وبضمن التغييرات التي استهدفتها دعوات اطلاق قوى السوق ايضا هوالقيام بإعادة تنظيم دور الدولة في توزيع الدخل ـ اذ يجب اعادة النظر في السياسات العامة غير الواضحة, كما تطلق عليها تلك الدعوات ـ مثل الاعانات العامة والضوابط المفروضة على الاسعار وتزايد الانفاق على التعليم العالي والصحة , التي تستند مبرراتها الى الحجج القائلة بأنها تعود بالنفع على الفقراء, فهذه السياسات نادرا ما تعود بالنفع على الفقراء. وإذا كانت الحكومة تود ان تساعد في اعادة توزيع الدخل فعليها ان تفعل ذلك من خلال سياسات جيدة التركيز وهادفة على جانبي الانفاق والضرائب في الميزانية, ويجب تصميم هذه السياسات بحيث لا تنطوي على اي آثار مثبطة أو تكاليف ادارية عالية. وأخيرا, ترى المؤسسات الدولية ان هناك حاجة كبيرة لاصلباح الادارة العامة في معظم البلدان, لا صلاح اذ ان المرء يجد داخل الجهاز الاداري العام اكثر الحالات الصارخة للانفاق غير الانتاجي. ولاشك ان سياسات التوظيف التي اتبعتها الحكومات في العقود الماضية, والتي غالبا ما كانت تبرر بحجج توزيع الدخل, كان من نتيجتها وجود خامات مدنية كبيرة تنخرط فيها اعداد هائلة من العمال ذوي الاجور المتدنية. ولذا فإن افضل وسيلة للنهوض بالدور الفعال والاساسي للقطاع العام تتمثل في انشاء خدمة مدنية صغيرة الحجم وجيدة الاجر وتكون مدركة تماما لمسؤولياتها مع توقيع الجزاء عليها عندما لا تؤدي واجبها. ان جميع هذه التغيرات التي تطالب المؤسسات الدولية بلدان الشرق الاوسط بتطبيقها من الصعب معارضتها من الناحية النظرية, الا اننا نعيد القول بأن العمل على تنفيذها بظل التشوهات الكثيرة في اقتصاديات هذه البلدان سوف يؤدي الى آثار سلبية وليست ايجابية. ان الدرس الأول الذي تعلمناه من تجارب الدول الآسيوية ان تجاربه التنموية قد نجحت استنادا الى سياسات مزجت بين تدخل الدولة واقتصاديات السوق, بل ان الدولة لعبت دورا مركزيا في ادارة وتنفيذ برامج التنمية. ان احدى القضايا الرئيسية التي جعلت منها برامج الاصلاح الاقتصادي هدفها هو دور الدولة في النشاط الاقتصادي. وقد رفعت هذه البرامج شعارا هو تقليص هذا الدور الى ادنى حد ممكن سواء من خلال تجنيب دخول الدولة في المشروعات الاقتصادية الجديدة وفي تسيير عملية الاقتصاد أو من خلال برامج التخصيص. ونفاجأ بعد هذه السنوات الطويلة من تبني هذا الشعار ان الكثير من الكتاب الاقتصاديين يرجعون اسباب فشل برامج الاصلاح الاقتصادي والمالي في عدد من الدول النامية الى الغياب الكامل لدور الدولة الاشرافي والرقابي والتوجيهي على هذه البرامج. ومن ثم فإنهم يطالبون بدور متوازن للدولة يتماشى مع سياسات التحرير والتكييف الاقتصادي. ومن هنا فإن المطالبة تتركز على تفعيل دور الدولة وليس تعظيمه. وهناك فارق جوهري بين تعظيم دور الدولة وتفعيل هذا الدور. اي ان المطالبة بأن تلعب الدولة اكبر دور ممكن, وانما ان تلعب الدولة اكثر الادوار فاعلية, وهذا يعني في الواقع بدءا من النقطة الحالية اعادة هيكلة دور الدولة بتقليص تدخل الدولة في مجالات لأنه معوق وزيادة دور الدولة في مجالات اخرى لأنه غائب, بل وخلق دور للدولة في مجالات يغيب عنها دور الدولة هذه الايام, اذن باختصار اعادة هيكلة دور الدولة في النشاط الاقتصادي. واذا ما اخذنا بالاعتبار عاملا تاريخيا هاما هو واقع وتطور القطاع الخاص في العديد من بلدان الشرق الاوسط, فإن الحديث المطلوب عن اطلاق قوى السوق في المجتمع يصبح اكثر صعوبة ومثالية ان القطاع الخاص في العديد من هذه البلدان قد استمر دوره بالضعف سواء من جراء تبني توجهات التخطيط المركزي في بعض البلدان العربية او من جراء سيطرة الدولة على الموارد الرئيسية كما هو الحال في الدول الخليجية كما تركز دور القطاع الخاص ايضاً في الانشطة الانتاجية غير الرئيسية, ان هذا الواقع يتطلب وجود مرحلة انتقالية اطول للتحول الى اقتصاديات السوق يجب ان تلعب الدولة خلالها دوراً تنظيمياً واشرافياً رئيسياً. نضيف على ذلك ان تجارب العديد من دول المعسكر الاشتراكي السابق بعد اطلاق قوى السوق قد جاءت محطة لشعوبها, وهي تقدم دليلاً آخر على ان تبني نهج الاقتصاديات الحرة بصورة عشوائية وحرفية دون الاخذ بالاعتبار وجود دور محوري للدولة ينفذ وينظم هذا الاتصال ويبرمجه وفقاً للحالة الخاصة لكل بلد سوف يؤدي الى نتائج وخيمة, بينما تقدم الصين نموذجاً ناجحاً للجهود المبذولة للتحول الى اقتصاديات السوق مع استمرار وجود دور محوري للدولة في ادارة الاقتصاد.