سرية المعلومات المصرفية.. المبدأ الذهبي، عمليات غسيل الأموال ليست مبررا كافيا لإلغاء مبدأ السرية

يتطلب التعامل مع الكثير من المهن الحفاظ على السرية المهنية والخصوصية الشخصية, ونجد لهذا مثلا في العلاقة بين الطبيب والمريض وبين المحامي وصاحب الخصومة, لأنه بغير هذا تنهار الثقة بين الطرفين, وتفقد العلاقة معناها. هذه الخصوصية تطال المهن الأخرى مثل المهنة المصرفية, إذ تنشأ العلاقة بين البنك والعملاء وتزداد متانة نتيجة للثقة المتبادلة , والتي مرجعها إلى الحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بالعميل, وعدم كشفها إلا في الحالات التي ينص عليها القانون. عبدالقادر ورسمة غالب يتعرض لمناقشة هذا المبدأ في مختلف دول العالم, مبرهنا على أن الاستغلال السيئ لهذا المبدأ من جانب البعض ليس مبررا كافيا لإلغائه. هناك حالة من خصوصية العلاقة يجب أن تتوفر بين البنك وعميله, وذلك لأن الأخير سيبوح وسيعطي البنك كل أسراره وكل حساباته وتعاملاته المالية, بل إن البنك في العديد من الأوقات يلعب دور المستشار الاقتصادي والتجاري للعميل ويقدم له النصح والتوجيهات التي تساعده في تطوير أعماله وازدهارها. وكل هذا يتطلب الثقة المتبادلة بين الطرفين والحرص على السرية التامة, لأن إفشاء الأسرار وخاصة بالنسبة للعمل التجاري سيفسده بل ربما يقود إلى خسارته. وانطلاقا من هذا المبدأ حرصت الأعراف والتقاليد المصرفية ومنذ بداية الأعمال المصرفية على مبدأ السرية المصرفية, وصار هذا المبدأ حجر الزاوية في العمل المصرفي وإحدى الركائز والأعمدة الأساسية التي يقوم عليها العمل المصرفي. وتاريخيا بدأ العمل المصرفي مع بداية تطور الأعمال التجارية, ولقد كانت أوروبا الرائدة في هذا المجال وبمرور الزمن تطورت الأعراف المصرفية حتى أصبحت مبادئ ثابتة ومعروفة في العمل المصرفي, ففي انجلترا يتم التمسك بالأعراف المصرفية, وإضافة إلى ذلك لعب القضاء الانجليزي دورا كبيرا في تطوير التشريع والقانون عن طريق الأحكام التي تصدر في المحاكم والتقيد بهذه الأحكام واتباعها. ونلاحظ أن مبدأ السرية المصرفية تم وضعه في قضية شهيرة في هذا الخصوص عُرضت أمام المحكمة العليا في انجلترا, وهي قضية توينر ضد بنك الاتحاد الوطني البريطاني (1924). حيث قضت المحكمة العليا أن الالتزام بالسرية المصرفية التزام قانوني نتيجة للعقد بين البنك والعميل, وبموجب هذا العقد هناك شرط حتمي يحتم على البنك الحفاظ على السرية المصرفية وكتمانها, بل إن المحكمة نصت صراحة على أن التزام البنك التزام قانوني وتعاقدي وليس مجرد التزام أخلاقي أو أدبي, وعليه فإن إخلال البنك بهذا الالتزام القانوني يمنح العميل الحق في التعويض عن الأضرار التي لحقت به. ولقد ذهبت المحكمة العليا إلى أكثر من هذا, وذلك بتحديدها للحالات التي يجوز فيها للبنك الإفصاح عن بعض المعلومات المصرفية كحالات استثنائية, والحالات هي: الإفصاح وفقا للقانون, والإفصاح بموافقة العميل, والإفصاح لمصلحة المصرف, والإفصاح عندما يكون هناك خطر عام على الدولة أو المجتمع. ووفقا للحالة الأولى يتم الإفصاح عند استلام تعليمات من المحكمة استنادا إلى القانون, وفي الحالة الثانية عند وجود موافقة من العميل صراحة أو ضمنا, والحالة الثالثة عندما يحدث نزاع بين المصرف وعميله وبموجبه يحصل المصرف على أمر قضائي يطالب فيه العميل بدفع المستحقات الناجمة عن حسابه المكشوف أو غير ذلك من الالتزامات الأخرى, والحالة الرابعة عندما يكون هناك خطر أو ضرورة اجتماعية تحتم ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة, وذلك مثلا بتقديم المعلومات لسلطات الضرائب وذلك عند تهرب الشخص من سداد الضرائب المفروضة عليه والإفصاح يتم وفقا لقانون الضرائب. وبالنسبة للولايات المتحدة نلاحظ أنها سارت على النهج الإنجليزي ذاته, حيث صدرت أحكام قضائية شهيرة وعديدة تقول إن هناك التزاما قانونيا تعاقديا على البنك, وبموجب هذا الالتزام لا يجوز الإفصاح عن المعلومات المصرفية الخاصة بالعملاء إلا بموجب القانون أو بموافقة العميل نفسه. ووفقا للتركيبة القضائية والإدارية في الولايات المتحدة نلاحظ أن الأمر يختلف في بعض التفاصيل من ولاية إلى أخرى, ولكنه في مجمله يتفق مع ما سبق ذكره. وإمعانا في تأكيد مبدأ السرية المصرفية فإن العديد من الدول وعلى الرغم من اتباعها للتقاليد وللأعراف المصرفية السائدة, إلا أن هذه الدول ولمزيد من الحرص عملت على إصدار تشريعات خاصة تنظم وتقنن مبدأ السرية المصرفية وهذه الدول نظرا لأنها تتبع النظام المدني, المُغاير للنظام الانجليزي, قامت بإصدار التشريعات ولم تترك هذا الأمر للمحاكم وذلك على عكس ما عليه الوضع في دول القانون العام (مثل انجلترا وأمريكا). ومن الصعوبة بمكان التحدث عن كل الدول التي لها تشريعات خاصة تتناول تنظيم السرية المصرفية, ولكن لإلقاء بعض الضوء سنتحدث عن بعض الدول الرائدة في مجال العمل المصرفي. والمثال لهذا الموضوع نجده في سويسرا هذا البلد الصغير المعروف للجميع بالسرية المصرفية, ولقد أصبحت هذه الصفة علامة مميزة لسويسرا وكما يقولون إن هناك ثلاثة أشياء لا توجد إلا في سويسرا: ساعات رولكس وجبال الألب والسرية المصرفية! بل إن مبدأ السرية المصرفية أصبح صناعة قومية في سويسرا يعمل الجميع على ازدهارها ويحرص عليها كل فرد, نظرا لأن هذه الصناعة أصبحت من مصادر الدخل للدولة. وعلى الرغم من أن سويسرا تحترم السرية المصرفية وفقا للأعراف والتقاليد المصرفية, إلا أنها نصت على ذلك في القانون المدني السويسري, حيث تم النص على أن السرية المصرفية من الحقوق الفردية الشخصية التي يجب حمايتها ويجب المحافظة عليها, وكل من ينتهك هذه الحقوق يعاقب جزائيا إضافة إلى حق العميل في المطالبة بالتعويض على كل الأضرار التي لحقت به. ونلاحظ التشدد في النص على العقوبات الجزائية, وهذا ما تنفرد به سويسرا دون غيرها من الدول الأوروبية التي تعطي الحق في المطالبة بالتعويض فقط دون العقوبة الجزائية. وفي ألمانيا نلاحظ أن مبدأ السرية المصرفية ينص عليه الدستور الألماني, حيث يجب المحافظة عليه لأنه يتعلق بالحقوق الفردية للمواطن. هذا ولقد قررت المحاكم أن المحافظة على هذه السرية غير ملزمة عندما يكون هناك إخلال بالدستور وذلك ترجيحا لمبدأ المصلحة العامة على الخاصة, وكل من ينتهك الدستور يفقد الحصانة التي يمنحها له الدستور. ونلاحظ أن هناك بعض الدول, وإمعانا منها في السرية المصرفية, تسمح بفتح حساب مرقم (كود) دون كشف اسم العميل أو أية معلومات متعلقة به, ويبقى هذا النوع من الحسابات هكذا مادامت هذه رغبة العميل. وهذا النوع من الحسابات موجود في بعض الدول الأوروبية وبعض دول المنطقة, إلا أن هناك ضغوطا كبيرة لوقف نظام الحسابات المرقمة لأنها تستخدم في غسل الأموال والجرائم والتهرب من الضرائب وغير ذلك. وفي دولة الإمارات حرص المشرع على مبدأ السرية المصرفية, ونلاحظ وجود بعض النصوص التشريعية التي تتناول السرية المصرفية حيث إن المادة (106) من القانون الاتحادي رقم 10 لسنة 1980 المنظم للعمل المصرفي, تنص على أن جميع المعلومات التي تُقدم للمصرف المركزي من البنوك العاملة في الدولة تعتبر سرية وذلك عدا ما تعلق منها بنشر المعلومات الإحصائية بشكل مجمع. وهذا يعني أن المعلومات التي يحصل عليها المصرف المركزي, بحكم وضعه كسلطة إشرافية على البنوك العاملة في الدولة, تعتبر سرية, وهذا يشمل كل المعلومات المتعلقة بالعملاء. ولا يجوز نشر هذه المعلومات ويجب أن تظل سرية وفي طي الكتمان, وذلك عدا المعلومات الخاصة بالإحصاءات المجمعة دون الإشارة لحساب خاص أو معلومات شخصية عن العملاء, وهذا نص قانوني ملزم للمصرف المركزي. وإضافة لهذا فإن المادة (29) من القانون نفسه تحظر على أعضاء مجلس الإدارة وجميع العاملين بالمصرف إفشاء أية معلومات تتعلق بالمصرف أو المصارف وجميع الجهات التي يرخص لها المصرف, وذلك ما لم يكن الإفضاء بهذه المعلومات تنفيذا للقانون. وكل من يخالف هذا يعاقب بالسجن والغرامة والعزل من الوظيفة في جميع الأحوال. وبهذا يتضح أن السرية المصرفية مُصانة في دولة الإمارات, وهذا نهج سليم لابد من التمسك به في ظل سياسة الاقتصاد الحر والطفرة الاقتصادية التي تشهدها الدولة. وفي سلطنة عمان يوجد تشريع يلزم كل الجهات عدم طلب أية معلومات تتعلق بالعملاء إلا عن طريق البنك المركزي العماني, وبعد تقديم الطلب يقوم البنك المركزي العماني بدراسته وتقويمه وفي العادة لا تتم الموافقة للإفصاح بالمعلومات إلا إذا كان هناك مبرر قانوني يبيح ذلك, وعليه لا يجوز الإفصاح عن المعلومات في السلطنة إلا بموجب القانون وبموافقة البنك المركزي العماني أو بموافقة العميل شخصيا. لكن لاشك أن هناك انتقادات كثيرة موجهة إلى مبدأ السرية المصرفية, وترتكز هذه الانتقادات على أن السرية المصرفية تعطي الفرصة للتحايل على القانون وتجاوزه, وأن هناك أموالا طائلة يتم وضعها في الحسابات المصرفية المُغلقة وأصل هذه الأموال مرتبط بجرائم تهريب ومخدرات, وأن وضع هذه الأموال القذرة في الحسابات يتيح غسلها بالطرق القانونية وبالتالي يستفيد أصحاب هذه الأموال من هذا المبدأ. وبالطبع فإننا نتفق مع جزئية الرأي التي تقول إن هناك أموالا قذرة تدخل في الحسابات المصرفية, ولكن ما نسبة هذه الأموال القذرة إلى الأموال النظيفة التي تدخل يوميا في المصارف؟ وما نسبة أصحاب النفوس الضعيفة مقارنة مع نسبة الشرفاء الذين يتعاملون مع البنوك يوميا؟ لاشك ـ في ما أرى ـ أن نسبة الأموال القذرة إلى الأموال غير القذرة ضئيلة, وكذلك نسبة غير الشرفاء إلى الشرفاء. وأخيرا فإن العمل المصرفي يقوم على مبدأ السرية المصرفية الذي نعتبره بالفعل (مبدأ ذهبيا) , ويجب أن نحرص على هذا المبدأ الذهبي وأن نتمسك به حتى يكون العمل المصرفي مفيدا للأفراد بصفة خاصة وللنشاط الاقتصادي بصفة عامة. وإن التمسك بمبدأ السرية المصرفية أمر مهم في نظرنا ويجب الحفاظ عليه, مع الأخذ في الاعتبار الاستثناءات القانونية المشار إليها أعلاه, وذلك حتى يتطور العمل المصرفي ويرتفع إلى أبعد الآفاق. وعلينا في الوقت نفسه أن نتخذ من التدابير والإجراءات الوقائية ما يحول دون استفادة المفسدين وأصحاب النفوس الضعيفة من هذا المنفذ الحضاري والذي يمثل في نظرنا حماية للحقوق الشخصية والفردية. عبدالقادر ورسمة غالب المستشار القانوني للمصرف المركزي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات