أصبحت الظروف ملحة أكثر من أي وقت مضى لانشاء سوق الاوراق المالية, فحالة التردي التي تسيطر على سوق الاسهم الأولية كانت أو الثانوية تستدعي سرعة البدء بمباشرة العمل بعد ان تم وضع معظم الاطر القانونية والتشريعية وتوفير المكان المناسب لتطبيق آلية التداول . والواقع ان سوق الأسهم أصبح يعاني من معضلات يصعب حلها بعد التطورات الاستثنائية التي مرت عليه منذ بداية العام الماضي حتى الآن ابتداء من تدفق رؤوس أموال ضخمة للاستثمار به بدون رؤية واضحة أو دراسات ميدانية توفرها جهات رسمية على دراية بوضع السوق الى ارتفاع الاسعار بشكل جنوني من خلال مضاربات لا ترتكز على أسس اقتصادية لم يستطع أحد ايقافها لعدم وجود جهة تمتلك زمام المبادرة ولديها أدوات المعالجة الى تراجع أسعار الاسهم بشكل مؤلم منذ عام وحتى الآن, حقق معها جميع المتعاملون خسائر متفاوتة سواء كانت رأسمالية أو دفترية, مما أدخل السوق في نفق لا أحد يعلم متى الخروج منه. هذا ولم تفلح جميع العلاجات في اعادته الى وضعه الطبيعي اضافة الى تأثيره السلبي على سوق الاصدار الأولية الذي أصبح شبه متوقف وما يتبع ذلك من أضرار على الاقتصاد الوطني من زاوية توظيف الفوائض المالية الموجودة واستغلالها محليا وتنويع مصادر الدخل. جاء ذلك كله في وقت تمتلك فيه الدولة جميع المقومات المهمة لانشاء سوق حديثة للأوراق المالية ولديها الخبرات والادوات الضرورية, اضافة الى ان السوق الحالية من أكبر الاسواق العربية من زاوية كفاية رأس المال وعدد الشركات وتنويعها خصوصا بعد تطور أفكار الاستثمار المالي محليا وازدهار دور القطاع الخاص ودعمه لعملية التنمية إثر توفير مناخ استثماري ملائم اضافة الى وجود مؤسسات مالية متطورة سواء كانت بنوكا استثمارية أو وسطاء أو صناديق استثمار. ان من أهم اسباب تراجع أداء السوق على مدى عام مضى هو تبدد الثقة بشكل فاعل وهجرة واسعة لرأس المال المحلي وتوجهها للاستثمار المالي العالمي, والخوف من تكرار التجربة والوقوع في خسائر مرة اخرى. لذا من الصعب العمل على اعادة الازدهار الى السوق وهو على وضعه الحالي. اذن الحل الوحيد لاعادة الثقة واعادة توطين رأس المال المهاجر وعلاج باقي السلبيات هو ادراج فعلي لجميع الاسهم في بورصة واحدة يحكمها قانون واحد يمكن ان يتم التداول فيها خلال قاعتين للتداول احداهما في دبي والاخرى في أبوظبي, ويمكن انشاء قاعات اخرى في باقي الامارات, على ان تأخذ البورصة بأحدث وسائل التقنية بحيث تبدأ من حيث انتهى الآخرون بالاستفادة من تجاربهم وهو أمر متاح. من الصعوبة بمكان تجزئة سوق الاسهم, فمن المعلوم ان قاعة التداول في دبي اصبحت جاهزة , وفي وقت قريب يتم الانتهاء من قاعة التداول في أبوظبي ورغم ذلك لم يتم بعد تشكيل الهيئة الاتحادية لسوق الاوراق المالية وتشكيل ادارة السوق, ولم تتضح الرؤية فيما يتعلق بآلية التداول والمقاصة والوسطاء, ولم تصدر أية لوائح تنظيمية فيما يتعلق بادراج أسهم الشركات والوسطاء ومستلزمات ذلك وهو أمر يتطلب اعطاء مهلة زمنية له. هناك الكثير من الايجابيات ستتحقق إثر تشغيل قاعة للتداول أو اثنتين في الدولة من حيث اضفاء المصداقية والشفافية وتسهيل عملية التداول وضبط الاسعار والسيطرة على حركتها وتنظيم تدفق المعلومات والعمل على حماية مصالح العملاء وتلافي السلوكيات والممارسات السلبية, وتقديم الخدمات الاستثمارية وتسهيل الافصاح المالي. اضافة الى وجود بورصة منتظمة يعمل على اضفاء الثقة في الاستثمارات المالية في الامارات عموما أمام المستثمرين الاجانب ولا يخفى ان القائمين على مشروع السعديات الضخم يسعون لاجتذاب مستثمرين اجانب. ولكن من شأن تشغيل قاعتين للتداول بآليتين مختلفتين ان يخلق تغيرات عديدة يصعب السيطرة عليها, كذلك يصعب ربطهما عمليا معا تحت قانونين مختلفين وبادارتين مختلفتين, مع عدم اغفال واقع شركات وبنوك عديدة تم تأسيسها في الامارات الاخرى حيث يصعب ايجاد مخرج لادراجها. والمعروف ان من أصل 46 شركة يتم تداولها بصورة دورية هناك 19 شركة مؤسسة في أبوظبي و12 شركة في دبي و6 في الشارقة و4 في رأس الخيمة واثنتين في عجمان وواحدة في كل من أم القيوين والفجيرة وواحدة هي اتصالات تتبع الحكومة الاتحادية. أما من زاوية ملكية الاسهم فهي موزعة على عدد كبير من المساهمين من المواطنين يعدون بعشرات الآلاف متساوين في تملكهم لأي منها بدون توزيع جغرافي ملحوظ. رغم ذلك فإن المؤسسات الاتحادية أصبحت فاعلة الى درجة تستطيع معها مواكبة التطورات وتوفير الحلول العملية للقضايا التي تتطلب توحيد الجهود.