رأي: من كلمة مايكل كاميدسو

مر الاقتصاد الحر بمحنة حيث واجهنا لفترة ما تهديدا بأكبر كارثة منذ انشاء مؤسساتنا, كان الثمن البشري فادحا, فقد نحتاح الى عدد من السنوات لتلتئم الجراح. تذكروا ما عانينا منه منذ عام حينما انتقلت عدوى الأزمة من دولة الى اخرى . والآن بدأت تهدأ العاصفة وتصفو السماء, ومع ذلك مازالت هناك بعض المخاطر, هناك عدد من الدول عانى أشد العناء من الازمة مثل كوريا وتايلاند والفلبين والبرازيل وغيرها بدأت تستفيد من قوتها. ونتساءل كيف حدث هذا الانتعاش السريع المدهش الذي لم يسبق له مثيل.. انه لم يحدث بالصدفة, انه دليل على عمق العولمة وفوائد اقتصاد السوق عندما يكون مدعوما بعملية مرنة علنية حاسمة من صناعة السياسة. والأهم من ذلك ان الانتعاش كان وليد جهود مكثفة وحكمة وشعور بالتعاون المنسق الذي يرجع الى: * أولا وقبل كل شيء وجود الدول المتأثرة مباشرة بالازمة, فقد اغتنمت الفرصة لوضع أساس لتحقيق نمو كبير فضلا عن مسؤوليتها والتزامها بمتابعة التعديلات والاصلاحات. * كما يرجع الى جهود الدول بمتابعة التعديلات والاصلاحات. * كما يرجع الى جهود الدول التي كانت على حافة الهاوية وعززت من دفاعاتها. * والى التضامن الذي أبداه شركاء تلك الدول في المال والتجارة. * والى جهود الدول الصناعية الكبرى في الحفاظ على مناخ عالمي ملائم انعكس في منهج مرن من السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا, اضافة الى عزم اليابان على انعاش اقتصادها. * وأخيرا, الى جهود المنظمات الدولية. في أكثر اللحظات حلكة.. في هذه الأزمة كان الفارق الوحيد هو تعاونكم, فعندما كنا في حاجة الى اتخاذ قرارات فورية تحت ضغوط كبيرة وجدناكم عونا لنا, وعندما تعرضنا لانتقاد واننا نسبب الضرر أكثر من النفع, كنتم الى جانبنا, وعندما كانت هناك حاجة ماسة لوضع برنامج لانقاذ تايلاند والفلبين واندونيسيا وكوريا والبرازيل وروسيا وغيرها, كنتم في صفنا, كنا معا, أيدتم كل القرارات بالاجماع ولم يسقط صوت واحد. ولهذا التأكيد وهذا التعاون وهذا الاجماع, في أشد المحن التي تعرضنا لها عبر تاريخنا, ويمكنني ان أقول ببساطة: أشكركم. ودعوني أضيف هنا ان عمل الموظفين والتزامهم كان حيويا ولا غنى عنه في تحقيق هذا النجاح. وأشكرهم ايضا على ما فعلوه وقدموه. والدرس الرئيسي من هذه الأزمة هو ضرورة التعاون في ظل العولمة, والدرس الثاني هو اننا نواجه المخاطر المتمثلة في التحرك البطيء جدا لتنفيذ الاصلاحات المطلوبة عندما تتحسن الاحوال الاقتصادية. وسوف اضغط ملاحظاتي في مجالين أرى ان هناك حاجة ماسة للتحرك السريع لتنفيذهما, أولا: اصلاح النظام النقدي والمالي العالمي, وثانيا: اتخاذ موقف للقضاء على الفقر وتحقيق التناغم في العولمة. البداية هي هندسة هذا العمل الذي يجري حاليا وقد اشتمل بيان اللجنة المؤقتة على جدول هام الخطوات الرئيسية ولا حاجة لتفصيله. بدأت الحلول بالفعل في معالجة أوجه القصور التي تكشفت في العولمة, وتركزت تلك الحلول على الوقاية, وهي القاعدة الذهبية في الاستقرار المالي. وهناك خطوة هامة الى الأمام تتمثل في تبني لائحة اللجنة المؤقتة بشأن حسن الممارسات في مجال الشفافية في السياسات المالية والتعددية, التي تأتي حاليا الى جانب الشفافية المالية ونشر المعلومات, وهو ما يجري حاليا بالفعل. لقد قامت الادوات الجديدة الآن فهناك محور القروض العاجلة ومحور مشكلة الكمبيوتر عام 2000. نعم وضعنا الأساس الهندسي الأكثر قوة ومرونة. لكن التحرك أكثر بطئا في مجالات اخرى لم يتم التوصل فيها الى اجماع بعد.. دعوني أذكر أربعة منها: أولا: بدأنا فترة تأمل في مدى المراقبة وأهم ما تركز عليه, وهناك عدة جوانب