من المحيط للخليج شهدت الدول العربية تغيرات اقتصادية هائلة, فهي التي خرجت لتوها من ربقة الاستعمار لتواجه أغلبها عدة معارك عديدة استنزفت مواردها ثم قفزة بترولية هائلة قلبت بعض الموازين الاقتصادية في الوطن العربي والعالم, ثم مشاكل اخرى انتهت بفاتورة حرب الخليج الثقيلة, والآن على كل هذه الاسواق العربية التي نسميها (اسواق صاعدة) ان تواجه طوفان العولمة القادم لا محالة, فالأسواق العربية الصاعدة تمتلك بالفعل القدرة على المواجهة, خاصة مع التحول الى اقتصاد السوق ونجاح برامج الاصلاح الشامل في عدة بلدان وتحقيق معدلات نمو لا بأس بها, الا ان الاستقرار الاقتصادي الكامل لم يحدث بعد, كما ان هناك عدة مشاكل أهمها الانخفاض الكبير في اسعار البترول وارث الحروب وأعمال العنف في بعض الدول العربية. يقول نبيل منصور الوزير المفوض التجاري لادارة الدول العربية بجهاز التمثيل التجاري المصري: تشهد الاسواق العربية الصاعدة بشكل فردي او جماعي نشاطاً ملحوظاً خاصة سوق التعاون الخليجي, فبالرغم من انخفاض الايرادات النفطية لدول الخليج العربية بما قيمته 4.7 مليارات دولار ويمكن ان يصل الانخفاض الى نحو 11 مليار دولار في نهاية الاشهر الستة الأولى من العام المقبل, فإن هذا التراجع لم يؤثر على القطاعات غير النفطية التي استمرت بالنمو نتيجة التوسع الكبير في استثمارات القطاع الخاص وقطاعات التجارة والتشييد والصناعات الخفيفة والخدمات خاصة قطاع الكهرباء والاتصالات. ومن ناحية اخرى لم تلجأ اي من دول مجلس التعاون حتى الآن الى السحب من احتياطيها النقدي مما يدل على ان هذه الدول لجأت الى ضغط الانفاق تحسبا لمزيد من الانخفاض بأسعار النفط ولمنع تفاقم العجز في موازناتها وكانت دول الخليج قد سجلت بشكل عام أداء اقتصادياً متميزاً خلال العام الماضي, ويؤكد د. نبيل ان الأزمة الأخيرة لن تذهب بثمار هذا التقدم وان خلفت بالطبع بعض التأثيرات السلبية. تعويض تدهور النفط ويمكن القول ان التوسع في القطاعات الاخرى في دول المجلس قد يكون كافياً لتعويض تدهور الايرادات النفطية التي لا تزال تشكل اكثر من ثلثي الدخل الاجمالي لأقطار المجلس ـ ويؤكد هذا تقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية الذي تصدره سنوياً المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وهو تقرير يحظى بكثير من الاهتمام لمجمل الدول العربية ويرصد التقرير الأداء الاقتصادي لدول مجلس التعاون خلال عام 97 فمثلاً سجل الاقتصاد السعودي نموا ايجابياً للعام الرابع على التوالي بلغ 2% بالأسعار الثانية مقابل 5.2% عام 96 وقدر الناتج المحلي الاجمالي في نهاية العام بحوالي 547 مليار ريال سعودي مقابل 511 مليار ريال عام 96 كما بلغت نسبة نمو القطاع الخاص 1.4% مقابل 5.3 عام 96. ايضاً حققت القطاعات الحكومية والنفطية معدلات نمو جيدة وذلك اضافة الى نشاط صناعي متميز للقطاع الخاص فقد سجل قطاع الصناعات التحويلية معدل نمو قدره 6.8 خلال العام, وحقق قطاع التشييد والبناء معدل نمو قدره 2.4% كما تجاوزت مساهمة القطاع الزراعي نسبة 11% من الناتج المحلي غير النفطي واستقر سعر النفط السعودي في حدود 5.18 دولارا للبرميل خلال العام, كما زاد الناتج النفطي بمعدل 8%. اما في الامارات فقد بلغ الناتج المحلي الاجمالي خلال ,97 3.175 مليار درهم اماراتي مقابل 174 مليار درهم عام ,96 وذلك بمعدل نمو قدره 2.1% وقد تمكنت الحكومة من توسيع وتنويع مصادر الدخل القومي وتنمية القطاعات غير النفطية حيث حققت الصناعات التحويلية زيادة نسبتها 7.10% واستحوذت بالتالي على نسبة 2.11 من اجمالي الناتج المحلي الاجمالي نظراً للحرص المتزايد من الدولة على الاهتمام بالقطاع الصناعي حيث تم استكمال معظم المشاريع البتروكيماوية الحالية بالاضافة الى انجاز التوسعات في تلك المشروعات, وكان للقطاع الخاص دور محوري في مجال الصناعات غير البترولية كالصناعات الغذائية والهندسية ومواد البناء. وقد بلغت نسبة مساهمة قطاع الخدمات الحكومية في الناتج المحلي الاجمالي حوالي 1.11 وقد سجل هذا القطاع معدل نمو قدره 1.10% خلال العام, كما حقق قطاع النقل والاتصالات معدل نمو قدره 2.4% فيما بلغت نسبة مساهمة قطاع التشييد والبناء حوالي 9.7% من الناتج المحلي الاجمالي بلغت قيمة مساهمة هذا القطاع خلال العام 14 مليار درهم مقابل 5.14 مليار درهم في عام 96 محققة بذلك تراجعاً نسبته 53.4%. البحرين نمو حقيقي وفي البحرين واصل الاقتصاد الوطني اداءه خلال العام الماضي في اطار سياسة التنوع الاقتصادي التي تنتهجها الاسواق العربية الصاعدة للنهوض بالقطاعات المختلفة وهذا ما جعل البحرين مركزاً.. مالياً لمنطقة الخليج والوطن العربي, وتشير البيانات المتوافرة الى ان الناتج المحلي الاجمالي قد حقق نمواً حقيقياً قدر بحوالي 1.3% خلال العام الماضي مقابل 3% عام ,96 وبلغ معدل النمو للقطاعات غير النفطية التي تمثل حوالي 80% من الناتج المحلي الاجمالي حوالي 5.3% مقابل 4.2% عام 96. ايضاً في عمان بلغ الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية حتى نهاية شهر سبتمبر من العام الماضي, حوالي 48.4 مليارات ريال مقابل 17.4 مليارات ريال للفترة ذاتها من عام 96 وعليه بلغ معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي حوالي 4% وهو المعدل ذاته عام 96 كما بلغ معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي للقطاع النفطي 8.4% مقابل 16% عام 96 ومعدل نمو القطاع الصناعي غير النفطي خلال عام 97 بلغ 10% مقابل نمو سالب قدره 8.0% عام ,96 اذ حقق قطاع الصناعات التحويلية معدل نمو قدره 9.44% مقابل 14% عام ,96 اما فيما يتعلق بقطاع الزراعة والاسماك فقد حقق معدل نمو قدره 6.6% مقابل 1% عام 96 في حين حقق قطاع الخدمات معدل نمو قدره 1.5% مقابل 5.5% عام 96. كما سجل السوق العربي الكويتي تحسناً ملحوظاً اذ بلغ معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الاجمالي حوالي 8.4% مقابل 4% عام 96 ويرجع هذا التحسن الى عوامل داخلية وخارجية أهمها اتباع سياسة ترشيد الانفاق وتبني جملة من السياسات المالية والنقدية فضلاً عن ارتفاع اسعار النفط العالمية خلال النصف الاول من العام الماضي, وقد حقق القطاع النفطي الذي يمثل حوالي 55% من الناتج المحلي الاجمالي معدل نمو قدره 2.6% بالاسعار الجارية فيما حققت القطاعات غير النفطية معدلات نمو تراوحت بين 1.3% و5.4%. في السوق العربية القطرية قدر الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار الجارية بحوالي 85.33 مليار ريال قطري مقابل 5.29 مليار ريال عام ,96 محققاً بذلك زيادة نسبتها 15% مقابل معدل نحو بلغ حوالي 12% عام 96 ويرجع هذا التحسن الى الارتفاع غير المتوقع في اسعار النفط خلال النصف الأول من العام الماضي وتنامي دور القطاع الخاص في السوق العربية القطرية وتدني معدل التضخم. تشجيع استثمارات ويؤكد د. حمدي عبدالعظيم مدير مركز البحوث والاستشارات الاقتصادية بأكاديمية السادات ان الاسواق العربية الصاعدة شرعت بشكل جاد في تنفيذ الاستراتيجية الهادفة لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد الكلي على قطاع النفط والغاز فقط بل تدعيم القطاعات غير النفطية وتشجيع استثمارات القطاع الخاص, ففي السعودية ينال قطاع الصناعات التحويلية مزيداً من الاهتمام, وقد وصلت الاستثمارات في هذه الصناعة الى حوالي 205 مليارات ريال, ووصلت نسبة اسهامها في الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي الى حوالي 13% الأمر الذي ادى الى اكتفاء البلاد ذاتياً في كثير من السلع, والانطلاق نحو التصدير, ويشهد القطاع الخاص السعودي انفتاحاً كبيراً مثلا في الاتجاه لتخصيص قطاعات حكومية رئيسية, على رأسها مرفق الاتصالات. وفي الامارات بلغت مساهمة القطاعات غير النفطية حوالي 8.122 مليار درهم عام 97 مقابل 3.117 مليار درهم في عام 96 وبلغت نسبة مساهمة تلك القطاعات في الناتج المحلي الاجمالي حوالي 6.69% مقابل 3.67% عام ,96 كما قدر معدل النمو في تلك القطاعات بحوالي 7.4% هذا في حين انخفضت مساهمة القطاع النفطي الى 54 مليار درهم مقابل 57 مليار درهم ليشكل حوالي 30% من اجمالي الناتج المحلي لعام 97 في مقابل 33% عام 96. وكان للأداء الجيد للمصارف التجارية على الرغم من التراجعات التي شهدتها اسواق المال الدولية, اثر ايجابي على ما حققه قطاع الصناعات التحويلية من تطور في السوق العربي الاماراتي, ومن الاسواق العربية الاكثر نشاطاً من بين هذه الاسواق سوق البحرين حيث يعد قطاع الصناعة الاكثر مساهمة في الناتج المحلي الاجمالي بنسبة تبلغ حوالي 20% ويأتي قطاع السياحة في المرتبة الثانية بنسبة 6.19%, ويساهم القطاع المالي بنسبة تتراوح ما بين 12 ـ 15% من اجمالي الحركة الاقتصادية في البحرين ويبلغ عدد المؤسسات المصرفية والمالية المرخصة من قبل مؤسسة نقد البحرين 182 مؤسسة حتى منذ منتصف عام 97 وايضاً تحتل البحرين المرتبة الأولى عالمياً من حيث المصارف الاسلامية الموجودة بها اذ يبلغ عددها حالياً 12 مصرفاً. وفي سلطنة عمان بلغت مساهمة القطاعات غير النفطية عام 97 نحو 62% من الناتج المحلي الاجمالي ويأتي قطاع الخدمات في عمان على رأس القطاعات الاقتصادية هناك, وتبلغ مساهمته في الناتج المحلي حوالي 1.49% وبلغت مساهمة قطاع الصناعة حوالي 3.198 مليون ريال مقابل 2.189 في عام 96 بما يعادل 5.4% من الناتج المحلي مقابل 2.4% عام 96 وسجلت الصادرات غير النفطية زيادة بنسبة 3.17% الى 3.203 ملايين ريال وفي الكويت تشكل القطاعات غير النفطية في السوق العربي الكويتي نحو 45% من الناتج المحلي الاجمالي وتساهم الصناعة التحويلية بحوالي 10% منه, وتتميز تلك الصناعة بصغر حجم مشروعاتها التي تتمثل في الصناعات الغذائية والبلاستيكية والالمنيوم ويعد هذا القطاع من أهم القطاعات الانتاجية التي ينشط فيها القطاع الخاص. صحوة جزائرية اما عن أسواق دول المغرب العربي فيحدثنا د. احمد ماهر زغلول مدير مركز الدراسات القانونية والاقتصادية بجامعة عين شمس قائلاً: الاسواق العربية في مجملها تشهد عصراً من الاصلاحات الاقتصادية كمقدمة لاقتصاد عربي قوي ويظهر هذا واضحاً على سبيل المثال في الجزائر فشهدت الاوضاع الاقتصادية صحوة في السوق الجزائرية حيث تقوم الحكومة بإصلاحات واسعة, خاصة بعد تجدد انخفاض اسعار البترول وتزايد العنف الداخلي بالجزائر ومع جفاف التمويل الخارجي اصبح الاقتصاد على شفا ازمة بشأن ميزان المدفوعات, وعندئذ صاغت السلطات برنامجاً شاملاً للتصحيح الهيكلي فحصل على دعم صندوق النقد الدولي في مايو ,94 وقد شمل التصحيح تعزيز الميزانية باعادة صياغة النظام الضريبي لتقليل الاعتماد على ايرادات البترول, كما اتخذت الحكومة خطوات مهمة لربط النشاط المصرفي بالسوق وسعت الى ضمان استخدام آليات تعتمد على السوق لحشد التمويل المحلي للميزانية, هذا بالاضافة الى اصلاح قطاع العمليات الخارجية وهذا ما لعب دوراً مهماً في تفعيل السوق الجزائري بسبب سيطرة الايرادات البترولية على اقتصاد الجزائر وتم اتخاذ العديد من الاجراءات لتحرير التجارة الخارجية وسعر الصرف. كذلك تعد السوق التونسية من الاسواق العربية الصاعدة حيث امكن تكريس مبدأ التأهيل الشامل لتحسين الانتاجية والجودة واكساب السوق عوامل الكفاءة والقدرة التنافسية المكتملة وهو يهدف في مضمونه الى اثراء النسيج الاقتصادي الى جانب تطوير علاقاته مع الاسواق الاخرى واجادة تقنيات التعريف بالانتاج والتسويق, ويمكن ترجمة هذه السياسات من خلال الارقام حيث تمكنت تونس من تحقيق نسبة تناهز نحو 6% سنوياً وكذلك التحكم في التضخم المالي وحصره في حدود 8.4% عام 96 وتحسين ميزان المدفوعات عبر حصر العجز التجاري في حدود 2% من الناتج الاجمالي من السوق كما بلغ دخل الفرد في تونس 2180 دولاراً سنوياً وهذه اكبر نسبة في دول شمال افريقيا. سوق ناجحة ويقول د. السيد عيطة استاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس: اذا استقرأنا واقع الاسواق العربية الصاعدة سنكتشف توافر كل مقومات السوق العربية المشتركة الناجحة سواء رؤوس الاموال القابلة للاقراض وكذلك وجود امكانات استخدام رؤوس الاموال, اي توافر فرص استثمارية كافية في الدول العربية والاسلامية, فهناك مجال كبير للاستثمار الزراعي في السودان مثلاً, كما ان هناك فرصاً كثيرة للاستثمار الصناعي في مصر ودول المغرب العربي, كذلك فهناك فرص للاستثمار السياحي في العديد من الدول العربية. ورغم ان الدول العربية تمتلك ثروات كبيرة ومختلفة الا ان د. السيد عطية يؤكد انها ثروات مع وقف التنفيذ, وذلك اما بسبب التخلف العلمي او بسبب سوء استخدامها او بسبب عدم التعرف على قيمتها الحقيقية او في الغالب بسبب سيطرة العالم الغربي المتقدم على استخدامها وانتاجها وتسويقها, وبالتالي فإن الدول العربية لا تجد مجالاً لها للاستثمار في المنطقة نتيجة عدم حدوث اي تغير اساسي في البيئة المالية العربية فما زالت الدول لا تتجمع لديها موارد مالية كبيرة تزيد على حاجتها الحاضرة وفي الاجل القصير هي تابعة للأسواق المالية الدولية التي تستقطب اموالها وتجذب ثرواتها. واليوم بعد ان اخذت بعض الدول العربية بزمام السيطرة على ثرواتها الاقتصادية اصبح بإمكانها تنفيذ سياسة مالية واقتصادية وطنية تأخذ على عاتقها تنمية الوطن العربي ورفع مستوى دخل المواطن فيه كما تساهم في تقديم المساعدات لدول العالم الثالث فتدعم اقتصادها او استقلالها, هذا بالاضافة الى المشاركة الفعالة في المؤسسات المالية والدولية التي يمكن ان تخلق ترابطاً اكبر بين الدول وتؤدي الى توفير مناخ افضل في العلاقات الاقتصادية والنقدية الدولية. واذ لم تتمكن الدول العربية من تنفيذ ذلك واكتفت بالسيطرة القانونية على ثرواتها وزيادة الحصص المشاركة والتأميم وتركت اموالها في عهدة الدول الصناعية والمؤسسات الدولية تتصرف كما تشاء فإنها قد تكون طلبت الوصاية على نفسها وأعادت السيطرة الأجنبية ثانية عليها. كتب محمد جابر