغ الثلث. وليس واضحا بعد عدد الدول التي سوف تتأثر بهذا النظام الجديد. فالاستثمارات الاجنبية المباشرة تميل الى التركيز في الاقتصاديات الصناعية المتقدمة وحولها كوكبة من الدول النامية, والاقتصاديات التي تمر الآن بمرحلة الانتقال الى اقتصاد السوق, والتي تدور في فلك التكتلات الاقتصادية. ويرجع ذلك الى التجارة, وهي نفسها تتميز بالتركيز الاقليمي ومع ذلك نجد ان درجة تركيز التجارة اعلى من درجة تركيز الاستثمارات الاجنبية المباشرة داخل الاقاليم, الامر الذي يوحي بأن التجارة تلعب دورا بارزا في التكامل بين الاقاليم, بينما نجد ان الاستثمارات الاجنبية المباشرة تتمتع بقدرة اكبر على تعزيز التكامل العالمي.. ومن الارجح ان الانتاج العالمي المتكامل سوف يكون اوسع انتشارا وينبغي ان يدعم امكانات الاستثمار الاجنبي المباشر كقوة دافعة نحو التكامل العالمي. واذا حدث ذلك, فإن التجارة قد تبدأ كذلك في اتخاذ انماط غير اقليمية.