ان التنمية الاقتصادية الحقة هي التنمية التي تهتم بالانسان وبالبيئة التي يعيش فيها صحيح ان معيار متوسط دخل الفرد في المجتمع هو المعيار الأساسي لقياس معدل النمو الاقتصادي بيد ان هناك فارقاً كبيراً بين مفهوم النمو الاقتصادي ومفهوم التنمية الاقتصادية فالنمو كما اسلفنا يقاس بنمو الناتج ومن ثم الدخل كقيمة وكنسبة وكمتوسط اما التنمية فتعني النمو الشامل والمتجانس والمتناسق والمتوازن بكافة ابعاده ومفاهيمه , لا شك ان نمو الدخل القومي مؤشر ايجابي بيد انه قد لا يكون مصحوباً احياناً بنمو متوازن بالمؤشرات الاقتصادية الاخرى كنمو مستوى الخدمات والمرافق العامة والصحة والتعليم وغيرها او نمو البنية الاساسية للاقتصاد او حتى التنمية الاجتماعية ذاتها, وقد يكون نمو الدخل احياناً مصحوباً باعادة هيكلة في توزيع الدخل ذاته ليست في صالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة وهذا في الحقيقة ما تؤكده التقارير الاقتصادية للمنظمات الدولية حيث ان عدد الاغنياء في العالم يزداد وعدد الفقراء في العالم يزداد يومياً كذلك وتعد المضاربات في الاسهم والسندات والعملات والعقارات وغيرها سبباً رئيسياً وراء ذلك التغير الهيكلي في توزيع الدخل القومي فالتنمية الحقيقية اذاً هي التنمية التي تعني بالانسان وبيئته وتعني كذلك بصحة الانسان وبالصحة العامة وتجدر الاشارة هنا الى ان مفهوم الصحة كما عرفته منظمة الصحة العالمية (هو حالة من السعادة البدنية والذهنية والاجتماعية الكاملة وليس فقط غياب المرض او العجز) . وبالتالي فالمقياس المطلق للدخل لا يصلح لقياس معدل التنمية الاقتصادية بل لا بد من حساب المعايير الاخرى ذات العلاقة. ومن هنا ينبع اهتمام الانسان بالبيئة التي قد تتأثر سلبياً بالمشاريع والانشطة الاقتصادية جميعها (الصناعية والزراعية والخدمية) حيث ان تلك المشاريع التي هي اساس التنمية الاقتصادية قد ينجم عنها مخلفات صلبة او سائلة او غازية اغلبها يلحق الضرر بالبيئة وبالانسان وبالصحة العامة, وبما ان الانسان هو المستهدف من التنمية الاقتصادية ورفاهية الانسان هي غاية التنمية الاقتصادية ومقصدها الرئيسي وبما ان المحور الأساسي لقيام التنمية الاقتصادية واستمرارها هو المورد البشري (اي الانسان) كان لا بد من الاهتمام بالصحة العامة وبالبيئة عن طريق السعي لايجاد المشاريع والانشطة الاقتصادية النظيفة والتقليل من المخلفات الضارة واعادة تدويرها لصالح العملية الانتاجية فبدأ بالتالي يبرز مفهوم الانتاج النظيف وبدأت الصناعات والمشاريع الاقتصادية القائمة منذ زمن طويل تدرك وتعي أهمية الانتاج النظيف ودوره في التنمية الاقتصادية وبدأت بالتالي تضع خططاً حديثة لتحديث عمليات انتاجها بما يتفق وروح العصر من حيث المحافظة على البيئة وحمايتها ومن حيث الحرص على الصحة العامة ومبدأ رفاهية المجتمع هي غاية التنمية الاقتصادية ومقصدها النهائي. فالاضرار البيئية الناجمة عن المشاريع الصناعية والزراعية والحيوانية والسمكية والخدمية غير المدروسة بيئياً لا يقتصر ضررها على دولة بعينها وانما قد يمتد الى كافة ارجاء الكرة الارضية وذلك مثل تآكل طبقة الاوزون واستخدام الكيماويات والمخلفات السامة ومخلفات المفاعلات والتفجيرات النووية والتصحر وتلوث المياه وانخفاض منسوبها نظراً لاستخدامها في الصناعة والزراعة بكميات ضخمة وانقراض بعض الكائنات الحية وهناك تلوث يحدثه البشر وقد يكون بسبب التنمية الاقتصادية وقد يكون لأسباب اخرى كالحروب والصراعات الدموية بين الدول وحرائق الغابات وهناك تلوث تحدثه الكوارث الطبيعية كالزلازل والبراكين والفيضانات والاعاصير والسيول وغيرها. ان تلوث الهواء الجوي والبيئة البرية والبحرية لا يعرف جنسية ولا وطن وقد ينتقل من منطقة الى اخرى بشتى السبل كالتيارات المائية والهواء والمواد الاولية والتربة والمواد المصنعة من هذا المنطلق يصبح شعار نظافة البيئة والصحة العامة شعاراً دولياً لا يرتبط بوطن بعينه ومن هذا المنطلق فإنه تجدر الاشارة الى ثلاثة مبادئ أساسية يجب مراعاتها عند تطبيق مبادئ نظافة البيئة. 1) تطبيق مبدأ الاحتياط والحذر السابق لانشاء المشاريع الاقتصادية واللاحق لانشائها واثناء التشغيل ويتضمن ذلك المبدأ انه عندما يثير نشاطاً اقتصادياً معيناً, مخاوف الاضرار بالبيئة او بالصحة البشرية او الصحة العامة, فإنه يتوجب اتخاذ اجراءات احتياطية تجاهه حتى ولو لم يثبت علمياً وبشكل قطعي علاقة او ارتباط قوي بين السبب والمسبب وذلك من باب الاحتياط والحذر. 2) تطبيق مبدأ الامن الصناعي والمرتبط بعملية التأمين الصناعي كذلك ويتضمن ذلك المبدأ تحديد المناطق الصناعية ومواقعها المناسبة وبعدها عن المناطق السكنية ودراسة موقعها جيداً من الناحية السياسية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية ومراعاة كافة الجوانب الأمنية في المشروع وكافة الحوادث التي من الممكن ان تنشأ به حاضراً ومستقبلاً. 3) تطبيق مبدأ استمرارية الفحص الدوري على البيئة والصحة العامة وخصوصاً في المناطق الصناعية. د. محمد ابراهيم الرميثي