يفرد وزير التجارة والصناعة الكويتي على طاولته استحقاقات كثيرة يرى ضرورة إيجاد حلول جذرية لها فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي في الكويت, ويشدد على أهمية وضع سوق الكويت للأوراق المالية على قائمة الأولويات, خاصة فيما يتعلق بالشفافية والسرية في المعلومات في مكاتب الوساطة , إضافة إلى قضايا ملحة من أهمها الشكوى التي يرفعها المهنيون وأصحاب الجمعيات بشأن زيادة أسعار الأراضي التي تقام عليها منشآتهم.الوزير الكويتي له آراؤه ومواقفه تجاه هذه القضايا, وهو مطالب في ظل الآمال المعقودة عليه من قبل أوساط عديدة بالوصول إلى قرارات عاجلة. ولا يتجاوز تعداد الكويتيين 750 ألف نسمة, وليس صعبا على أي مواطن الوصول إلى أي وزير. وعلى الرغم من ذلك فإن العلاقة بالوزراء تختلف وفقا لشخصية الوزير وسلوكياته التي تسبق توليه منصبه. وعبدالوهاب الوزان, الذي اختير وزيرا للتجارة والصناعة ووزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل (وهما وزارتان مستقلتان منذ استقلال الكويت) ليس كغيره من الوزراء, فهو رجل أعمال ولديه شركات تعمل في مواد البناء كان يديرها بنفسه وربما لايزال, وكان عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الكويت, أي يمثل قطاعا مؤثرا من الكويتيين بل وربما أكثر القطاعات تأثيرا منذ أكثر من قرن من الزمان. وهو صاحب رأي, ويوجد باستمرار كعنصر فاعل في تجمعات المثقفين, ويحظى بمكانة خاصة لصواب آرائه وهدوء طرحه. وكان المدير العام لسوق الكويت للأوراق المالية هشام العتيبي قد سبق الوزان إلى وزارة التجارة والصناعة, ولكن الرجل لم يكن قد فرغ بعد من الاطلاع على ملفات الوزارة حتى صدر مرسوم حل مجلس الأمة وإجراء الانتخابات وبالتالي جرى تشكيل حكومة جديدة شغل فيها عبدالوهاب محمد الوزان حقيبة التجارة والصناعة وحقيبة الشؤون الاجتماعية. ولأن الوزان كان مهموما بكل هموم الكويت, فقد ساد ارتياح كبير أوساط التجار والمثقفين ورجال الأعمال بشكل عام, وهو الذي شارك مع مجلس إدارة الغرفة في صياغة كثير من أوراق العمل التي قدمت في مناسبات عدة لإصلاح الوضع الاقتصادي. ونظرا لهذه المكانة الخاصة لوزير التجارة والصناعة فقد بدأت المشكلات تطرح عليه بمناسبة وغير مناسبة, ولم يتردد الرجل في طرح تصوراته وآرائه. وأول الاستحقاقات التي تشغل بال الوزير سوق الكويت للأوراق المالية التي لم تشهد تحسنا على الرغم من صدور قرارات مهمة بفرض الرسوم وزيادة الأسعار وبالتالي زيادة موارد الدولة غير النفطية.. فما هو الوضع من وجهة نظر الوزير؟ في اجتماع عقده قبل أيام مع إدارة السوق, ركز عبدالوهاب الوزان على مجموعة من المبادئ منها الشفافية والمحافظة على سرية المعلومات. وضمن هذه النقطة بالذات طالب بضرورة إصدار القوانين التي تجرم تسريب المعلومات وتؤثر على شفافية العمل كشرط لابد منه قبل السماح بالاستثمار الأجنبي المباشر في البورصة. وأكد ضرورة وجود مثل هذه القوانين الرادعة لمعاقبة كل من يسعى إلى تغيير اتجاهات المتداولين, سواء بتسريب معلومات تتعلق بمشروعات الشركات أم ربحيتها. وربما أدى الاتجاه نحو الحزم في تطبيق الشفافية إلى تقليص عدد الموظفين في مكاتب الوساطة للحد من تسريب المعلومات إلى بعض المستثمرين. وأكد كذلك على ضرورة ارتباط مؤشر السوق بحالة إنتاجية وليس حالة مضاربة كما هو الوضع حاليا. وحسب الوزير, فإن هناك ضرورة بالإسراع في برنامج الخصخصة للقضاء على الوضعية المهمشة التي عانى منها القطاع الخاص طوال السنوات الثلاثين الماضية بعد أن سيطر القطاع العام على 75% من الناتج القومي المحلي. أما ثاني الاستحقاقات المهمة التي تواجه وزير التجارة والصناعة عبدالوهاب الوزان فهي تلك الشكوى المريرة التي تقدم بها التجار ضد المعارض الخارجية التي تنظم داخل الكويت. فهذه المعارض, حسب شكوى التجار, يفترض أن تعرض السلع لإطلاع السوق التي تعرض داخلها على مدى التطور الإنتاجي في البلد الذي تنتمي إليه هذه المعارض. غير أن الواقع حسب التجار يقول إن بعض هذه المعارض ـ ومنها المعرض التركي ـ بات أقرب إلى السوبرماركت الكبير, فهي موجودة طوال العام وتبيع للعملاء بشكل مباشر. وقال بعض الشاكين إن منطقة المعارض في الكويت صارت سوق جمعة جديدة, في حين يفترض ألا تكون كذلك بالمرة. إدارة السوق ردت بأن البيع المباشر في المعارض ليس بدعة أو ابتكارا كويتيا, ولكن الموقف بالنسبة للوزير قد يكون مختلفا. فالوزان من دعاة الالتزام بالقوانين وضرورة تطبيقها وعدم الخروج عليها أو الالتفاف حولها من أية جهة كانت, وهو بالتأكيد حريص على علاقات بلاده بالدول الأخرى, فهو يتعاطى السياسة بوعي عال, ولكنه كذلك معني بمشكلات وشكاوى التجار, ولن يتردد في إحالة الشكوى إلى الإدارة القانونية في وزارته قبل أن يتخذ القرار المناسب والواضح أنه سيكون التزام المعارض بعدم البيع لأن القوانين تقول بإعادة المنتجات إلى بلدانها أو إعطائها على سبيل الاهداء. الشكوى الأخرى التي تواجه عبدالوهاب الوزان تتعلق بزيادة أسعار أرض الدولة المؤجرة للجمعيات التعاونية والمهنيين والصناع وغيرهم. وقد بادر بالشكوى العديد من الجمعيات التعاونية التي قالت إن الزيادة كبيرة وسوف تؤدي بشكل طبيعي إلى زيادة الأسعار, مما قد يعرض الجهات الشاكية للخسائر. وجاء رد الوزير مفاجئا تماما, فقد طالب الجهات التي تطالب بإلغاء الزيادات بأن تتقدم بدراسات علمية أو بملفات واضحة تبين تأثير هذه الزيادات على أدائها. وطالب بأن تتضمن الدراسات أو الملفات المبيعات والأرباح أو الخسائر من واقع ميزانيات رسمية لهذه الجهات, سواء معتمدة أم تقديرية, كي لا يكون الكلام على عواهنه. بقيت بعض النقاط الأخرى, والتي منها منح الرخص التجارية وافتتاح المنطقة الحرة, وضمن هذا الإطار شدد الوزان على الالتزام بالقانون في الحالة الأولى وبقرب افتتاح المنطقة الحرة في الحالة الثانية لتتبوأ الكويت مكانتها كمنطقة مهمة وحيوية في عمليات إعادة التصدير. عبدالوهاب الوزان عقلية جديدة تعمل بإيقاع مختلف, ولذلك يتوقع منها الكثير إن طال شغله لمنصبه. من ناحية أخرى, أقدمت الجهات الرسمية الكويتية مؤخرا على اتخاذ العديد من القرارات الصعبة أو التي كانت توصف دائما بأنها قرارات غير شعبية. وربما يقف وراء هذا الأمر الإجماع العام على ضرورة الإصلاح الاقتصادي والإداري حتى لو لم يكن ذلك مرضيا للجميع. وربما كانت قوة الحكومة التي ظهرت جلية خلال انتخابات رئيس مجلس الأمة, حيث فاز جاسم الخرافي بسبعة وثلاثين صوتا وبفارق كبير لم يحدث من قبل عن منافسه أحمد السعدون, رئيس المجلس السابق, ولثلاث دورات متتالية. عموما شهدت الأسابيع القليلة الماضية زيادة وصلت 40% في أسعار الوقود, وفرضا للرسوم على الخدمات الصحية وزيادة كبيرة في تكاليف المعاملات الإدارية وفي الغرامات على مخالفي القواعد المرورية. القرارات اتخذت ومجلس الأمة في إجازة, إلا أنه وعلى الرغم مما يتوقعه البعض من مناقشات حادة حول الزيادات والرسوم, فإن إقرارها هو الأقرب إلى التصور في ظل وجود آراء مهنية وتقنية عديدة تؤيد مثل هذه القرارات. القضية الأهم والتي تثير جدلا واسعا داخل الكويت حاليا تتعلق بوجود عدد كبير من الشركات والأفراد يمارسون عمليات الإقراض وبفوائد عالية للغاية من دون أن يكون لديها ترخيص من وزارة التجارة والصناعة. وتكمن خطورة هذه الممارسات في أكثر من زاوية: الأولى: أنها تشكل اختراقا للقانون, وهو وإن كان قد استمر على مدى ثلاث سنوات حتى الآن وعلى العلن, إلا أنه غير مقبول في ظل التوجه الحكومي لحسم العديد من القضايا والالتزام بروح وبنصوص القوانين وتطبيقها بشفافية ومن دون محاباة. الثانية: تتمثل في الآثار الخطيرة المترتبة على التوسع في منح هذه القروض وما ينتج عنها من مشكلات اجتماعية عديدة, حيث تعيش فئات ليس لديها سوى راتبها الشهري في مستويات لا تناسبها على الإطلاق. وقد صرح أحد خبراء المال بأن نحو 70% من رواتب الموظفين المتعاملين مع القروض, سواء من البنوك التجارية أم الشركات والأفراد أم من خلال التسهيلات التجارية, تذهب للقروض. وبالتأكيد, فإن 30% من راتب الموظف لا يكفيه قوت يومه, مما يوقعه في مشكلات أكثر خطورة ويدفعه للاقتراض من جهات أخرى لتتعقد حياته. الثالثة: تأثير هذه القروض على الوضع الاقتصادي بشكل عام, إذ ان هناك وبنسبة كبيرة من يستخدم القروض للسفر ولشراء سلع استهلاكية, وذلك يؤثر على معدلات الادخار من جهة ولا ينعش الحالة الاقتصادية الراكدة على الرغم من كل ما تقدمه الشركات التجارية من تسهيلات, خاصة وأن البعض يبيع مشترياته منها مقابل مبالغ نقدية متواضعة. الرابعة: تأثير نظام الإقراض من الشركات والأفراد غير المرخص لهم يعرقل نظام المخاطر المركزية الذي يقوم البنك المركزي بوضع نظامه التنفيذي. ويطمح البنك إلى تطبيق النظام خلال العام الجاري بعد الانتهاء من وضع نظام المعلومات. ويقضي النظام بإخضاع جميع الشركات التي تمنح تمويلا أو تبيع بالأقساط للقواعد الائتمانية التي يحددها البنك المركزي وبشرط ألا تزيد الأقساط على 50% من الراتب. ولعل السؤال هنا: ما الذي تنوي أن تفعله وزارة التجارة والصناعة بعد أن تأكد لها وجود عدد كبير من الشركات والأفراد الذين يمارسون عمليات الإقراض غير المشروع؟ لقد عمدت وزارة التجارة التي يقف على رأسها الوزير عبدالوهاب الوزان, عضو مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة الكويت, إلى إرسال إنذارات إلى 43 شركة تأكد لديها أنها تمارس منح القروض. وتطلب الانذارات من الشركات الالتزام بالقوانين وعدم الالتفاف أو الخروج وإلا طبقت عليها العقوبات المنصوص عليها ومنها الشطب بطبيعة الحال عملا بالمادة 14 من قانون التجارة. كذلك قامت الوزارة بتحويل عشرين مؤسسة وشركة إلى النيابة العامة للتحقيق معها في القيام بممارسات غير مشروعة تتمثل في منح القروض والتسهيلات المالية. وقد استندت وزارة التجارة في ذلك إلى ما نشرته هذه الشركات من إعلانات في الصحف والمجلات والدوريات والمطبوعات المختلفة. وحسب وكيل وزارة التجارة والصناعة راشد المجرن, فإن هذه الشركات والمؤسسات تمارس نوعا من الاحتيال والنصب, حيث تقدم إغراءات للمقيمين والمواطنين لدفعهم إلى الاقتراض منها وتحقيق مكاسب كبيرة وسريعة, وهذا الأسلوب غير مشروع ويخالف القوانين وسوف تتصدى له الوزارة. وقد قامت وزارة التجارة والصناعة بالفعل بتشكيل لجنة تضم ممثلين عنها وعن وزارة الإعلام وعن البنك المركزي وعن النيابة التجارية وعن الإدارة العامة للمباحث الجنائية لمعالجة الظاهرة والقضاء عليها. ولعل أبرز الجهات التي قررت اتخاذ إجراءات مشددة لدعم توجه وزارة التجارة كانت وزارة الإعلام التي قررت تطبيق المادة 35 مكرر من قانون المطبوعات والنشر والتي تقضي بتعطيل أي مطبوع ينشر إعلانات غير مرخص لها من وزارة التجارة والصناعة. يذكر أن الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية كانت تحفل بمثل هذه الإعلانات والخاصة بمنح قروض من مؤسسات وشركات غير مرخص لها. القرارات الأخيرة بطبيعة الحال أشاعت جوا من الارتياح لدى البنوك التجارية باعتبارها أول المتضررين من وجود مثل هذه المؤسسات غير المرخص لها بمنح القروض, إذ يتوقع أن يتجه العملاء إلى البنوك التجارية ويتوقع أن تتراجع معدلات الاقتراض وتزداد بالمقابل معدلات الادخار. عبدالوهاب الوزان البورصة تشغل بال الوزير الكويتي