تزايدت في الآونة الأخيرة بمصر عمليات تزييف العملة, والتي كشفت عنها الادارة العامة لمباحث الأموال العامة بوزارة الداخلية المصرية, ومنها محاولة لتزوير عشرة ملايين جنيه باستخدام الكمبيوتر, كان يقودها محام وعامل بناء بالاسكندرية وكفر الدوار, وقد تم ضبط افراد العصابة وبحوزتهم 600 ألف جنيه مصري الى جانب جهاز كمبيوتر بملحقاته من ماسح ضوئي وطابعة كمبيوتر ألوان, كما تم ضبط تشكيل عصابي آخر في مكتب طباعة وتغليف بالهرم, يستخدم الكمبيوتر في تزييف العملات, وتبين انه كان يستعد لترويج 80 ألف جنيه مزيفة.. وشهدت الأشهر الثلاثة الماضية عدة محاولات لاغراق السوق المصري بملايين الجنيهات من العملات المزورة, حيث اشارت الارقام الرسمية الى ان المحاولات المتكررة من قبل العصابات أنتجت ما يزيد على 20 مليون جنيه مزورة خلال هذه الفترة, الا ان الجهود التي تقوم بها مباحث الأموال العامة وأدت هذه المحاولات في بدايتها. هذا التحقيق يلقي الضوء على كيفية تزييف العملات ومن الذي يقوم بها.. هل هم افراد فقط, ام دول معادية؟ وكيف يفرق المواطن العادي بين العملة المزيفة والسليمة؟ وكيف تتصدى الجهات المسؤولة لهذه الظاهرة؟ في البداية يرى د. مختار امين وكيل وزارة العدل المصرية لشؤون أبحاث التزييف والتزوير سابقاً, ان انتشار العملات المزيفة في اشهر الصيف يرجع الى تزامنها مع موسم السياحة العربية, حيث تنشط عصابات التزييف في ترويج العملات المصرية المزيفة لتزايد طلب السياح العرب عليها مع صعوبة تمييزهم بين السليم والمزيف منها, كما تنشط هذه العصابات في تزييف الريال السعودي في مواسم الحج والعمرة, لتزايد طلب المصريين عليها في هذه المواسم مع عدم درايتهم التامة بخصائصها, كما تنتشر العملات المزيفة من مختلف الفئات بفترات الأعياد وخاصة رأس السنة. ويشير د. أمين الى أن غالباً ما يكون القائمون على التزييف هم من عصابات دولية, وليس مجرد فرد أو تشكيل عصابي محلي, حيث تقوم هذه العصابات الدولية بتزييف كميات هائلة من العملة الوطنية لأي دولة تتجه نحو الانتعاش الاقتصادي والاكتفاء الذاتي بمواردها, وأكثر عصابات التزييف خطورة توجد بايطاليا وهونج كونج وتايلاند, ومعظم نشاطها ينصب على تزييف الدولار الامريكي, وتتركز في تركيا عصابات اخرى يقتصر نشاطها على تزييف العملات العربية وخاصة الجنيه المصري والدينار الكويتي والريال السعودي. ويطالب باصدار تشريع قانوني ينص على ان اي عملة مكتوب عليها او مرسوم عليها بالقلم على أي نحو, لا يعتد بها في التداول كما هو الحال ببعض الدول المتقدمة, وبذلك نفوت الفرصة على بعض الأفراد الذين يستغلون عدم وجود مثل هذا النص بأن يقوموا بترويج عملات مزيفة بعد قيامهم بالرسم او الكتابة او الشطب على الأخطاء الموجودة بالعملة والتي يمكن من خلالها اكتشاف التزييف, والى جانب ان هذا يساعد على اخفاء جريمتهم, فإنه يسيء لشكل العملة المصرية مما يفقدها مكانتها بين عملات الدول المتحضرة. تقدم تكنولوجي ويرجع محمد المرسي وكيل محافظ البنك المركزي المصري المساعد والمشرف على دار طباعة النقد, تزايد العملات الورقية المزورة الى التقدم في مجال التكنولوجيا الحديثة على مستوى العالم اذ ان العصابات الدولية بدأت في استخدام الآلات المتطورة في نسخ مليارات من العملات المزيفة وتوزيعها في كل دول العالم سواء من خلال صالات القمار او غيرها.. ويشير المرسي الى ان عملية تزييف العملات في الماضي كانت تأخذ شكل الطباعة التقليدي من خلال الزنكوغراف وغيره, وكانت النتيجة في هذه الحالة طباعة رديئة وأحبار متداخلة فكان يتم اكتشافها بسهولة خصوصاً من قبل البنوك ومنافذ بيع العملات الورقية وكذلك الأجهزة الرقابية.. اما الآن فلقد ظهر جهاز فصل الألوان المعروف باسم (سكنر) ومن هنا ظهرت الأوراق النقدية المزورة مطابقة للأوراق الصحيحة, وبدأت الأجهزة الرقابية, وعلى رأسها الشرطة الجنائية الدولية (الانتربول) في البحث عن وسائل لمكافحة عمليات تزوير العملات, وخصوصاً بعد ان أخذت شكل الجريمة المنظمة, وتحويل صور العملات وأصبحت تمثل تهديداً حقيقياً لجميع دول العالم بلا استثناء. ويؤكد وكيل محافظ البنك المركزي ان مباحث الأموال العامة بوزارة الداخلية المصرية نجحت في السيطرة على هذا الطاعون المسمى بالتصوير الملون بالتعاون مع البنك المركزي المصري, فكانت الجهتان تدرسان الكتالوج الخاص بآلة التصوير المستوردة من الخارج, وعلى أساس هذه الدراسة يتم منع دخول الآلة او السماح بها, واستمر هذا الحال لعدة سنوات الى أن حدثت طفرة في تكنولوجيا الطباعة أسفرت عن إنتاج وطباعة أوراق نقدية مزورة في غاية الدقة, وفي محاولة للحد من هذا الموقف أقدمت بعض الدول على تغيير عملاتها الورقية من حين لآخر من حيث لون الورقة والاحبار والرسوم على وجه وظهر الورقة في حين أقدمت دول اخرى على اضافة وسائل تأمينية يصعب تزويرها سواء من حيث خيوط الأمان او العلامات المائية وغيرها. الدولار أسهل تزويراً ويوضح لنا د. باهر توفيق صبحي رئيس الادارة المركزية لأبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي المصرية ان هناك فرقاً بين مفهوم التزييف ومفهوم التزوير للعملات, فالتزييف هو ان تقوم التشكيلات العصابية باصطناع العملة بجميع مكوناتها بما في ذلك الأوراق والتصميمات والزخارف والنقوش والاحبار, بالاضافة لضمانات الأمان المرئية وغير المرئية, اي يكون تزييفاً كلياً للعملة وهو ما يسميه قانون العقوبات المصري في المادة 202 بالتقليد. اما التزوير فهو التزييف الجزئي للعملة, ويقصد به زيادة فئة العملة من فئة أدنى الى فئة أعلى, وهذا يكون في العملات التي تتسم بأبعاد واحدة وألوان متشابهة في الوجه والظهر, حتى مع اختلاف فئاتها, ومن أمثلتها الدولار الامريكي, كما تتفق معها في نفس الصفات الشيكات السياحية مما يسهل تزويرها, حيث يستخدم المزور احد العملات او الشيكات السياحية الصحيحة ذات فئة معينة, ويقوم برفع قيمة هذه الفئة بأحد وسائل التزوير المعروفة كالاضافة والمحو واللصق والمونتاج. ويشير د. رياض فتح الله بصلة مدير عام ابحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي الى اختلاف الأساليب المستخدمة في التزييف على المستويين المحلي والعالمي, موضحاً ان معظم القضايا التي تم تحقيقها وكان المتهمون فيها أفراداً عاديين يمارسون التزييف لمجرد التكسب المادي, اتضح انهم يستخدمون ماكينات طباعة الأوفست والشبكات الحرارية بالاضافة الى نظام مكون من ناسخة ضوئية وكمبيوتر وطابعة.. اما القضايا التي يثبت ان وراءها عصابات دولية ذات أهداف سياسية او اقتصادية عامة فإن المزيفين فيها يستخدمون تقنيات عالية تشمل اجهزة الطباعة بالأوفست متدرج الظلال بالاضافة الى الناسخات الضوئية الليزرية الملونة وغالباً ما توجه هذه العصابات تركيزها على تزييف العملات مرتفعة القيمة مثل الجنيه الاسترليني والمارك الألماني والفرنك الفرنسي والريال السعودي, ويتسم التزييف الذي تقوم به هذه العصابات بشدة الاتقان نظراً لاستخدام أساليب الطباعة السطحية متدرجة الألوان, وتمكنهم من تقليد أساليب التأمين المرئية وأحياناً غير المرئية كأشرطة الضمان المختلفة والعلامة المائية وألياف الضمان الملونة غير المرئية. علامات فارقة مصدر مسؤول بمباحث الأموال العامة أوضح كيفية اكتشاف المواطن العادي وجود تزييف بإحدى العملات بقوله: اذا ساور اي مواطن الشك في عملة مصرية معينة فعليه أن يتأكد من عدة أشياء أهمها عدم وجود رقم مكرر فى أرقام البنكنوت وظهور العلامة المائية في الجزء الموجود بيسار العملة عند تعريضها للضوء وهي على شكل وجه توت عنخ آمون في العملة المصرية, كما عليه ان يقوم بوضع الورقة المشتبه فيها على ورقة اخرى من نفس النوع والفئة ويكون موثوقاً بها, فإذا إختلف حجم الورقة المشتبه فيها فهي مزيفة مع ملاحظة ألا تكون ممزقة وتم إعادة لصقها, لأن هذا يمكن ان يغير من مقاسها, كما يجب التأكد من عدم وجود أخطاء او نقص في الكتابة, ويجب التأكد من وضوح الألوان فالورقة الباهتة او القاتمة يشك في صحتها, كما يجب ان تكون ألوان الخطوط بالورقة متداخلة مع بعضها بحيث يصعب تمييز كل خط على حدة, كما يصعب اكتشاف بداية ونهاية كل لون بالنسبة للون المجاور له, فإذا لم تتوافر هذه الصفات وظهرت خطوط الألوان واضحة في الورقة بسهولة فتكون مزيفة. الاقتصاد الخفي وعن التأثير السلبي على الاقتصاد القومي لتزييف العملات يقول الدكتور عبدالمطلب عبدالحميد نائب عميد أكاديمية السادات للعلوم الادارية بالقاهرة وأستاذ الاقتصاد: ان عمليات تزييف العملة لها تأثير سلبي مباشر على الاقتصاد القومي, كما أن هناك ارتباطاً مباشراً بين تزييف العملة والاقتصاد الخفي الذي يشمل تجارة المخدرات وعمليات غسيل الأموال..ويؤكد د. عبدالمطلب ان مخاطر تزييف العملات تؤدي الى خفض تزايد الطلب على الدولار, وفي المقابل خفض الطلب على الجنيه المصري مع زيادة المعروض منه دون ان يقابله زيادة فعلية في الانتاج فيعود بمعدل التضخم الى الارتفاع لدرجة تؤثر على كفاءة السياسات النقدية والاقتصادية في تحقيق أهدافها, ويحدث خلل عميق في قيم السلع والخدمات واختلال في أهداف السياسات الانتاجية. ويؤكد محمد لطفي مدير عام بنك مصر على ضرورة بحث امكانية انتاج ورقة مالية يكون من الصعب تزييفها, وتزويد البنوك بالاجهزة الحديثة القادرة على اكتشاف التزييف مع تطوير الكوادر البشرية العاملة بها, فالبنوك المصرية ما زالت تعتمد على حساسية الصراف في فحص الأوراق المالية حيث يمكنه بخبرته الطويلة في مجال العمل المصرفي ان يدرك الورقة المزيفة بمجرد اللمس فإذ شك في صحتها يقوم بتعريضها للضوء لاكتشاف العلامة المائية ويتابع تسلسل أرقامها ثم يعرضها على الأجهزة الالكترونية للتأكد منها, ولكن نظراً لأن الصراف يتعامل يومياً مع عشرات العملاء بالاف الجنيهات فإنه من الصعب عليه ان يفحص العملات بهذه الطريقة, ولهذا فإنه من الجدير بالدولة ان تعمل على تزويد البنوك بالاجهزة الحديثة التي تعمل بالاشعة غير المرئية سواء الأشعة فوق البنفسجية او الأشعة الحمراء, وهي أجهزة قادرة على فحص النقود بمجرد عرضها عليها. ويؤكد اللواء عبدالفتاح رياض مدير مصلحة تحقيق الأدلة الجنائية الأسبق بوزارة الداخلية انه رغم التشابه التام بين الأوراق السليمة وتلك التي تنتجها المطابع إلا أن الاختلاف الأساسي بينهما هو ضمانات الأمان, فهي العائق الذي يحول بين المزيف وبين اكمال جريمته حيث تكون هذه الضمانات متداخلة في خام الورقة نفسها.. وأشار الى أن إدارة أمن المطابع تكثف جهودها في متابعة النشاط الذي يقوم به أصحاب المطابع بصفة عامة للتأكد من عدم قيامهم بطبع عملات مزيفة.. وبالرغم من أن هناك عدة عصابات لتزييف العملات قد ضبطت في القاهرة في الآونة الأخيرة إلا أن الأمر المؤكد هو أن تزوير العملات في مصر لم يصبح ظاهرة كما يحدث في بعض دول العالم التي اصبح فيها تزوير العملة صناعة, فيكفي ان نعرف ان الأوراق النقدية المتداولة في السوق المصري تزيد قيمتها على 32 مليار جنيه وبالتالي فإن وجود مليون او اثنين مزورة تعد نسبة ضئيلة جداً.. كما ان معظم الأوراق التي يتم تزييفها يتم ضبطها قبل تسريبها للتداول في السوق, ونخلص من ذلك ان حالات التزوير في مصر ليست مقلقة. وكالة الصحافة العربية