تجاوز سعر برميل برنت حاجز 23 دولارا خلال الأسبوع الثاني من الشهر الماضي, حيث بلغ في العاشر من سبتمبر الماضي44.23دولارا للشحن تسليم شهر أكتوبر, وواصل الارتفاع ليبلغ48.23دولارا في الثالث عشر من الشهر المنصرم ليبلغ بذلك أعلى مستوى له منذ شهر يناير ,1997 أي منذ نحو 32شهرا . وخلال تلك الفترة, شهد متوسط اسعار برميل سلة نفوط الأوبك ارتفاعا بمقدار الضعف وأكثر, ليقفز من 96.9 دولارات للبرميل في فبراير 1999 إلى 36.20 دولارا خلال الأسبوع الأول من الشهر الماضي. وفي مواجهة هذا الارتفاع الحاد في الأسعار, تباينت آراء الشركات النفطية والمراقبين, فالبعض يرى أن دول الأوبك ستتعرض لضغوط متنامية لزيادة الإنتاج حتى تحول دون تحرك مؤشر الأسعار إلى أعلى في مزيد من الارتفاع. آخرون يرون عكس ذلك, ويقولون إن سوق النفط ستظل قلقة وغير مستقرة لأشهر طويلة مقبلة. ولوضع الأمور في نصابها, لابد من الإشارة إلى أن المستوى الحالي لأسعار النفط يعطي انطباعا مشوها عن الموقف إذا ما اقتصرت النظرة على فترة قصيرة. وبينما لا يمكن إنكار أن الأسعار وصلت إلى ضعف المستويات التي هوت إليها بداية العام الجاري, فإن الارتفاع الحالي لا يعوض إلا جزئيا ذلك الانهيار الذي استمر طوال الفترة بين نوفمبر 1997 وديسمبر 1998. كذلك, فإن متوسط سعر برميل سلة نفوط الأوبك لا يتعدى 72.14 دولارا خلال الفترة بين يناير وأغسطس ,1999 ارتفاعا من 28.12 دولارا للبرميل كمتوسط للسعر خلال العام الفائت, بينما كان متوسط سعر البرميل في العام 1997 وصل إلى 68.18 دولارا وقبله في 1996 بلغ 29.20 دولارا. وبالقيمة الفعلية وعلى أساس قيمة الدولار في العام ,1973 يكافئ متوسط السعر خلال الفترة بين يناير وأغسطس 1999 والبالغ 72.14 دولارا نحو 11.4 دولارات فقط, ليكون بذلك أقل مستوى للأسعار منذ العام 1973 مع عدم احتساب القيمة في العام المنصرم. وبالنسبة للعوائد النفطية لدول الأوبك, فإن ارتفاعا بمقدار 29% في الأسعار يعني زيادة هذه العوائد إلى 6.123 مليار دولار مع نهاية العام الجاري. وتشير إدارة معلومات الطاقة بالولايات المتحدة إلى أنه بقياس العوائد النفطية المتوقعة لدول الأوبك بنهاية هذا العام على أساس قيمة الدولار في العام ,1990 فإن المستوى الحالي للعوائد لا يمثل سوى ربع القيمة القصوى للعوائد النفطية لدول المنظمة والتي بلغت 8.458 مليار دولار, وكان ذلك في العام ,1980 وهي بصورتها تلك تكافئ تقريبا عوائد العام 1974. ليس من المستغرب في ظل هذه الظروف أن يقرر وزراء النفط بالمملكة العربية السعودية وفنزويلا والمكسيك خلال اجتماعهم في كراكاس في 28 أغسطس الحفاظ على خفض سقف الإنتاج, وهو الانخفاض الذي تقرر استمراره بدءا من أول أبريل الماضي وحتى نهاية شهر مارس المقبل. وهو نفس ما قرره وزراء الأوبك خلال اجتماعهم المنعقد في 22 سبتمبر. وعلى الرغم من أن الدول المصدرة للبترول امتنعت عن تحديد سعر معين تستهدف الوصول إليه, فإن وجهة النظر العامة تتلخص في أن الهدف (المعقول) يجب أن يكون هو استقرار السوق على نحو دائم على سعر يتراوح بين 20 و21 دولارا لبرميل سلة نفوط أوبك. ومما يستحق التنويه أيضا أن الدول الثلاث التي قادت التحرك في اتجاه فرض قيود تصديرية لدفع الأسعار إلى أعلى خلال الأشهر القليلة الماضية, وهي المملكة العربية السعودية, المكسيك, وفنزويلا, كانت عادة ما تعارض في ما سبق مثل هذه السياسة من أساسها. وإذا ما وضعنا في اعتبارنا أن الدول الثلاث تحتفظ بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة, فإن ذلك يدعونا إلى التساؤل: هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة ترحب بما يحدث حاليا في السوق النفطية من انتعاش؟ ليس هناك بالتأكيد دليل قوي يؤيد ذلك, لكن الانهيار في الأسعار في العام 1998 كان له, كما هو معروف, تأثيرات دراماتيكية على منتجي النفط المستقلين بالولايات المتحدة, وأيضا على الإنفاق الرأسمالي والعوائد للشركات النفطية الضخمة. علاوة على ذلك, فإن المجلس القومي للمعلومات في الولايات المتحدة أوضح في شهر نوفمبر 1998 أن الانهيار في أسعار النفط كان يشكل تهديدا للأوضاع الاقتصادية والاستقرار السياسي لبعض من أقرب حلفاء الولايات المتحدة. كما أنه لو قدر للانخفاض في الأسعار أن يستمر لفترة أطول, لكان له أن يزيد من جاذبية الأفكار المتطرفة بين عدد من الجماعات في العالم الإسلامي, وما يستتبع ذلك من مخاطر على الأوضاع السياسية واستقرارها. د. نقولا سركيس رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس