بعد سلسلة الاخفاقات التي منيت بالعديد من التجارب التي حاولت سريعاً التخلص من دور الدولة في الاقتصاد واطلاق قوى السوق لتلعب دورها المنشود بحرية تامة, تصاعدت الدعوات الى تجاوز هذه المحاولات والاستعاضة عنها باعطاء الدولة دوراً اكثر فاعلية وليس بالضرورة اكبر حجماً واعادة تنظيم هذا الدور لكي يصبح أكثر كفاءة . والمفارقة اللافتة للنظر هنا ان هذه الدعوات الجديدة لاقت صدى اوسع في الغرب الصناعي وراحت العديد من الحكومات في دول الغرب تنظم صفوفها للتكيف مع متطلبات دورها الجديد, في حين نجد أن أدبيات وبرامج مؤسسات هذه الدول الموجهة الى الدول النامية لا تزال تصر على تلك الدعوات القديمة بل وتطالب بالتسريع لها, وبشموليتها بصورة اكبر, ونحن لا نفهم حقاً اذا كانت آليات السوق في ظل اقتصادات متطورة وتتجه نحو النضج والاستقرار لم تفلح بأن تؤدي دورها المطلوب بدون تدخل ما من قبل الدولة, فكيف تؤدي هذه الآليات دورها في مجتمعات نامية ان لم نقل متخلفة اقتصادياً وتشوبه الكثير من التشوهات والاختلالات. ان اعادة تسليط الضوء على أهمية اقتصاد السوق تمت بصورة قوية خلال السنوات الاخيرة وبالذات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وباقي دول المعسكر الاشتراكي, ونتيجة لذلك حدث تراجع واسع للتدخل الحكومي في الانشطة الاقتصادية, وزاد الاعتماد على الدور التوزيعي للسوق, ان الهدف المعلن من هذا التراجع كان نقل دور الدولة من دور يقود السوق الى دور يعززها وهكذا فقد شهد عدد متزايد من البلدان عددا من التطورات مثل: الاتجاه نحو خصخصة المؤسسات العامة, وتخفيض القيود الكمية على التجارة او ازالتها, وخفض رسوم الاستيراد الى مستويات متدنية جداً في بعض الحالات, مما يجعل المبادلات التجارية اكثر استجابة لتغير الاسعار النسبية, وتضييق الفروق بين اسعار الصرف الرسمية واسعار الصرف في السوق السوداء, وكذلك خفض او ازالة القيود على تخصيص الائتمان والضوابط المفروضة على اسعار الفائدة, ما يعيد لسوق الائتمان وظيفته التوزيعية المهمة. ووفقاً للأهداف المعلنة ايضاً, فإن جميع هذه الاجراءات استهدفت زيادة دور قوى السوق وتضييق نطاق التدخل الحكومي, مع اجراء ما يلزم من تغييرات ضرورية, واصبح صانعو السياسات يؤكدون ان الحكومة لا يمكنها ان تحل محل السوق, بل يجب بدلاً من ذلك ان تتخذ ما يلزم من اجراءات لجعل السوق تعمل على نحو افضل. وعلى الرغم من ان العديد من دول المنطقة وخاصة في المغرب العربي ومصر والاردن قد اتخذت اجراءات واسعة على طريق تقليص دور الدولة واعطاء دور اكبر للقطاع الخاص فإن المؤسسات الدولية ترى ان التصريحات في هذه البلدان اقل سرعة واقل وضوحاً عنها في بلدان آخرى, ووفقاً لهذه المؤسسات فإن بلدان الشرق الاوسط لا تزال تظهر تدخلاً حكومياً في السوق اكبر بكثير منه في المناطق الاخرى مثل امريكا اللاتينية وآسيا, حتى وان كانت عملية تقليص دور القطاع العام قد بدأت بالفعل في هذه البلدان, وقد انفقت بلدان الشرق الاوسط من خلال القطاع العام نسبة من الناتج المحلي الاجمالي بلغت 39% وهي تزيد بكثير عن المتوسط الخاص بالبلدان النامية البالغ نحو 20% والواقع ان مستوى انفاق القطاع العام في الشرق الاوسط يكاد يصل الى نفس حجم انفاق البلدان الصناعية على القطاع العام, مع الفارق في المستوى الاقتصادي بين الاثنين, فالدولة في الشرق الاوسط لا تزال تمارس سيطرة واسعة النطاق على العديد من القرارات الاقتصادية وتتدخل بشكل مكثف في الانتاج من خلال الملكية المباشرة للموارد (كالنفط) وكذا نشاطات المؤسسات العامة, الرئيسية ومن هذه التغييرات الاستمرار في برامج التخصيص التي يجب ان تحد من تدخل الدولة, بل والاسراع فيها في هذه المؤسسات انه في اقتصاد السوق, لا يوجد في حقيقة الامر اي سبب قوي لتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي, واذا حدث من خلال الخصخصة, ان تمكنت الدولة من تدبير الموارد المالية التي تساعد على خفض مجموعة الاجور في القطاع العام, او تخفيض الاعانات المقدمة للمؤسسات العامة, فإن هذه ستكون سياسة جديدة اما اذا كانت اسعار الفائدة على ديون القطاع العام مرتفعة, وكان بالامكان سداد جزء من الديون وباستخدام عوائد عمليات الخصخصة, فإن هذه تعد سياسة ممتازة. وكذلك على الدولة ان تتوقف عن التحكم في الاسعار, سواء اسعار السلع القابلة للاتجار ام السلع المحلية ام الاسواق المتخصصة مثل الاسواق المالية, اذ ان فرض الضوابط على الاسعار يشوه الاسواق دائماً ويؤدي الى مظاهر انعدام الفاعلية والسعي الى تحقيق التربح, ويجب ان تتوقف الدولة ايضاً عن عدم السلع الاساسية الى النقطة التي يؤدي عندها هبوط اسعار هذه السلع الى الزيادة في الطلب والى تبديد الموارد, وهذا هو المجال الذي ينطوي على بعض الامثلة الصارخة على سوء قيام الحكومة بتوزيع الموارد, ومن بين هذه الامثلة بعض بلدان الشرق الاوسط. وعلى الحكومة ان تقلص دورها في توزيع الاستثمارات والنشاطات الاقتصادية من خلال الحوافز او من خلال النظم المقيدة, بل يجب عليها, بدلاً من ذلك, ان تسخر طاقاتها لتحسين فاعلية السوق عن طريق ازالة النظم الاقتصادية غير الفعالة, وعن طريق نشر افضل للمعلومات, وانشاء هيئات تنظيمية تتسم بالفعالية والشفافية, وتكون معروفة للجميع وتطبق بموضوعية وشفافية على جميع المتعاملين في السوق, ويمكن للدولة ان تقوم بتنمية السلوك التنافسي عن طريق اتاحة الفرص المتكافئة لجميع المتعاملين في السوق.