لا جدال فيها هي: ـ دورها المركزي في عمل الصندوق. ـ أولويتها في توزيع مواردنا المالية والبشرية, لأن الصندوق وحده هو الذي يتمتع بهذه السلطة. ـ أهميتها المتزايدة في مناخ جديد يحتل فيه الكشف المبكر عن أي مشكلات أهمية قصوى. ـ تركيزها الأساسي على أمور تدخل في صميم ولاية صندوق النقد الدولي هي الاستقرار النقدي والحفاظ على توازن المدفوعات وسياسات تؤدي الى اقتصاد موجه للنمو. وثانيا: الجانب الانساني في العولمة.. ومن الواضح ان النظام المالي الجيد ينطوي على أدوات معقدة وأسواق تعمل بسلاسة, لكن النظام المالي والاسواق تخدم الناس في نهاية الأمر, وهذا يدخل في اطار عمل صندوق النقد الدولي وحتى لو لم يكن الصندوق مؤسسة تنمية تحاول مساعدة الحكومات وتلبي صرخات الفقراء ونداءاتهم.. اعتقد انه يجب ان نضع نصب أعيننا الرسالة الموجهة من شابين في غينيا وجدا مقتولين في غرفة اجهزة هبوط احدى الطائرات. لقد قال الشابان انهما يعانيان أشد المعاناة في أفريقيا (ساعدونا.. اننا نواجه مشكلات في افريقيا) .. اعتقد ان تلك الرسالة موجهة لكل دولة ولكل مؤسسة ممثلة هنا, انها رسالة ممن يعانون فقرا مدقعا, انها تقول ان الفقر مازال يطحن هؤلاء الناس في تلك القارة, وبالطبع لا يمكن التغاضي عن هذا الفقر الشنيع, لقد حان الوقت لاتخاذ خطوة, لكن هذا ليس جديدا عليكم, السياسات الاجتماعية عنصر محوري في ميزانيات الحكومات وفي برامج المانحين والبيانات الدولية. وليست تلك القضايا جديدة على الصندوق الذي يؤيد ويدعم منذ سنوات برامج لتنسيق السياسات الاجتماعية. وخلال العقد الماضي تزايد نصيب كل فرد من التعليم والرعاية الصحية في غالبية الدول التي تنفذ برامج الصندوق. وفي الوقت نفسه, هناك تحسن في المؤشرات الاجتماعية الهامة, لكن اصوات الفقراء في العالم تقول لنا ان هذا ليس كافيا, لقد حان الوقت لأن نبدأ صفحة جديدة, وهناك بعدان في مكافحة الفقر, أحدهما وطني والآخر دولي وسوف يظل البعد الوطني هو الأهم. فإن مسؤولية القضاء على الفقر تقع على الكاهل الداخلي في كل دولة, رغم ان هذا لا يقلل من أهمية المجتمع الدولي. وتحتاج الدول الفقيرة ذاتها الى تحقيق معدلات نمو مرتفعة وجيدة, وقد نتعلم من تجارب العديد من الدول الافريقية التي بدأت بمساعدة برامج الصندوق في تغيير الاتجاه التعس الذي ساد عقدا ونصف العقد من انخفاض نمو نصيب الفرد وارتفاع التضخم وعدم توازن المدفوعات الخارجية. نحن نعرف العناصر, انها توازن المناخ الاقتصادي الكلي والشفافية وسلامة القطاع المالي والمؤسسات الاقتصادية القوية. وبالطبع حسن الادارة والحكم الذي يشمل احترام سيادة القانون والنظام القضائي المستقل الذي يعترف بحقوق الملكية بما يدعم التعاقدات ويحمي حقوق المواطنين الأساسية. وقبل ان أختم حديثي, أود ان أركز على بعض النقاط والمهام التي لابد ان تحقق في الفترة المقبلة, ألا وهي: ـ على الدول الصناعية ألا تستغل الانتعاش الاقتصادي لتحقيق نمو متوازن فيما بينها فحسب, بل تحقيق المرونة في هياكلها وأسواقها وتعزز مالياتها العامة. ـ على جميع الدول ان تمضي قدما في خيارات الميزانيات التي يحتمل ان تكون صعبة, فقد تنطوي على تنفيذ التعهدات السبعة شأن التنمية المستدامة التي ذكرتها. ـ وعليكم انتم المحافظون ان تجعلوا الصندوق على نفس مستوى حداثة الاسواق فضلا عن سرعة الاستجابة لحاجات العالم حتى ولو كانت حاجات انسانية بالأساس وان يكون مكانا أفضل وأرحب لكل مواطني العالم. من كلمة مايكل كاميدسو رئيس المجلس التنفيذي ومجلس ادارة صندوق النقد الدولي, في اجتماع مجلس محافظي الصندوق في سبتمبر 1999 في واشنطن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات