اكد خبراء بشؤون النفط في دوائر منظمة الدول المصدرة للنفط(اوبك)وخارجها في فيينا ان الدول الصناعية المستهلكة للنفط تنظر بـ (انزعاج وقلق) الى الانضباط والالتزام شبه الكامل الذي ابدته المنظمة النفطية منذ مارس الماضي والذي فاجأ حتى اكثر الخبراء تفاؤلا بمستقبل المنظمة . وأكدت الخبيرة النمساوية بمؤسسة التسويق والاستشارات النفطية بفيينا ادامتشيك جراسينا في تصريح لوكالة الانباء الكويتية (كونا) ان الدول الصناعية المستهلكة للطاقة تخشى ان يؤدي استمرار الارتفاع الحالي لاسعار النفط الى تفاقم التضخم النقدي وبالتالي الى عرقلة حركة النمو الاقتصادي وزيادة البطالة. واوضحت ان تصريحات بعض الوزراء الاوروبيين وكذلك اشارة وزارة الطاقة الامريكية الى امكانية التفكير في بيع جزء من النفط الخام من المخزون الاحتياطي الاستراتيجي الامريكي يندرج ضمن (المحاولات السياسية السيكولوجية) للتأثير على الوضع في السوق وربما للحد من الضغط الحالي المستمر على الاسعار لاسيما بعد قرار المؤتمر الوزاري الاخير للاوبك في فيينا بمواصلة العمل باتفاق مارس 1999 على خفض الانتاج والحصص الانتاجية حتى مارس عام 2000. واكدت الخبيرة ان المخزون الاحتياطي الاستراتيجي في الولايات المتحدة والدول الصناعية الاخرى يتفاوت من حيث الحجم من دولة الى اخرى وتحكمه قوانين حكومية لفترات زمنية متفاوتة ايضا يصعب خرقها والاقدام على التفريط في جزء منها نظرا لان هذا المخزون الاستراتيجي مخصص لمواجهة حالات الازمات والاختناق الظرفية الشديدة في السوق (وهو ما لا ينطبق على الوضع الحالي) . واشارت الخبيرة النمساوية جراسينا الى ان وزارة الطاقة الامريكية كانت قد اكدت في وقت لاحق انها لا تنوي بيع النفط الخام من المخزون الاستراتيجي الامريكي نظرا لان العرض الحالي في السوق الداخلية الامريكية كاف وان الوضع لا يتطلب تنفيذ مثل هذه الخطوة. وأكدت الخبيرة النمساوية بشؤون النفط ان الامكانيات المتوفرة امام الدول الصناعية المستهلكة للنفط للتدخل في وضع السوق والتأثير على الاسعار تظل (محدودة جدا) نظرا لان (قانون العرض والطلب واستمرار التزام دول الاوبك بخفض الانتاج وكذلك حركة النمو الاقتصادي في اسيا والولايات المتحدة تظل العوامل الرئيسية والحاسمة لتطور اسعار النفط خلال الاشهر المقبلة) . الا ان جراسينا اشارت في الوقت ذاته الى انه بامكان الشركات النفطية العالمية فقط التدخل بشكل محدود للتأثير على العلاقة بين العرض والطلب وربما للحد من الارتفاع الحالي لاسعار النفط. وقالت ان هذا التدخل قد يتمثل في (افتعال زيادة الانتاج من المنتجات والمشتقات النفطية في السوق لخفض اسعارها مما قد يؤدي ظرفيا على الاقل الى وقف ارتفاع اسعار النفط الخام او تراجعها) . الا ان المنافسة الحادة بين هذه الشركات ومصافيها في السوق قد لا تشجع على انتهاج مثل هذه السياسة. يذكر ان اسعار النفط الخام تظل مرتفعة كلما ظلت اسعار المنتجات النفطية مرتفعة ايضا وهو ما يمثل (الهوة المرجحة) للاسعار النفطية بشكل عام والتي قد تتلاعب بها الشركات النفطية العالمية في محاولة للتأثير على السوق والاسعار في حالة التوصل الى اتفاق فيما بينها على اتخاذ مثل هذه الخطوة. وكانت وسائل الاعلام الاقتصادية والنفطية الغربية قد حاولت في الاونة الاخيرة التشكيك في مدى جدية الاوبك في مواصلة الانضباط والالتزام بسقف الانتاج والتخفيضات الحالية للانتاج حتى مارس عام 2000. الا ان رد المنظمة على هذه الحملة جاء واضحا وحاسما عندما اقر المؤتمر الوزاري الاخير للمنظمة ودون اي نقاش مواصلة العمل بالاتفاق الحالي حتى مارس عام 2000. كما نفى وزراء دول المنظمة وعلى رأسهم وزير النفط الكويتي الشيخ سعود ناصر الصباح ونظيره القطري رئيس الاوبك حاليا عبد الله بن حمد العطية نفيا قاطعا ان يكون لدى الاوبك اية نية لعقد مؤتمر وزاري استثنائي قبل مارس عام 2000 (بغض النظر عن المستوى الذي ستصل اليه اسعار النفط حتى هذا التاريخ) . واكد الخبراء بشؤون النفط في الاوبك وخارجها في فيينا ان استمرار التزام دول المنظمة بالاتفاق الحالي سيعزز الاسعار لاسيما وان الطلب على النفط يزداد عادة في فصل الشتاء المقبل مما سيساهم في مواصلة تقليص الفائض في المخزون الاحتياطي لدى الشركات النفطية والدول الصناعية المستهلكة للنفط. وتقول الخبيرة النمساوية جراسينا ان استمرار النمو الاقتصادي الحالي في آسيا وكذلك في الولايات المتحدة سيساهم ايضا في زيادة الطلب على النفط وبالتالي في ارتفاع الاسعار التي قد يصل معدلها الى حدود 28 دولارا للبرميل الواحد حتى نهاية هذا العام في حالة استمرار الانضباط والالتزام الحاليين لدى الاوبك بخفض الانتاج وعدم اندلاع احداث سياسية امنية او اقتصادية مفاجئة من شأنها ان تؤثر عادة على سوق النفط والاسعار في العالم. ويبدو ان الدول الصناعية المستهلكة للطاقة تنظر (بعين الحسد) الى منظمة الاوبك على التحسن الذي شهدته اسعار النفط وعائداتها النفطية منذ ابريل الماضي والذي بلغ معدلها حوالي 23 دولارا للبرميل الواحد وهو اعلى مستوى للاسعار منذ فترة طويلة. وتتناسى هذه الدول ان دول الاوبك قد خسرت مليارات الدولارات خلال ازمة الاسعار عام 1998 وانهيارها الى حدود تسع دولارات فقط في مطلع عام 1999. كما ان معدل السعر اليومي الحالي للنفط وقدره 23 دولارا للبرميل الواحد لا يعكس معدل السعر السنوي لنفط المنظمة الذي بلغ خلال هذا العام 30ر15 دولارا للبرميل الواحد فقط حتى يوم 23 سبتمبر الجاري ليظل بذلك دون سعر القياس الاساسي المنشود للاوبك وقدره 21 دولارا للبرميل الواحد. وكان وزير النفط الليبي عبد الله سالم البدري قد اكد في تصريح لكونا على هامش المؤتمر الوزاري الاخير للاوبك ان (دول المنظمة في حاجة الى المزيد من الوقت للتعويض عن الخسائر المالية التي لحقت بها عام 1998 وحتى ابريل 1999) . وعلى الرغم من نجاح الاوبك التي تملك 60 في المائة من المخزون الاحتياطي العالمي المعروف من النفط في (استعادة انيابها) ظرفيا على الاقل فان بعض المحللين النفطيين يحذرون من ان استمرار الارتفاع لاسعار النفط بشكل غير قابل للسيطرة قد يؤدي بدوره الى تقليص الاستهلاك من النفط ويمنح الدول المنتجة للنفط خارج المنظمة الفرصة للمزيد من التنقيب والانتاج لرفع العرض من النفط في الاسواق العالمية على حساب حصة دول الاوبك مما قد يؤدي الى عودة الاسعار الى الانخفاض من جديد. ـ كونا